من سياق أدلة هذه الأقوال الثلاثة في هذا المبحث يتبين أن موارد النقاش على
_________________
(١) انظر: مستدرك الحاكم ٤/ ٣٦٠. والحاكم هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. (انظر: تاريخ بغداد ٥/٤٧٣، والأعلام ٧/١٠١) . وانظر فتح الباري ١٢/١٤٣.
(٢) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ مات بعد الخمسين من الهجرة (انظر: التقريب ١/٢٧٢) .
(٣) هو: سعيد بن العاص بن أمية الأموي كان له عند وفاة النبي ﷺ تسع سنين مات سنة ٥٨ وقيل غيرها (انظر: التقريب ١/٢٩٩) .
(٤) انظر: المصنف ٧/٣٢٩.
(٥) انظر: فتح الباري ١٢/١٥٧.
(٦) انظر: البخاري مع الفتح ١٢/١٥٦
[ ١٣٣ ]
أدلة الخلاف كما يلي:
١- وجود تعارض في الظاهر بين أدلة الجمهور من السنة من قضاء النبي ﷺ
بالرجم للمحصن وعدم الجمع بين الجلد والرجم كما في حديث ماعز وغيره، وبين حديث عبادة ﵁ الذي فيه أن حد المحصن: الجمع بين الجلد والرجم. والجواب عن هذا:
هو أن الواجب عند وجود التعارض بين الروايات الترجيح بين الروايات فإذا تعادلت نظر في الجمع فإن لم يمكن نظر في النسخ.
والترجيح هنا من حيث الصناعة غير وارد لأن أدلة كلّ مخرجة في الصحاح والسنن وغيرها.
والجمع غير ممكن أيضًا لأن حديث عبادة ﵁ فيه إيجاب الجلد والرجم على المحصن وحديث ماعز وما في معناه من الذين رجموا في عهد النبي ﷺ فيه الاقتصار على الرجم فقط ولا ذكر للجلد.
فصار المآل إلى النسخ: والقول بالنسخ هنا هو الظاهر فإن حديث عبادة متقدم وأحاديث الرجم كحديث ماعز وغيره متأخرة فصار حديث عبادة ﵁ الذي فيه الجمع بين الجلد والرجم منسوخًا بالأحاديث المتأخرة التي فيها الاقتصار على الرجم.
وقد أوضح شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى توجيه القول بالنسخ بقوله (١):
(وأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه التصريح بالجمع بين
_________________
(١) انظر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/٤٦- ٤٧ ط الأولى بمطبعة المدني بمصر سنة١٣٩٢ هـ. ومؤلفه: شيخنا العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المتوفى سنة ١٣٩٥ هـ في مكة المكرمة رحمه الله تعالى.
[ ١٣٤ ]
الجلد والرجم والعمل بالمتأخر أولى. والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور كما يدل عليه قوله ﷺ (وقد جعل الله لهن سبيلًا) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنى كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى (حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا) .
ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده (والذي نفسي بيده
لأقضين بينكما بكتاب الله) وهذا قسم منه ﷺ أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم
قال في الحديث الذي أقسم أنه قضاء بكتاب الله (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزاءه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى.
وهذا دليل من لفظ النبي ﷺ صريح على أن جزاء اعترافها بالزنى: هو رجمها فقط
فربط هذا الجزاء بهذا الشرط وأقسم النبي ﷺ أنه قضاء بكتاب الله وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا.
وهذا الدليل أيضًا قوي جدًا لأن فيه إقسامه ﷺ بأن الاعتراف بالزنى من
المحصن يترتب عليه الرجم ) .
٢- تعارض أقضية الصحابة ﵃ في حد الزنى المحصن على أوجه ثلاثة:
١- قضاء عمر ﵁ بالرجم فقط للمحصن.
ب- قضاء علي ﵁ بالجلد والرجم للمحصن.
ج- رأى عمر وأبي كعب ﵄ على أن الجمع بين الجلد والرجم يكون للشيخ المحصن والاقتصار على الرجم للشاب المحصن.
والذي يظهر لي والله تعالى أعلم- في دفع هذا التعارض: أن كلّ واحد منهم
[ ١٣٥ ]
﵃ قضى أو رأى حسبما أداه إليه اجتهاده بدلالة أن عمر ﵁ اختلف اجتهاده في هذه المسألة بين الرجم للمحصن فقط وبين الجمع بين الرجم والجلد للمحصن إذا كان شيخًا ورجمه فقط إذا كان شابًا.
والعصمة في نص المعصوم ﷺ وقد تكاثرت الوقائع على أنه ﷺ رجم ماعزًا. ورجم الغامدية. ورجم الجهنية. ورجم اليهوديين. وهي جميعها متأخرة عن
حديث عبادة ﵁ وليس فيها: سوى الرجم ولا ذكر للجلد. فصار الأظهر- والله أعلم- هو مذهب الجمهور المختار لدى ابن القيم رحمه
الله تعالى: وهو الاقتصار على الرجم فقط في حق كل محصن.
ويتقوى هذا أيضًا بعدة أمور ذكرها شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى فقال
في بيانها (١):
(منها: أنه قول جهور أهل العلم.
ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهنية والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة، وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها.
ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) تصريح منه ﷺ بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء وهو في الحديث الرجم فقط.
ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة والعلم عند الله تعالى) .
_________________
(١) انظر: أضواء البيان ٦/٤٧- ٤٨
[ ١٣٦ ]