في سد الذرائع (٢) الموصلة إلى الزنى (٣)
قاعدة التشريع التي لا تنخرم أن الله ﷾ إذا حرم شيئًا حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سدًا للذريعة وكفًا عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرذائل والطرائق
الموصلة إليها حتى يلقى الله تعالى وهو على هدى من الله وصراط مستقيم.
ولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل
قاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كلّ لحظة وآن، تلك هي: قاعدة (سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات) .
وابن القيم رحمه الله تعالى قرر هذه القاعدة، واستدل لها من وجوه الأدلة بما
_________________
(١) انظر: حكمة التشريع وفلسفته للجرجاني ٢/٣٨٣- ٣٨٩، ومحاسن شرائع الإسلام للفقيه محمد بن عبد الرحمن البخاري الحنفي م سنة ٤٥٦ هـ. - ص/٥٩- ٦١ ط القدسي بمصر سنة ١٣٥٧ هـ
(٢) الذرائع جمع ذريعة، وهي اللغة الوسيلة كما في لسان العرب ٩/٤٥١) وفي الاصطلاح: عند الأصوليين سد الذريعة هي: منع التوسل بما هو مباح إلى ما هو مفسدة. كما في (الفروق) للقرافي ٢/٣٢، وتنقيح الفصول ص/١٤٤.
(٣) انظر في بيان سد الذرائع الموصلة إلى الزنى: أعلام الموقعين ٣/١٤٩، ١٥١، ١٦١، ١٦٢،١٦٣،١٦٥، ١٦٨، وإغاثة اللهفان ١/٤٨، ٤٩، ٣٦٢،٣٦٤، ومدارج السالكين ١/١١٨، ٣٦٩، وبدائع الفوائد ٢/٢٧١، ٢٧٢، والداء والدواء ص/ ٢٢١- ٢٢٣،١٤٢، ٢٦٢ والطرق الحكمية ص/٣٢٤- ٣٢٧.
[ ١٠٦ ]
يقارب مائة وجه من الكتاب والسنة (١)، وبيّن أن قاعدة سد الذرائع، أحد أرباع التكليف، فإنه وجه ذلك فقال (٢):
(وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين) .
وفي خضم هذا المبحث ذكر ضروبًا ووجهًا مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا، وعرضها بأسلوبه العلمي الأخاذ الخالي من التعقيد والجفاف وبيانها على ما يلي:
١- نهى النساء عن الضرب بالأرجل.
قال رحمه الله تعالى (٣):
(قال الله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) . فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن) .
وهذا المنهي عنه- من وسائل الإغراء والإشارة- هو نهي تحريم كما فهمه ابن القيم وهو محل اتفاق من علماء التفسير.
وابن القيم في مقام دلالة النص على قاعدة سد الذرائع، وإلا فإن الآية تفيد أيضًا النهي عن كلّ حركة من شأنها أن تثير الغريزة وتلهب داعي الشهوة، وفي ذلك يقول ابن كثير رحمه الله تعالى (٨): (وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن)
_________________
(١) انظر: في بيان هذه القاعدة أعلام الموقعين ٣/١٤٧- ١٧١ وإغاثة اللهفان ١/٣٦١ – ٣٧٦
(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٧١.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٩، وإغاثة اللهفان ١/٣٦٤
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣/٢٨٥ ط دار الفكر بمصر.
[ ١٠٧ ]
الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن) إلى آخره) .
٢- وهذا الأمر بغض البصر (١) .
وهذا أمر مطلوب من الجنسين الرجال والنساء لقوله تعالى (٢) (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " الآية.
وابن القيم رحمه الله تعالى قد أبدى في هذه الذريعة عجبًا فأبدى كلامًا يزع الأبصار الخائنة، والأعين الفاجرة عن غوايتها إن كان لديها بقية من إيمان واستجابة لداعي الرحمن. وقد أكثر اللهج برعاية حرمات الله، وأنا في هذا المقام أسوق للقارئ شذرة من كلامه المنثور والمنظوم إذ يقول (٣):
(أما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وقال النبي ﷺ " لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى ".
وفي المسند عنه ﷺ (٤) "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه " هذا معنى
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان ١/٤٨ - ٤٩، ١/٣٦٤. ومدارج السالكين ١/١١٨، ١/٣٦٩. وبدائع الفوائد ٢/ ٢٧١- ٢٧٢. والداء والدواء ص/ ٢٢١- ٢٢٣، ص/١٤٢، ص/٢٦٠. وروضة المحبين ص/٩٠- ١٣٦ وهو مبحث جدًا.
(٢) الآيتان رقم ٣٠، ٣١ سورة النور.
(٣) الداء والدواء ص/ ٢٢١- ٢٢٣.
(٤) تتبعته في المسند فلم أجده ولم أر من عزاه لمسند أحمد. وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب ٣/٣٤ للحاكم والطبراني وكذا العجلوني في (كشف الخفاء) ٢/٣٢٨
[ ١٠٨ ]
الحديث. وقال (١) " غضّوا أبصاركم واحفظوا فروجكم " وقال (٢) (وإياكم والجلوس على الطرقات قالوا يا رسول الله مجالسنا، ما لنا بدّ منها، قال: إن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقّه؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى، ورد السّلام".
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل " الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده ".
قال الشاعر
كلّ الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه (٣) .
قال الشاعر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا، أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر
_________________
(١) انظر:- مسند الإمام أحمد ٥/٣٢٣ حيث رواه من حديث.
(٢) رواه أحمد في المسند ٦/٣٨٥ والبخاري وغيره (انظر المعجم المفهرس ١/١٨٥) .
(٣) كذا، وربما كان أصله " ولا قدرة لك على كله ليوافق ما بعده.
[ ١٠٩ ]
وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه، فإن قوله " لا كله أنت قادر عليه" نفي لقدرته على الكلّ الذي لا ينفى إلا بنفي القدرة عن كلّ واحد واحد.
وكم من أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلًا كما قيل: يا ناظرًا، ما أقلعت لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا
ولي من أبيات:
ملّ السّلامة فاغتدت لحظاته وقفًا على طلل يظن جميلًا
ما زال يتبع إثره لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلًا
ومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكانًا من "قلب الناظر، ولي من قصيدة:
يا راميًا بسهام اللحظ مجتهدًا أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
يا باعث الطرف يرتاد الشفاء له احبس رسولك، لا يأتيك بالعطب
وأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرحًا على جرح، ثم
لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضًا في هذا المعنى:
مازلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كلّ مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ تحقيق تجريح على تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح
وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات) .
٣- النهي عن الخلوة بالأجنبية.
: وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى (١):
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٥١. وانظر أيضًا: إغاثة اللهفان ١/٣٦٢
[ ١١٠ ]
(أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن) .
وقال أيضًا (١):
(نهى ﷺ الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة) .
وهذا محل إجماع ولو في باب من أبواب الخير والرشاد كإقراء القرآن وتعليم العلم، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظان ابن حجر والشوكاني (٢) .
٤- النهي عن سفر المرأة بلا محرم.
قال رحمه الله تعالى (٣):
ونهى ﷺ عن السفر بلا محرم وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها) .
٥- النهي عن خروج المرأة متطيبة.
وفي ذلك يقول (٤):
(ونهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوقهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة ولا تتطيب كلّ ذلك سدًا للذريعة وحماية عن المفسدة) .
٦- النهي من أن تصف المرأة المرأة لزوجها.
وفي هذا يقول (٥):
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٣ ٢١) انظر: نيل الأوطار ٣/٣٢٤.
(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٣، ١٥١. وانظر: نيل الأوطار ٣/٣٢٤، ٣/٤٢٥.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦١. وانظر: تفسير بن كثير ٣/٢٨٥-٢٨٦.
(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٦١
[ ١١١ ]
(نهى ﷺ أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها، ولا يخفى أن ذلك سدًا للذريعة، وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها
في نفسه، وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية) .
٧- الأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):
(أمر ﷺ أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وإن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما: المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول. والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سد
الذرائع) .
٨- النص من الشياع
قال رحمه الله تعالى في ذلك (٢):
(أنه ﷺ حرّم الشياع: وهو المفاخرة بالجماع، لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشهي، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه عن الحلال فيتخطى إلى الحرام. ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي، فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما
لا يعلمه إلا الله) .
٩- إبطال أنواع من الأنكحة التي يتراضاها. الزوجان.
وفي بيانها وبيان وجه الإبطال يقول (٣):
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٢.
(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٥.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٨
[ ١١٢ ]
(أنه ﷺ أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًا لذريعة الزنى: فمنها: النكاح بلا ولي، فانه أبطله سدًا لذريعة الزنى، فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: انكيني أنكحيني نفسك بعشرة دراهم) ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدًا لذريعة الزنى.
ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل وطر فيما يفضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة.
ومن ذلك تحريم نكاح المتعة، الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها.
فحرم هذه الأنواع كلها سدًا لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقدًا مؤبدًا يقصد
فيه كلّ من الزوجيين المقام مع صاحبه، ويكون بأذن الولي وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان.
فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها) .
١٠- النهي عن اختلاط الجنسين.
وقد ورد بذلك جملة الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ (باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء)
وفي بيان الذريعة يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):
(لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو
من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنى، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنى
_________________
(١) انظر الطرق الحكمية ص/٣١٢
[ ١١٣ ]
بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات
ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعًا لذلك..) .
هذه جملة من المناهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سدًا لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حماية للمجتمع وصيانة له من الوقوع في جريمة الزنا وهذا باب في الشريعة مطرد: إذا حرّم الله شيئًا سد الأبواب الموصلة إليه والله أعلم.