حكمة التشريع في تحريم الزنى (١)
تناول ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المبحث بالبسط والتتبع لأسرار التشريع مجليًا له بإبراز مفاسد الزنى، وإظهار آثاره السيئة. ومضاره على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم.
وقد لهج به في مواطن من كتبه فرأيت أن أستخلصها برقم تسلسلي يضم مفردات هذه الحكم والأسرار واحدة إثر واحدة، مع المحافظة على مقوله فيها وهي على ما يلي:
١- مناقضة الزنى لصلاح العالم، في أنسابهم وأعراضهم.
قال رحمه الله تعالى (٢):
(مفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس.
_________________
(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٥١- ٣٦٢، والداء والدواء ص/٢١٩،٢٢٠، ٢٣٦- ٢٣٨. وإغاثة اللهفان ١/٥٩ - ٦٧، ٢/١٤٢- ١٦٨.
(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٦. وانظر حكمة التشريع وفلسفته للجرجاني ٢/٢٨٣ - ٢٨٩ ط الخامسة سنة ١٣٨١ ط بالمطبعة اليوسفية في مصر.
[ ١٠٠ ]
وإن حملت من الزنى: فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل وإن حملته على
الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيًا ليس منهم فورثهم وليس منهم، ورآهم
وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها.
وأما زنى الرجل، فانه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والمفاسد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين فكم في الزنى
من استحلال لحرمات وفوات حقوق. ووقوع مظالم) .
وقال أيضًا (١):
(لما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في
حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العدواة، والبغضاء بين الناس، من إفساد كلّ منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته
وأمه، وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها الله
سبحانه بها في كتابه لرسوله ﷺ في سننه.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنى،
وقد أكّد سبحانه حرمته بقوله (٢) (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر، ولا يقتلون
النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له
العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانًا إلا من تاب) الآية.
فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال
تعالى (٣) (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلًا) فأخبر سبحانه عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول
_________________
(١) انظر: الداء والدواء ص/٢١٩.
(٢) من الآية رقم ٦٨ سورة الفرقان.
(٣) الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.
[ ١٠١ ]
حتى عند كثير من الحيوان كما ذكر البخاري في صحيحه (١) عن عمرو بن ميمون
الأودي (٢) قال (رأيت في الجاهلية قردًا زنى بقردة، فاجتمع القرود عليها
فرجموها حتى ماتت) .
ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلًا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا،
وعذاب وخزي ونكال في الآخرة ) .
٢- الزنى يجمع خلال الشر كلها:
قال رحمه الله تعالى (٣):
(الزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث، ولا
محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء،
وعدم الأنفة للحرم، وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته) .
٣- الزنى يفتح على العبد أبوابًا من المعاصي:
وفي بيان هذا يقول رحمه تعالى (٤):
(ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرًا إلى سفك الدم الحرام، وربما
استعان عليه بالشرك وبالسحر، وهو يدري ولا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا
بأنواع من المعاصي قبلها وبعدها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها.
فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/١٥٦. وانظر: روضة المحبين ص/٣٥٨.
(٢) هو: عمرو بن ميمون الأودي أبو عبد الله الكوفي توفي سنة ٧٤ هـ. (انظر: التقريب ٢/٨٠) .
(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٨.
(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٦١
[ ١٠٢ ]
والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه، وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى، وقتيلها لا يودى، وقد وكلها الله تعالى بزوال النعم فإذا ابتلى بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، وقال الله تعالى (٢) (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) . وقال تعالى (٢) وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)
٤- الزنى يولد الأمراض النفسية والقلبية.
وفي بيانها يقول رحمه الله تعالى (٣):
(ومن خاصيته أيضًا - أي الزنى - أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان) . وقال أيضًا (٤):
(ومنها ظلمة القلب وطمس نوره)
وقال أيضًا (٥):
(ومنها الوحشة التي يضعها الله ﷾ في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .
وقال أيضًا (٦):
_________________
(١) الآية رقم ٥٤ سورة الأنفال.
(٢) الآية رقم ١٢ سورة الرعد.
(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٧.
(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩.
(٥) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٠.
(٦) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٠ -٣٦١
[ ١٠٣ ]
(ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه الله [بنقيض] (*) قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببًا إلى خير قط. ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف ما حصل له) .
٥- الزنى يورث الفقر والمسكنة.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):
(ومنها أنه يورث الفقر اللازم. وفي أثر يقول الله تعالى (٢) (أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة) .
٦- الزنى يورث نفرة العباد من الزناة وسقوطهم من أعينهم.
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٣):
(ومنها، أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربّه ومن أعين عباده ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء
في نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة.
ومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده) .
٧- الزنى: يولد سيماء الفساد في وجه فاعله.
وفي بيان ذلك يقول رحمه الله تعالى (٤):
_________________
(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩. وانظر أيضًا: الداء والدواء ص/٢٣٦.
(٢) هذا الأثر لم أقف عليه.
(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩، ٣٦٠.
(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٨، ٣٦٠. والداء والدواء ص/٢٣٧. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (بتقبض)
[ ١٠٤ ]
(ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو للناظرين فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .
٨- الزنى: يولد رائحة كريهة بغيضة.
قال رحمه الله تعالى (١):
(ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة، لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل:
كلّ به مثل ما بي غير أنهم من غيرة بعضهم للبعض عذال) .
٩- الزنى: يورث العقاب الأليم في البرزخ وفي يوم القيامة.
وفي كشف هذا يقول رحمه الله تعالى (٢):
(سبيل الزنى أسوأ سبيل، ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم
في البرزخ تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا، ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي ﷺ في منامه (٣) ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها) .
هذا ما أبرزه ابن القيم رحمه الله تعالى من لطائف الحكم ودقائق الأسرار التشريعية في بيان حكمة تحريم الزنى بإظهار أضراره ومفاسده وآثاره السيئة المناقضة لصلاح العالم أفرادًا وجماعات ومنه يقف الناظر على جملة من الحكم
_________________
(١) انظر روضة المحبين ص/٣٦٠.
(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٥١.
(٣) يشير إلى حديث سمرة بن جندب ﵁ وقد ساقه رحمه الله تعالى بطوله من ص/٣٥١ -٣٥٤.
[ ١٠٥ ]
التشريعية الجليلة في سبب حرمة الزنى، لا يجد الكثير منها عند كثير من الكاتبين في هذا المجال (١) . وهذا تدليل على ما لدى ابن القيم رحمه الله تعالى من السعة والشمول وفقه النفس والوقوف العميق على أسرار التشريع ومحاسنه والله المستعان.