في ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى
يقسّم ابن القيم رحمه الله تعالى الحيل إلى أقسام أربعة ثلاثة منها محرمة (١) لذاتها
أو لما تفضي إليه. وقسم رابع يقصد به أخذ حق أو دفع باطل وهو ثلاثة أنواع (٢): منها أن يحتال على التوصل إلى الحق أو إلى دفع الظلم بطريق مباحة وذكر لهذا النوع ما يقرب من مائة وعشرين مثالًا.
ذكر منها في (المثال الخامس والخمسين) حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى فقال (٢):
(المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف
إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد، فالحيلة في إبطال شهادتهم، أن يقر إذا سئل مرة واحدة ولا يزيد عليها فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرره تمام النصاب بل إذا سكت لم يتعرض له، فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة، فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحد، فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدا، وهذه الحيلة جائزة، فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه، وأن يخلد إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فر ماعز عن الحد (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) فإذا فر من الحد إلى
التوبة فقد أحسن) .
هذا ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى من جواز هذه الحيلة لأن البينة لا تسمع
_________________
(١) هي: ١- حيلة محرمة يقصد بها محرم ٢- حيلة مباحة يقصد بها محرم ٣- حيلة لم توضع للإفضاء إلى محرم فيتخذها المتحيل سلما للحرام. انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٤٦- ٣٤٧. مع بيان أمثلتها.
(٢) هي: ١- طريق محرم والمقصود به حق ٢- طريق مشروعة تفضي إلى مشروع ٣- طريق مباح يفضي إلى حق للسالك. انظر هذه مع أمثلتها في أعلام الموقعين ٣،٧/٣- ٣٤٩.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٩٤
[ ١٥٩ ]
مع الإقرار، فإذا أقر مرة واحدة بطلت البينة وصار العول على الإقرار، وهو إنما
أقر مرة واحدة والحد لا بد فيه من أربع مرات في الإقرار.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أيضًا هذه الحيلة في ثلاثة مواضع من نفس
كتابه (الأعلام) (١) في مقام الرد والتعقب لها وأنها حيلة باطلة لا يعتبر بها لأن تصديقه الشهود يزيد البينة قوة والعمل إنما هو بالبينة لا بالإقرار. وفي هذا يقول (٢):
(وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنى فصدق الشهود سقط عنه الحد، وإن كذبهم أقيم عليه الحد وهذا من أفسد قياس في الدنيا فإن تصديقهم إنما زادهم قوة، وزاد الإمام يقينًا وعلمًا أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه.
وتفريقكم- بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة، والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد- تفريق باطل، فإن العمل ههنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة، فسواء أقر أم لم يقر فالعمل إنما هو بالبينة) .
ويقول أيضًا (٣):
(ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنى فكذب الشهود حد وإن صدقهم سقط عنه الحد) .
وإن من تأمل التعليل في مقامي المنع والجواز لهذه الحيلة تبين له فضل المنع له
على الجواز لضعف ما بني عليه الجواز من تعليل كما هو ظاهر من تعقب ابن القيم
رحمه الله تعالى.
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٨٢، ٣/٣١٧، ٣٣٩.
(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٨٢.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٣٩ وأيضًا ٣/٣١٧.
[ ١٦٠ ]