في حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة (٣)
من شروط الإحصان الموجب لحد الرجم في الزنى: أن يطأ الرجل الحر العاقل
امرأة عاقلة حرة في نكاح صحيح. فلو كان الزوج مثلا غير حر ثم زنى لم يكن
محصنًا في قول جهور أهل العلم (٤) وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة
المعاني والقياس ذكروا في اعتراضهم المشهور على نفي القياس أن الشرع قد فرّق
بين المتماثلين حيث جعل الحرة الشوهاء تحصن الرجل دون الأمة الجميلة.
وقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك مبرزًا حكمة التشريع في هذا التفريق فقال (٥):
(وأما قولهم: وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل، والأمة البارعة
_________________
(١) انظر: في بيان التشهير والتعزير به ص/٣٨٧- ١٩٣ من كتاب: التعزير في الشريعة الإسلامية لعبد العزيز عامر ط الأولى سنة ١٣٧٤ هـ. بمطابع دار الكتاب العربي بمصر.
(٢) الآية رقم ٢ سورة النور.
(٣) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٥٣، ٨٢.
(٤) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٧- ١٢٨- ١٢٩.
(٥) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٨٢
[ ١١٧ ]
الجمال لا تحصنه، فتعبير سيء عن معنى صحيح، فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنى على من كملت عليه نعمة الله بالحلال،. فيتخطاه إلى الحرام،
ولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله: وهو
أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة، ودون التسري الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة وإن كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادة، بل قد جعل الله لكل منها رتبة؟ والأمة لا تراد لما تراد له
الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها، ولا قسم عليه في ملك يمينه
فأمته تجرى في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه بخلاف الحرائر.
وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحد أن
يكون قد عقد على حرّة ودخل بها إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته
حقها، ويضعها مواضعها، هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة، ولا يعتبر ذلك في كل
فرد من أفراد المحصنين، ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع
الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقصها تخلف الحكمة في أفراد الصور كما هذا شأن الخلق، فهو موجب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه، وبالله التوفيق) .