خصائص حد الزنى (١)
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خص حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص وهي على ما يلي (٣):
الأولى: تغليظ العقوبة
قال رحمه الله تعالى في بيانها:
(أحدهما: أن القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة) . وهذه الخصيصة قد تضافرت النصوص على بيانها: فالقتل عقاب مشترك بين عدد من الجرائم: كالبغاة، والمحاربين، والقاتل المتعمد، لكن كونه رجمًا بالحجارة حتى تزهق النفس لا يكون هذا عقابًا مرضيًا لأي جريمة سوى جريمة الزناة المحصنين كما دلت عليه النصوص الشرعية. والجلد أيضًا عقوبة مشتركة بين جملة من الحدود: فالقاذف عقوبته الجلد والسكير عقوبته الجلد، لكن الزاني البكر وإن كانت عقوبته الجلد
_________________
(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٨- ٢٤٠.
(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٨.
[ ١١٤ ]
إلا أنها تخالف غيرها من ناحيتين:
أولاهما، أن الجلد مائة جلدة وليس في الحدود ما يبلغ ذاك حدًا.
الثانية: أن من تمام الحد التغريب، ولا يكون التغريب عقوبة حدية في غير: حد الزاني البكر والله أعلم.
الثانية: التنصيص على نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة.
قال رحمه الله تعالى في بيانها (١):
(الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد
عليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم، ولم
تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من
إقامة أمره) .
وهذه الخصيصة قد نبه الله تعالى عليها في محكم تنزيله إذ يقول (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .
حكمة التشريع في هذه الخاصية:
ثّم يبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن النهي للعباد عن أن تأخذهم رأفة بالجرمين عام في حق كلّ مجرم أو بغيره لكنه ذكر في حد الزنى خاصة لأسرار تشريعية
نوه عنها بقوله (٣):
وهذا - وإن كان عامًا في سائر الحدود- لكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما
_________________
(١) الداء والدواء ص/٢٣٨.
(٢) الآية رقم ٢ سورة النور.
(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩
[ ١١٥ ]
يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والواقع شاهد بذلك: فنهى أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله) .
سبب هذه الرحمة
ثم يستطرد ابن القيم ﵀ في أسباب وجدان هذه الرحمة في نفوس العباد-
في حق المحدودين في هذه الفاحشة فيقول (١):
وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب
مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته، طاعة وقربة، وإن كانت
الصورة المعشوقة محرمة عليه، ولا يستنكر هذا الأمر فإنه مستقر عند ما شاء الله
من أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيئًا كثيرًا- نقاص العقول كالخدم والنساء.
وأيضًا، فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه.
وفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان.
وكمال الإيمان أن تقوم به قوّة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقًا لربه تعالى في أمره ورحمته) .
الثالثة
ثم ذكر الخصيصة الثالثة. فقال (٢):
_________________
(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩.
(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩.
[ ١١٦ ]
(أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلو بحيث
لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر) .
وهذا هو ما عرف عند العلماء باسم: التشهير (١) .
وهذه الخصيصة والتي قبلها قد انتظمهما قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .