في عقوبة من زنى بجارية امرأته (١)
ورد في هذا المبحث حديثان من قضاء النبي ﷺ ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى وهما:
١- حديث النعمان بن بشير ﵁.
٢- وحديث سلمة بن المحبق ﵁ (٢) .
وقد اختلف الكلام في إسنادهما اختلافًا كثيرًا، وكما اختلفت أقاويل أهل العلم في القول بمقتضاهما، فهما من مشكلات الأحاديث سندًا ومتنًا.
وابن القيم رحمه الله تعالى ساق الحديثين الذكورين وذكر الخلافين الآنفين حولهما، واضطربت كلمته في حديث سلمة بن المحبق ﵁، ففي (الأعلام) (٣) جزم بأن الحديث حسن وقرر الأخذ بما اشتمل عليه من أحكام، بينما في (الزاد) (٤) لم يجزم بذلك بل علق الأخذ بموجبه على القول بصحته. وعلى أي حال فإنه رحمه الله تعالى لا يرى في موجبها إشكالًا بل يقرر رحمه
الله تعالى أن الحكم بمقتضاها على وفق القياس ولا يخالف شيء من أحكامها أيًا من
أصول الشريعة وقواعدها. ومبحثه في هذا على ما يلي:
أ- حديث النعمان بن بشير ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤- ٣٠ وزاد المعاد ٣/٢٠٨- ٢٠٩.
(٢) هو: سلمة بن المحبق الهذلي ﵁ سكن البصرة وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر: التقريب ١/٣١٨) .
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤.
(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨، ٢٠٩.
(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨
[ ١٣٧ ]
(في المسند (١) والسنن الأربعة (٣)، من حديث قتادة (٣) عن حبيب بن سالم (٤)، أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن ابن حنين، وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير ﵁ وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلد مائة) .
منزلة هذا الحديث:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):
(قال الترمذي في إسناد هذا الحديث اضطراب، سمعت محمدًا يعني البخاري يقول لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو اليسر لم يسمعه أيضًا من حبيب بن سالم، إنما رواه عن خالد بن عرفطة وسألت محمدًا عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث، وقال النسائي: هو مضطرب، وقال أبو حاتم الرازي (٦): خالد بن عرفطة مجهول) .
فهؤلاء أربعة ينفون صحة هذا الحديث وكذلك الخطابي فإنه قال (٧):
(هذا الحديث غير متصل وليس عليه العمل) .
_________________
(١) انظر: مسند الإمام أحمد ٤/٢٧٢.
(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/ ٦٠٤، والترمذي ٤/ ٥٤، والنسائي ٦/ ١٠١، وابن ماجة ٢/٨٥٣. وانظر نيل الأوطار ٧/١٢٦. والمعجم المفهرس ١/٣٥٤.
(٣) هو: قتادة بن دعامة السدوسي البصري إمام ثقة ثبت مات سنة بضع عشرة ومائتين انظر: التقريب ٢/١٢٣) .
(٤) هو: مولى النعمان بن بشير وكاتبه: حبيب بن سالم الأنصاري مولاهم لا بأس به (انظر: التقريب ١/١٤٩) .
(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.
(٦) هو: محمد بن إدريس الحنظلي أحد الحفاظ الكبار مات سنة ٢٧٧ هـ. انظر: التقريب ٢/ ١٤٣، والأعلام ٦/ ٢٥٠) .
(٧) انظر: معالم السنن ٦/٢٦٩
[ ١٣٨ ]
وكلام هؤلاء جميعهم ذكره المنذري ولم يتعقبه بشيء (١) نقله الشوكاني ولم يتعقبه بشيء أيضًا (٣)
وخلاصة ما علل به هذا الإسناد علتان:
الأولى: الاضطراب الحاصل في سنده على ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى. الثانية: جهالة خالد بن عرفطة كما قاله أبو حاتم الرازي.
موقف ابن القيم من هذا الحديث:
نظر ابن القيم رحمه الله تعالى إلى كلام أهل العلم في هذا الحديث من حيث الإسناد والمتن على ما يلي:
النظرة الإسنادية:
يقول رحمه الله تعالى (٣):
(الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان، حبيب بن سالم، وأبو اليسر، ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين) .
فابن القيم رحمه الله تعالى يحكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد، فينفي لهذا جهالة خالد بن عرفطة لأنه قد روى عنه ثقتان هما: حبيب وأبو اليسر.
فنرى من هذا أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أتى على نفي علة الجهالة لخالد بن عرفطة، فحكم بحسن إسناد هذا الحديث، لكن كلامه لم يتضمن الجواب على العلة الأولى: وهي علة الاضطراب في سند هذا الحديث كما ذكرها البخاري وعنه الترمذي رحمهما الله تعالى وأشار إليها النسائي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) انظر: مختصر السنن ٦/ ٢٧٠- ٢٧١.
(٢) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٦.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨
[ ١٣٩ ]
فهؤلاء ثلاثة من نقاد الأثر أعلوا هذا الحديث بالاضطراب، والاضطراب علة من علل الإسناد ومن علل المتن أيضًا. وهي توجب ضعفه إن لم يأت للحديث من الطرق والشواهد ما يقيمه ويرقيه إلى درجة القبول، وهذا ما لم يتيسر الوقوف عليه في هذا الحديث والله أعلم.
موافقة هذا الحديث للقياس:
ابن القيم رحمه الله تعالى لما حكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد بين رحمه الله تعالى أن موجبه على وفق القياس وقواعد الشريعة وأنهما يقضيان القول بموجبه فقال (١):
(القياس وقواعد الشريعة يقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير، فكانت المائة تعزيرًا، فإذا لم تكن أحلتها له كان زنى لا شبهة فيه ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس) .
وقال أيضًا (٢):
(إن قيل كيف تخرجون حديث النعمان على القياس قيل: هو بحمد الله موافق القياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها، فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه) .
وهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى تفريع لهذه الواقعة على قاعدة درء الحدود بالشبهات بجامع وجود الشبهة فنتج الحكم بدرء الحد. وإيجاب التعزير.
وهذا التخريج من ابن القيم رحمه الله تعالى للحكم في هذه الواقعة قد سبقه إليه
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.
(٢) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٢٨
[ ١٤٠ ]