في الاعتراض على عقوبة الزنى ورده (١) .
تختلف عقوبة الزنى باختلاف حال الزاني، فالجلد والتغريب عقوبة الزاني البكر، والرجم عقوبة الزاني المحصن.
وعلى أي من الحالين فقد أورد نفاة المعاني والقياس اعتراضًا على عقوبة الزنى، فقالوا: هذا تفريق في الشرع بين المتماثلات، فكيف يعاقب الشارع السارق بقطع يده، ويترك معاقبة الزاني بقطع فرجه والفرج هو العضو الذي باشر فيه معصية الزنى كما أن اليد هي الآلة التي باشر فيها معصية السرقة (٢) .
وقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاعتراض، وأتى عليه بالنقض والرد
له من وجوه متعددة مبينًا أن هذا من أفسد القياس وأبطله، وإن عين الحكمة والكمال: هي فيما رتبه الشارع على كلّ جريمة بما يناسبها من عقاب. ونستطيع أن نستخلص وجوه الرد والتعقب لهذا الاعتراض فيما يلي:
١- أن الفرج عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل بقطعه مقصود الشارع بالحد من الزجر والردع للغير، وهذا بخلاف السارق بقطع يده.
٢- أن في قطع العضو التناسلي قطع للنسل وتعريض للهلاك وقضاء على النوع الإنساني وهذا بخلاف قطع يد السارق.
٣- أن لذة الزنى سرت في جميع البدن كلذة العضو المخصوص فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن الذي نالته اللذة المحرمة.
٤- أن السارق إذا قطعت يده بقيت له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج فإنه
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٦، ٢/٥٢، ١٠٦- ١٠٨. والداء والدواء ص/١٦٠.
(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/٥٢
[ ٩٧ ]
إذا قطع لم يبق له ما يقوم مقامه لتتميم مصالحه بتنمية النوع الإنساني.
٥- أن قطع العضو التناسلي مفض إلى الهلاك، وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك، والمحصن يناسب جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع
بعض أعضائه. فافترقا.
لهذه الوجوه ولغيرها من أسرار التشريع- التي أبدى ابن القيم رحمه الله تعالى الكثير منها - يتبين للمنصف أن عقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأقومها بالمصالح وأوفقها للعقل كما في عقوبة الزنى، وإن الشارع لم يفرق بين متماثلين قط، كما أنه لم يجمع بين ضدين أبدًا، بل وضع كلّ حكم موضعه المناسب له ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
وهذه الوجوه قد أبداها ابن القيم رحمه الله تعالى مختصرة ومبسوطة، فيحسن
بنا بعد هذا السياق ذكر كلامه الشامل في ذلك إذ يقول (١):
(وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كلّ جان كلّ عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى محرم، وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانًا، ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها.
وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف
عدوانه أقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحًا، وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة.
إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/١٠٦ - ١٠٨
[ ٩٨ ]
ثم إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًا كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون (فلان ينظر إلى فلان مسارقة) إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًا لا يريد أن يفطن له، والعازم على السرقة كاتم مختف خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء وأما الزاني: فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب
من فعله وقوعه برضاء المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة.
ولما كان الزنى من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب
الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا إهلاك الحرث والنسل، فشاكل معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتاع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم
الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة.
ثم إن للزاني. حالتين:
إحداهما: أن يكون محصنًا قد تزوج، فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من
جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.
والثانية: أن يكون بكرًا، لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له
من العذر بعض ما أوجب له التخفيف، فحقن دمه، وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى
أنواع الجلد ردعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام وعونًا له إلى القناعة بما رزقه
الله من الحلال.
وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه، والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟.
[ ٩٩ ]
ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرّب تعالى، من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم. وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنى بجميع أجزائه، فكان من العدل أن تعمه العقوبة، ثم أنه غير مقصور في حق المرأة، وكلاها زان، فلا بد أن يستويا في العقوبة فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين ) .