مناقشة هذا الدليل:
بعد أن رأينا هذا الحديث نصًا ودلالة والتسليم لها، فما هي منزلة هذا الحديث ودرجته من الصحة أو الضعف أو غيرهما من درجات الحديث الصناعية (١) . إذ أن التسليم لدلالة الحديث مترتبة على التسليم لثبوته. وبيان ذلك على ما يلي:
منزلته عند ابن القيم:
لم يتكلم عليه ابن القيم رحمه الله تعالى بتصحيح أو تضعيف لكن ذكره له بصيغة الجزم (٢) كما تقدم واستدلاله به على ما رآه وعدم تعقبه له يعتبر تسليما منه لحجية إسناده.
هذا ما يتضح للناظر من سياق ابن القيم لهذا الحديث في (أعلام الموقعين) (٣) لكنا نراه في مبحث لاحق من نفس الكتاب، يشير إلى ضعف الحديث في معرض ردّه على من قال الزيادة على ما في القرآن نسخ فيقول (٤): (إنكم أخذتم بخبر ضعيف (لا تقطع الأيدي في الغزو) وهو زائد على القرآن، وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب..) .
فمن هنا يبدو تضارب في منزلة هذا الحديث عند ابن القيم بين الحجية والتضعيف. لكن بعد التأمل يجد الناظر لكلامه محملًا ينفي عنه التضارب وهو أن يقال:
_________________
(١) درجات الحديث الصناعية هي: أقسام الحديث وهي ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف (انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير ص/ ٢١، ٣٧، ٤٤، ط الثالثة بمصر بتحقيق أحمد شاكر) .
(٢) صيغة الجزم: من مباحث الاصطلاح في علوم الحديث مثل (قال) و(روى) يقابلها صيغة التمريض مثل (يقال) و(يروى) . (انظر: قواعد التحديث للقاسمي ص/٢١٠ الحلبي الثانية سنة ٣٨٠ هـ) .
(٣) انظر:٣/١٧-٢١. (،) انظر: ٣/١٥٥
[ ٤٥ ]
إن الحديث في نظر ابن القيم رحمه الله تعالى ضعيف ضعفًا محتملًا، يتقوى بما يشهد له من أقضية الصحابة ﵃ والقياس الصحيح. بما يفيد النهي عن الحد حال الغزو وتأخيره بعد القفول منه، أما أن يريد به الضعيف ضعفًا غير محتمل، وهو ما كان في سنده من تكلم في عدالته بحيث لا يصح معه اعتبار ولا شاهد فهذا ما لم يظهر من كلامه والله أعلم.
الدراسة الإسنادية لهذا الحديث:
وهي تتجلى في الخطوات الآتية:
أ- صحابي الحديث:
صحابي هذا الحديث هو: بسر ابن أبي أرطأة ﵁. وهو من مفاريده (١) عن النبي ﷺ.
ب- مخرجيه:
أخرج هذا الحديث الأئمة: أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤) والنسائي (٥)، والدارمي (٦)، والضياء (٧) كلهم من حديث بسر ﵁.
_________________
(١) الحديث الفرد: هو ما انفرد به راو واحد وإن تعددت الطرق إليه (انظر: شرح ألفية السيوطي ص/٤٣ لأحمد شاكر ط الحلبي سنة ١٣٥٣ هـ) .
(٢) انظر: مسند أحمد ٤/١٨١ بالأوفست سنة ١٣٨٩ ط في بيروت.
(٣) انظر: سنن أبي داود ٤/٥٦٣.
(٤) انظر: سنن الترمذي ٤/٥٣.
(٥) انظر: سنن النسائي ٨/٨٤.
(٦) انظر: سنن الدارمي ٢/ ٢٣١. ط الاعتدال بدمشق سنة ١٣٤٩ هـ. والدارمي: هو الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ ٢/١٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/٢٩٤) .
(٧) انظر: الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير للمناوي ٦/٤١٦ الأولى سنة ١٣٥٩ ط بمطبعة مصطفى محمد بمصر. حيث عزاه للضياء في كتابه (المختارة) والضياء: هو: ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (انظر: الرسالة المستطرفة للكناني ص/٢٤) .
[ ٤٦ ]
ج- ألفاظه:
أما ألفاظه عند من خرجه فهي على ما يلي:
أ- قال ﷺ (لا تقطع الأيدي في السفر) رواه أبو داود. والنسائي، والضياء.
ب- قال (نهانا رسول الله ﷺ - أو قال ﷺ - لا تقطع الأيدي في الغزو) رواه أحمد. والترمذي والدارمي.
ج- عند أحمد وأبي داود بإسناديهما عن جنادة بن أبي أمية (١) قال: كنا مع بسر ابن أبي أرطاة (٢) في البحر، فأتى بسارق يقال له (مصدر) قد سرق بختية (٣) فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا تقطع الأيدي في الغزو) .
الجمع بين روايتي (السفر) و(الغزو):
رواية النهي عن قطع الأيدي (في السفر) لا تعارض رواية (في الغزو) ذلك أن السفر المذكور يراد به سفر الغزو فهو من باب العام المخصص على ما ذكره جماعة الشراح لهذا الحديث (٤) .
٤- التعريف بأسانيد هذا الحديث إلى راويه بسر:
أما رجال إسناده عند أبي داود فكلهم ثقات إلى بسر كما قاله الشوكاني (٥) .
_________________
(١) هو: جنادة بن أبي أمية الأزدي الشامي من ثقات التابعين كما حرره ابن حجر انظر (تقريب التهذيب ١/١٣٤) .
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) البختية: هي الأنثى من الجمال البخت والذكر بختي وهو لفظة معربة جمعها بخت وبخاتي (انظر: النهاية لابن كثير ١/١٠١) .
(٤) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.
(٥) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥. ط الثالثة سنة ١٣٨٠ ط بمطبعة الحلبي بمصر.
[ ٤٧ ]
ومدار أسانيده عند أحمد والترمذي على ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة المصري المتوفى سنة ١٧٤ هـ. ومنزلته الصدق وقد اختلط بعد احتراق كتبه (١)، وهو مدلس (٢) لكنه قد صرح بالتحديث في هذا الحديث.
فيعلم من حاله إذا أن حديثه يتابع عليه، وقد تابعه (حيوة ابن شريح) عند أبي داود والنسائي وحيوة بن شريح الحضرمي المتوفى سنة ٢٢٤ هـ من ثقات المحدثين (٣) .
وحيوة وابن لهيعة يرويانه: عن عياش بن عباس القتباني المصري المتوفى سنة ٢٣٣ هـ. وعياش من الأئمة الثقات (٤) .
فتحصل أن أسانيد هذا الحديث إلى بسر، ترقى إلى درجة الصحة حسب أصول الصناعة الحديثية والله أعم.
٤- التعريف ببسر راوي الحديث عن النبي ﷺ (٥):
هو بسر ابن أبي أرطأة: عمير بن عويمر القرشي العامري. قيل مات أيّام معاوية ﵁. وقيل في أيّام عبد الملك بن مروان (٧) . وقيل في أيّام ابنه الوليد سنة ٨٦ هـ (٨) .
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب ١/٤٤٤.
(٢) التدليس: هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه (انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير ص/٥٣) .
(٣) انظر: تقريب التهذيب ١/٢٠٨.
(٤) انظر: تقريب التهذيب ١/٩٥.
(٥) انظر في ترجمته: الإصابة ١/١٥٢، وتهذيب التهذيب ١/٤٣٥، وتقريب التهذيب ١/٩٦ جميعها للحافظ ابن حجر.
(٦) هو: أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان القرشي الأموي ﵁ توفي سنة ٦٠ هـ. (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤١٢- ٤١٤) .
(٧) هو: عبد الملك بن مروان القرشي الأموي من أعاظم خلفاء بني أمية توفي سنة ٨٦ هـ. (انظر: الأعلام ٤/٣١٢، وتاريخ بغداد للخطيب ١٠/٣٨٨) .
(٨) هو: الوليد بن عبد الملك بن مروان ولي بعد وفاة أبيه ومات سنة ٩٦ هـ (الأعلام ٩/ ١٤١) .
[ ٤٨ ]
وليس له عن النبي ﷺ سوى ثلاثة أحاديث (١) هذا أحدها، وهو من مفاريده فقد تفرد بروايته له عن النبي ﷺ. ولا يعلم أن أحدًا شاركه في رواية هذا الحديث عن النبي ﷺ
وقد تكلم الحفاظ في بسر هذا من ثلاث جهات: في صحبته وفي سماعه من النبي ﷺ، وفي عدالته. وبيان هذا فيما يلي:
أ- الخلاف في صحبته:
اختلف في صحبة بسر للنبي ﷺ على قولين حكاها المنذري فقال فيه (٢):
(اختلف في صحبته، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له. وإن مولده قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين (٣)، لا يحسن الثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، والله ﷿ أعلم، وقد غمزه الدارقطني (٤» . والمنذري حكى الخلاف ولم يجزم بواحد من القولين. وهذا صنيع المزي في (تحفة الأشراف) (٥) والذهبي في (الميزان) (٦) وابن حجر في (الإصابة) (٧) وفي (تهذيب التهذيب) (٨) .
_________________
(١) انظر: الإصابة ١/٤٣٥- ٤٣٦. وقد ذكرها: هذا أحدها، والثاني حديث (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ) والثالث قال: أنه في مسند الشاميين من معجم الطبراني.
(٢) انظر: مختصر سنن أبي داود ٦/٢٣٥.
(٣) هو: يحيى بن معين بن عون الغطفاني إمام الجرح والتعديل توفي سنة ٢٣٣ هـ. (انظر: التقريب ٢/٣٥٨) .
(٤) هو: علي ابن عمر بن أحمد الدارقطني البغدادي إمام مشهور له كتاب السنن توفي سنة ٣٨٥ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ ٣/٩٩١) .
(٥) انظر: تحفة الأشراف في معرفة الأطراف ٢/٩٥ ط الهندية سنة ١٣٨٦.
(٦) انظر: ميزان الاعتدال في أسماء الرجال ١/٣٠٩ ط الحلبي بمصر سنة ١٣٨٢ هـ.
(٧) انظر: ١/١٥٢. ط مصطفى محمد بمصر سنة ١٣٥٨ هـ. بهامشه الاستيعاب لابن عبد البر.
(٨) انظر: ١/٤٣٥ - ٤٣٦. ط دائرة المعارف بالهند سنة ١٣٢٥ هـ.
[ ٤٩ ]
بينما نجد الذهبي نفسه في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) (١) يذكره في عداد الصحابة ولا يتعقبه بشيء ينبئ بخلاف صحبته والحافظ ابن حجر في كتابه (التقريب) (٢) يجزم بصحبته فيقول فيه: (من صغار الصحابة مات سنة ٨٦ هـ. روى له أبو داود، والترمذي والنسائي) .
فهذان الحافظان الذهبي وابن حجر اختلفت كلمتهما في صحبة بسر هذا بين الجزم بصحبته وبين التوقف فيها. كما توقف فيها أيضًا الشوكاني في (نيل الأوطار) (٣) .
ب- الخلاف في سماعه من النبي ﷺ:
ثم أن المزي، والذهبي، وابن حجر، لما ذكروا الخلاف في صحبة بسر للنبي ﷺ ذكروا الخلاف أيضًا في سماعه من النبي ﷺ ولم يجزموا بواحد من القولين في سماعه أو عدمه.
وللقائلين بصحبته: (الجزم بسماعه عن النبي) لأنه قد صرح في بعض روايات هذا الحديث بسماعه له من النبي ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقطع الأيدي- الحديث (٤) . وقال الشوكاني (٥): (ونقل عبد الغني أن حديثه في الدعاء فيه التصريح بسماعه من النبي ﷺ) .
_________________
(١) انظر: ١/٤٨ ط دار المعرفة في بيروت بلا تاريخ.
(٢) انظر: ١/٩٦ ط دار الكتاب العربي بمصر سنة ١٣٨٠ هـ نشر النمنكاني بالمدينة المنورة.
(٣) انظر:٧/١٤٥.
(٤) انظر: فيما تقدم ص/٢٩٣.
(٥) انظر: نيل الأوطار ٧/٢٤٥
[ ٥٠ ]
ج- عدالته:
قد تكلم في عدالة بسر بكلام خشن ذكره الذهبي (١) وابن حجر (٢) والشوكاني (٣) والمناوي (٤) . وذكروا من أحواله: أن معاوية ﵁ وجهه إلى اليمن والحجاز ففعل الأفاعيل وقتل: عبد الرحمن (٥) وقثم (٦) ابني العباس، وقال ابن معين: أنه رجل سوء.
والذهبي لما أدخله في الميزان وهو محط المتكلم فيهم لم ينتصر له فيه بل حكى وسكت وكذا ابن حجر والمناوي.
لكن من تكلم فيه لم يغمز في صدقه ومدار الرواية على تحري الصدق وعدم الكذب وفي هذا يقول الشوكاني (٧) .
(لكن إذا كان المناط في قبول الرواية هو تحري الصدق وعدم الكذب فلا ملازمة بين القدح في العدالة وعدم قبول الرواية) .
الخلاصة والترجيح:
هذه كلمة الحفاظ في هذا الحديث رواية ودراية، وقد تبين من دراسته الإسنادية: صحة الإسناد إلى بسر. وإن مدار الكلام في هذا الحديث على (بسر)،
_________________
(١) انظر: الميزان ١/٣٠٩.
(٢) انظر: الإصابة ١/١٥٢، والتهذيب ١/٤٣٥- ٤٣٦.
(٣) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.
(٤) انظر: فيض القدير بشرح الجامع الصغير للسيوطي ٢/١٠٣ ط الأولى بمصر بالمكتبة التجارية سنة ١٣٥٦ هـ. والمناوي هو: محمد عبد الرؤوف بن علي القاهري المناوي له نحو ثمانين مؤلفًا توفي سنة ١٠٣٢ هـ. (انظر: الأعلام ٧/٧٥ - ٧٦) .
(٥) هو: عبد الرحمن بن العباس ولد في عهد النبي ﷺ وهو أخو عبد الله بن عباس ﵃ لأمة قتل بأفريقية (انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/٣٥٠) .
(٦) هو: قثم بن العباس شقيق عبد الرحمن المذكور مات قتيلًا. (انظر الإصابة ٤/٢١٨) .
(٧) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.
[ ٥١ ]