إقامة حد الزنى بالحبل (١) .
في معرض أبحاث ابن القيم رحمه الله تعالى في الحكم بالقرائن الظاهرة: ضرب المثال بالحكم بإقامة حد الزنى بالحبل. وقرر أن هذا هو أصح القولين في المسألة وذكر دليله وصحته.
ولمعرفة مدى قوة هذا الاختيار لا بد من ذكر القول المقابل له وذكر أدلته، وإجراء المناقشات الواردة على الأدلة في المسألة. وتفصيل القول في ذلك على ما يلي:
القول الأول: إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة: الحبل.
اختار ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول. وذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وعليه فقهاء المدينة، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١):
تقييد هذا القول (٣):
هكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى وينبغي أن يعلم أن هذا القول ليس على
_________________
(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢- ٦٣، أعلام الموقعين ٣/٢٠، ٤/٣٧٤ الطرق الحكمية ص/٤. زاد المعاد ٤/٤٠.
(٢) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وأعلام الموقعين ٣/ ٢٠.
(٣) انظر: بداية المجتهد لابن رشد ٣/ ٤٣١. وسبل السلام ٤/٨. وجواهر الإكليل على مختصر خليل ٢/٢٨٥، الموطأ ٢/ ١٧٠ ٠ المغني ١٠/١٩٢.
[ ١٤٨ ]
إطلاقه عند من حكاه عنهم بل هو مقيد بأمرين:
الأول: أن لا يكون من ظهر بها الحمل- ذات زوج ولا سيد.
الثاني: أن لا تذكر شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة بأمارة ظاهرة كأن تأتي مثلًا - تدمي مستغيثة عند نزول الأمر بها.
فإذا تحقق هذان القيدان كان الحبل حينئذ قرينة ظاهرة موجبة لإقامة حد الزنى- على هذا القول.
وينبغي أن يخرج اختيار ابن القيم على هذا لأنه ذكر اختياره مذهبًا لأولئك ومذهبهم متقيد بذلك والله أعلم.
أدلة هذا القول:
وقد استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة وفتوى الصحابة وقضائهم ﵃ والقياس الأولى. وأنا أسوقها كما ذكرها ثم أذكر ما يرد عليها من مناقشات وبيانها على ما يلي:
الأول: حديث بصرة ﵁ (١) .
قال (تزوجت امرأة بكرًا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ: لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها، أو قال: فحدوها) رواه أبو داود (٢) .
وجه الاستدلال:
ثم ذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال منه فقال (٣):
_________________
(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٤/٤.
(٢) انظر: تهذيب السنن مع مختصر المنذري ٣/٦٠- ٦٢.
(٣) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٣. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٤/٤
[ ١٤٩ ]
(حديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل، من غير اعتبار بينة ولا
إقرار) .
فدلالة هذا الحديث نصية على الحد بالقرينة الظاهرة وهي الحبل إذ ليس في الحديث أن شهودًا أربعة شهدوا عند النبي ﷺ بذلك ولا أنها أقرت به، فتخلص
أن موجب الحد الحبل.
مناقشة هذا الدليل:
هذا الحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة (١) . وقد رواه أبو داود موصولًا من حديث سعيد بن المسيب (٢) عن بصرة ﵁، ورواه مرسلًا (٣) عن ابن المسيب عن النبي ﷺ.
وصحابي الحديث بصرة ﵁ مختلف في صحبته واسمه والذي عليه الحفاظ كابن عبد البر (٤)، والذهبي (٥)، وابن حجر (٦) أنه صحابي اسمه بصرة بن
أكثم الأنصاري ﵁.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا الحديث علتين فقال (٧):
(له- أي لهذا الحديث- علة عجيبة وهي: أنه حديث يرويه ابن جريج (٨) عن
_________________
(١) الكتب الستة: يراد بها: صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
(٢) هو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي أحد الفقهاء السبعة مات سنة ١٩٠ هـ. (انظر: التقريب ١/٣٠٥- ٣٠٦) .
(٣) المرسل: هو ما رواه التابعي عن النبي ﷺ مباشرة بلا واسطة (انظر: شرح ألفية السيوطي ص/٢٥- ٢٦) .
(٤) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١/١٧٦ طبع بهامش الإصابة لابن حجر.
(٥) انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/٥٥.
(٦) انظر: تهذيب التهذيب ١/٤٧٢.
(٧) انظر: تهذيب سنن أبي داود ٣/٦١.
(٨) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم ثقة فقيه لكنه يدلس من الثالثة في التدليس مات سنة ٢٥٠ هـ. أو بعدها (انظر: التقريب ١/٥٢٠) .
[ ١٥٠ ]
صفوان ابن سليم (١)، عن سعيد ابن المسيب عن رجل من الأنصار.
وأن جريجًا لم يسمعه من صفوان، إنما رواه عن، إبراهيم ابن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي (٢) عن صفوان. وإبراهيم هذا: متروك الحديث، تركه: أحمد بن حنبل
ويحيى ابن معين (٣) وابن المبارك (٤)، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٥) الرازيان وغيرهم. وسئل عنه مالك، أكان ثقة فقال: لا ولا في دينه.
وله علة أخرى: وهي أن المعروف أنه إنما يرويه مرسلًا عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ كذا رواه قتادة، ويزيد ابن نعيم (٦)، وعطاء الخراساني (٧) كلهم عن
سعيد عن النبي ﷺ.
وذكر عبد الحق (٨) هاتين العلتين، ثم قال: والإرسال هو الصحيح) .
وله أيضًا علة ثالثة: وهو أن ابن جريج مدلس وقد عنعن.
فتخلص أن هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ثلاث علل:
_________________
(١) هو: صفوان بن سليم المدني الزهري مولاهم ثقة إمام عابد مات سنة ٢٣٢ هـ. روى له أصحاب الكتب الستة (انظر: التقريب ١/٣٦٨) .
(٢) هو: شيخ الشافعي وكان حسن الرأي فيه لكن الذي عليه الحفاظ أنه متروك (انظر: التقريب ١/٤٢) .
(٣) هو: إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين الغطفاني مولاهم مات سنة ٢٣٣ هـ. بالمدينة المنورة (انظر: التقريب ٢/٣٥٨) .
(٤) هو: الإمام الزاهد الفقيه العابد عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم مات سنة ١٨١ هـ. (انظر: التقريب ١/٤٤٥) .
(٥) هو: الإمام الكبير عبيد الله بن عبد الكريم الرازي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. (انظر: التقريب ١/٥٣٦) .
(٦) هو: يزيد بن نعيم الأسلمي مقبول من الخامسة (انظر: التقريب ٢/٣٧٢) .
(٧) هو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني صدوق يهم كثيرًا يرسل ويدلس مات سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: التقريب ٢/٢٣) .
(٨) هو: عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأشبيلي المعروف بابن الخراط من أشهر كتبه كتاب (الأحكام الشرعية الكبرى) توفي سنة ٥٨١ هـ. (انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٩٢ والأعلام للزركلي ٥٢/٤) .
[ ١٥١ ]
الأولى: عنعنة ابن جريج وهو مدلس.
الثانية: أن ابن جريج يرويه عن ابن أبي يحيى وهو: متروك.
الثالثة: أنه قد اختلف في وصله وإرساله. والذي عليه الأكثر روايته مرسلًا وهذا هو المعروف.
وقد حكم بإرساله: عبد الحق. والخطابي.
وعليه فإن الحديث بهذه العلل لا يكون حجة والله أعلم.
الثاني: (قول عمر ﵁: الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف متفق عليه) (١) .
وجه الاستدلال:
دلالة هذا الأثر نصية على الحكم بإقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة وهي: الحبل.
إذ جعل عمر ﵁: مجرد وجود الحبل موجبًا لإقامة حد الزنى كإيجابه
بالبينة أو الاعتراف
الثالث: أن هذا كما ثبت من قول عمر ﵁ فقد ثبت أيضًا من حكمه وقضائه ﵁.
وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):
(وقد حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃ معه: برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد) .
الرابع: قياس الأولى:
_________________
(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وهذا الأثر رواه البخاري ومسلم من خطبة لعمر ﵁ مطولة. وانظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٢/١٤٤- ١٤٥. ومسلم مع شرح النووي ١١/١٢٠. والمعجم المفهرس ١/٤١٥.
(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٤
[ ١٥٢ ]