في مفاسد اللوطية الصغرى (٣)
يقرر ابن القيم رحمه الله تعالى أن وطء النساء (الزوجات) في أدبارهن لم يبح على لسان نبي قط وأن من نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد
غلط عليه أقبح الغلط وأفحشه، وأن وطء النساء (اللوطية الصغرى) إلى الوطء في
أدبار الصبيان (اللوطية الكبرى) .
وقد ذكر في هذا المبحث مفاسد هذه الذريعة المحرمة وأضرارها ومن هذه المفاسد والأضرار ما تنفرد به اللوطية الصغرى ومنها ما هو مشترك بين اللوطيتين،
وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٤):
_________________
(١) هو: محمد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلس ومحدثها توفي سنة ٤٩٧، له كتاب في "أحكام النبي ﷺ " (انظر: الأعلام ٧/ ٢١٩.) .
(٢) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٤.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/١٤٨- ١٥٠، وأعلام الموقعين ٤/٣٤٥- ٣٤٦.
(٤) انظر: زاد المعاد ٣/١٤٩- ١٥٠
[ ١٦٣ ]
(إذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش (١) الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل، والذريعة
القريبة جدًا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.
وأيضًا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها.
وأيضًا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيىء له الفرج. فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.
وأيضًا: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهي عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء
في الدير لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.
وأيضًا: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدًا لمخالفته للطبيعة.
وأيضًا: فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلاقيه.
وأيضًا: فإنه يضر بالمرأة جدًا، لأنه وارد بعيد غريب عن الطباع منافر لها غاية المنافرة.
وأيضًا: فإنه يحدث الهمّ والغمّ والنفرة عن الفاعل والمفعول به.
وأيضًا: فإنه يسود الوجه ويظم الصدر ويطمس نور القلب، ويكسي الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.
_________________
(١) جمع حشا وهو الدبر (انظر: النهاية لابن الأثر ١/٣٩٢) .
[ ١٦٤ ]
وأيضًا: فإنه يوجب النفرة، والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول به
ولا بد.
وأيضًا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول به فسادًا لا يكاد يرجى بعده صلاح
إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.
وأيضًا: فإنه يذهب بالمحاسن منها ويكسوها ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلها به تباغضًا وتلاعنًا.
وأيضًا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه، فأي خير يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه، وكيف حياة قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه.
وأيضًا: فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذٍ فقد استحكم فساده.
وأيضًا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئًا من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع
انتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره.
وأيضًا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.
وأيضًا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره.
وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه، واستصغارهم له، ما هو مشاهد بالحس.
فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به) .
[ ١٦٥ ]