في مفاسد اللواط وأن مفسدته أعظم من كل ذنب
بعد الشرك بالله تعالى (١)
فيما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من مفاسد اللوطية الصغرى (٢) مفاسد وأضرار مشتركة بين اللوطيتين: خلقية، وطبية، وطبيعية.
وقد بيّن أيضًا رحمه الله تعالى جملة مما في سبيل اللوطية الكبرى من المفاسد الدنيوية والأخروية فقال (٣):
(أما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم لا
من تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل آثارهم وديارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين (٤) وجمع على القوم بين عمي الأبصار وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وقال محذرًا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد (وما قوم لوط منكم ببعيد) .
وقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة، وعجت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار ﷻ عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانًا
_________________
(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٢، ٣٧١- ٣٧٢، والداء والدواء ص/٢٤٧-٢٥٣، وإغاثة اللهفان ١/٥٩- ٦٧.
(٢) انظر: المبحث الرابع عشر.
(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٢، ٣٧١- ٣٧٢.
(٤) هنا مبحث عقوبة اللواط وقصة قوم لوط.
[ ١٦٦ ]
وأعظم عذابًا من عذاب الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم، وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم، تذهب اللذات وتعقب الحسرات، وتفنى الشهوة، وتبقى الشقوة، وكان الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى ينشد:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الخزي والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
وفي معرض بحثه رحمه الله تعالى لعقوبة اللواط وأن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى فيقتل على كل حال بين رحمه الله تعالى في مساق التأييد لهذا القول، وجه
كون مفسدة اللواط تلي مفسدة الكفر بالله تعالى، وأن اللواط أعظم مفسدة من الزنى ومن القتل وبسط ذلك ببيان قصة اللوطية في القرآن الكريم وما فيها من وجوه الشناعة والذم فقال رحمه الله تعالى (٢):
(ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل.
قالوا: ولم يبتل الله سبحانه بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدًا غيرهم، وجمع عليهم أنواعًا من العقوبات، بين
الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكل
بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي كادت تميد الأرض من جوانبها إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج
الأرض إلى ربها ﵎، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها، وقتل المفعول به
خير له من وطئه، فإنه إذا وطئه قتله قتلا لا ترجى الحياة معه، بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد أو ربما ينتفع به في آخرته.
_________________
(١) انظر: حكمة التشريع وفلسفته ٢/٢٨٩- ٢٩٠، ص/٣٠٠.
(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٧- ٢٥٣. وانظر أيضًا: روضة المحبين ص/٣٦٤- ٣٧١
[ ١٦٧ ]
قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خبرة الولي، إن
شاء قتل، وإن شاء عفا، وحتم قتل اللوطي حدًا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله
ﷺ ودلت عليه سنة رسول الله ﷺ
الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل
عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين ﵃ أجمعين (١) .
قالوا: وثبت عنه ﷺ أنه قال: لعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا - ولم
يجئ عنه ﷺ لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل
الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية وأكده ثلاث
مرات.
وأطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله (٢)
قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه (٣) (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقوله في قوم لوط (٤) (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) تبين له تفاوت ما بينهما، وأنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى أي هو
فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم
الفاحشة، كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد، أي أتأتون الخصلة التي استقر
فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا
ينصرف الاسم إلى غيرها، وهذا نظير قول فرعون لموسى (٥) (وفعلت فعلتك التي
فعلت) أي الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد.
ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال (٦): (ما
سبقكم بها من أحد من العالمين) .
_________________
(١) ساق رحمه الله تعالى النصوص في قتل اللوطي وتأتي في عقوبة اللواط المبحث السادس عشر.
(٢) بيانه لاختلاف الصحابة ﵃ في صفة عقوبة اللواط.
(٣) الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.
(٤) الآية رقم ٨٠ سورة الأعراف.
(٥) الآية رقم ١٩ سورة الشعراء.
(٦) من الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.
[ ١٦٨ ]
ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع أشد نفرة وهو إتيان الرجل رجلًا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فقال (١)
(أئنكم لتأتون الرجال) .
ثم نبه عن استغنائهم عن ذلك وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع،
وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل
الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء
وطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقيام الرجال على النساء
وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين ومكاثرة
النبي ﷺ الأنبياء بأمته.
الى غير ذلك من مصالح النكاح.
والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي عليه بما. لا يمكن حصر فساده
ولا يعلم تفصيله إلا الله.
ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال،
وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا
الأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله
سبحانه ديارهم عليهم، فجعل عاليها سافلها وكذلك قلوبهم ونكسوا في العذاب
على رؤوسهم.
ثم أكد سبحانه بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال (٢) (بل أنتم
قوم مسرفون) .
فتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنى.
_________________
(١) من الآية رقم ٥٥ سورة النمل.
(٢) من الآية رقم ٨١ سورة الأعراف.
[ ١٦٩ ]
وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله (١) (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل
الخبائث) .
ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال (٣) (إنهم كانوا قوم
سوء فاسقين) .
وسماهم مفسدين في قول نبيهم (٣) (ربّ انصرني على القوم المفسدين) .
وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم (٤) (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن
أهلها كانوا ظالمين) .
فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات.
ولما جادل خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم قيل له (٥) (يا إبراهيم
أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مرود) .
وتأمل خبث اللوطية، وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطًا لما سمعوا
بأنه قد طرقه أضيافه، هم من أحسن، البشر صورًا، فأقبل اللوطية عليه يهرولون،
فلما رآهم قال لهم (٦) (يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) ففدى أضيافه ببناته
يزوجهم بهن خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد فقال (٧) (يا قوم هؤلاء
بناتي هنّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.
فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد (٨) (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق،
_________________
(١) من الآية رقم ٧٤ سورة الأنبياء.
(٢) من الآية رقم ٧٤ سورة ألأنبياء.
(٣) من الآية رقم ٣٠ سورة العنكبوت.
(٤) من الآية رقم ٣١ سورة العنكبوت.
(٥) من الآية رقم ٧٦ سورة هود.
(٦) من الآية رقم ٧٨ سورة هود.
(٧) من الآية رقم ٧٨ سورة هود.
(٨) من الآية رقم ٧٩ سورة هود.
[ ١٧٠ ]
وإنك لتعلم ما نريد)، فنفث نبي الله نفثة مصدور، خرجت من قلب مكروب
فقال (١) (لو أن لي بكم قوّة أو آوى إلى ركن شديد) .
فنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ممن ليس
يوصل إليهم، ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهوّن عليك فقال (٢)
(يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) . وبشروه بما جاءوا به من الوعد له
ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا (٣) (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم
أحد، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح
بقريب) .
فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما كان بين السحر
وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد أقتلعت من أصلها ورفعت نحو السماء حتى سمعت
الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم- الذي لا يرد- عن الرب
الجليل، إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن قلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل
فقال عزّ من قائل (٤): (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة
من سجيل) .
فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالًا وسلفًا لمن شاركهم في أعمالهم
من الجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين
(إن في ذلك لآيات للمتوسمين، وإنها لبسبيل مقيم، إن في ذلك لآية
للمؤمنين) (٥) .
أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما
_________________
(١) من الآية رقم ٨٠ سورة هود.
(٢) من الآية رقم ٨١ سورة هود.
(٣) من الآية رقم ٨١ سورة هود.
(٤) من الآية ٧٤ سورة الحجر.
(٥) الآية رقم ٧٥ سورة الحجر.
[ ١٧١ ]
أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذات آلامًا، فأصبحوا بها يعذبون.
مآرب كانت في الحياة لأهلها عِذابًا فصارت في الممات عَذابًا.
ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثت الشقوات
تمتعوا قليلًا، وعذبوا طويلًا، رتعوا مرتعًا وخيما، فأعقبهم عذابًا أليمًا، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات، فا استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الفعلة
فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد الندامة حين لا
ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.
فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم
وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم.
ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون، ذوقوا ما كنتم تكسبون (١) (اصلوها
فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليم إنما تجزون ما كنتم تعملون) .
ولقد قرّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل فقال
مخوفًا لهم أن يقع الوعيد (٢) (وما هي من الظالمين ببعيد) .
فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى فيوم معاد الناس إن لم أجرا
كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا فإن لكم زفًا إلى الجنة الحمرا.
فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم وقالوا، إلينا عجلوا لكم البشرى
وها نحن أسلاف لكم في انتظاركم سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى
فلا تحسبوا أن الذين نكحتموا يغيبون عنكم بل ترونهم جهرًا
ويلعن كلًا منكم لخليه ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى
يعذب كلًا منهما بشريكه كما اشتركا في لذة توجب الوزرا
_________________
(١) الآية رقم ١٦ سورة الطور.
(٢) الآية رقم ٨٣ سورة هود.
[ ١٧٢ ]