شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) . فهذه الآيات عامة في التائبين وغيرهم، إذا فالتوبة قبل القدرة لا تسقط الحد عن التائب والله أعلم (١) .
مناقشة هذا الدليل:
وهذا الدليل مناقش بأن هذا من العموم المخصّص، وقد قام الدليل على المخصّص من السنة بسقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه والله أعلم. ٢- من السنة (٢):
واستدل من السنة بأحاديث الذين جاءوا إلى النبي ﷺ تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد كماعز (٣) ﵁ والغامدية ﵂ [فأقام] (*) ﷺ عليهم الحد وهم تائبون قبل القدرة عليهم فلو كانت التوبة قبل القدرة مسقطة للحد لم يحدهم ﷺ.
مناقشة هذا الاستدلال:
وقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاستدلال وبين ضعف هذا المسلك في فهم أحاديث هؤلاء، وأن كلّ واقعة منها لا تدل إلا على أن النبي ﷺ حد صاحبها باختياره حيث اختار التطهير بالحد، ولم يكتف بالتطهير بالتوبة. فالحد غير. متعين والحالة هذه، ولو كان متعينًا لما قال في حق ماعز (هلاّ تركتموه) . وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٤): (فإن قيل: فماعز جاء تائبًا، والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهم الحد.
_________________
(١) انظر: المغنى مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦- ٣١٧.
(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦، وأعلام الموقعين ٢/٧٩. (٣) هو: ماعز بن مالك الأسلمي ﵁ (انظر: الإصابة ٣/٣١٧) . (٤) انظر: أعلام الموقعين ٢/٧٩. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (فأثام)
[ ٨٤ ]
قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبما احتج أصحاب القول الآخر، وسألت شيخنا (١) عن ذلك، فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة وها اختارا التطهر بالحد على التطهير بالتوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز (هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) . ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به (اذهب فقد غفر الله لك) وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي ﷺ مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما.
وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم) .