الخلاف في حكم هذا الحديث:
قبل ذكر بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لوجه الاستدلال من هذا الحديث. أذكر بيانه لمسالك العلماء في الحكم الذي تضمنه هذا الحديث لأن ذكر وجه الاستدلال فرع لتصحيح المسالك الذي يدل عليه هذا الحديث. وهذه بيان مسالك العلماء في هذا الحديث:
أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن للناس في معنى هذا الحديث ثلاثة
مسالك:
المسلك الأول: حمل معنى الحديث على من أقر بحد مبهم فإنه لا يقام عليه الحد.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو أحد المسالك وعليه ترجمة النسائي (١) فقال ابن القيم (٢):
(ومن تراجم النسائي على هذا الحديث (من اعترف بحد ولم يسمه) .
وهو أيضًا مسلك أبي داود في (سننه) (٣) فقد ترجم عليه بقوله (باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه) .
وهوِ أيضا ظاهر صنيع البخاري في (صحيحه) (٤) فإنه ترجم عليه بقوله (باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟) . قال ابن حجر في كشف مراد البخاري من ترجمته المذكورة (٥): (وظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٧.
(٢) انظر أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.
(٣) انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري ٨/٢١٦.
(٤) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١٣٣.
(٥) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٤
[ ٧٥ ]
بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب) .
وعليه فإن من أقر بحد منهم فلا يجب عليه الحد إلا إذا عينه وأصر عليه المقر
به طالبًا التطهير به من وراء التوبة. أما إذا لم يعينه أو عينه ولم يصر عليه فلا يقام عليه الحد مع التوبة. قال بن حجر عن ابن القيم: في بيان هذا المسلك (١) (أحدها: أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والإصرار عليه من المقر به) .
توجيه هذا المسلك:
هو أن هذا الرجل: أقر بحد مبهم لم يفسره، والحدود مختلفة المقادير فلا يتمكن الإمام من إقامتها مع الإبهام فستر عليه الشارع ودرأ عنه الحد للإبهام (٢) .
تعقب هذا التوجيه:
هو أن يقال: أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث تفسير الحد بالزنى وأنه أقر به صريحًا فانتفى الإبهام والله أعلم (٣) .
المسلك الثاني: حمله على الخصوصية بذلك الرجل (٤) .
وجه هذا المسلك:
وقد بينه ابن حجر فقال (٥):
(يحتمل أن يختص بالذكور: لأخبار النبي ﷺ أن الله قد كفر عنه حده
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٥.
(٢) انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٧.
(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٤. ويأتي بيان هذه الرواية قريبًا.
(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.
(٥) : فتح الباري ١٢/ ١٣٤
[ ٧٦ ]
بصلاته، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره إلا فيمن علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي ﷺ) .
تعقب هذا المسلك:
ويمكن التعقيب على هذا المسلك من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل يقوم عليها. ولهذا فإن في حديث ابن مسعود ﵁، في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة دون المسيس، وقد جاء إلى النبي ﷺ تائبًا، أتبعه ﷺ برجل، فدعاه، فتلى عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل-) إلى آخر الآية (١)، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس كافة؟ فقال ﷺ: للناس كافة (٢) .
المسلك الثالث: حمله على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣): (الثالث: سقوِط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك) .
وجه هذا المسلك:
الأول: أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: التصريح بتعيين الحد وهو (الزنى) وذلك من حديث أنس ﵁ قال (٤): (أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال إني زنيت فأقم عليّ الحد. الحديث) .
_________________
(١) من الآية رقم ١٤ سورة هود.
(٢) انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري ٧/٢٧٦- ٢٧٨. وقد رواه أيضًا مسلم وغيره. انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٦. وفتح الباري ١٢/ ١٣٤.
(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.
(٤) انظر: فتح الباري ١٢/١٣٤. وقد ساقها بسند على شرط البخاري.
[ ٧٧ ]
فحديث أنس من هذه الطريق يفسر الرواية المبهمة في حديثه من الطريق الآخر عنه وفي حديث أبي أمامة ﵁. وأن الحد ليس بمبهم وإنما هو معين.
ولذا قال الحافظ بن حجر بعد سياق هذا اللفظ (١): (وقد يتمسك به من قال:
إنه إذا جاء تائبًا سقط عنه الحد) .
الثاني: أن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة فأسقطت الحد.
وهذا الوجه حكاه ابن القيم رحمه الله تعالى في وجه الاستدلال من حديث المغيث الآتي بعده (٢) وفي الواقع أن التوجيه به يشمل الحديثين معًا. وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث ذكر أن ابن القيم رحمه الله تعالى صحح هذا المسلك وقواه بذلك فقال ابن حجر بعد سياقه المسلك المذكور عن ابن القيم (٣):
(وقواه- أي ابن القيم- بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا بخشية الله تعالى وحده تقاوم السيئة التي عملها، لأن حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم) .
المسلك الرابع:
هذه هي المسالك الثلاثة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى. وهناك مسلك رابع للإمام النووي رحمه الله تعالى (٤) وغيره: وهو: أن الذنب الذي فعله هذا
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٢/١٣٤.
(٢) انظر: أعلام الموقعين٣/ ٢٢.
(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٥.
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ٨١، وفتح الباري ١٢/١٣٤. والنووي هو: محيي الدين ابن شرف بن مري الخزامي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ. (انظر: النجوم الزاهرة ٨/٢٧٧) .
[ ٧٨ ]
المعترف كان من الصغائر لا الكبائر.
وجه هذا المسلك (١):
هو ما جاء في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة والذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
تعقب هذا المسلك:
وهذا متعقب بأنه جاء في بعض روايات حديث أنس ﵁ تفسير الحد الذي اقترفه بالزنى فثبت كون المعترف به جريمة حدية من الكبائر لا الصغائر والله أعلم.
الترجيح:
هذه مسالك العلماء في هذا الحديث وما يمكن توجيه كلّ مسلك به وما تعقب
به، والذي يظهر والله أعلم- أن ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى من حمل الحديث على سقوط الحد [بالتوبة] (*) قبل القدرة عليه- هو الصواب للأمرين المذكورين في توجيه هذا المسلك وهما أن الحد وقع مفسرًا لا مبهمًا وأن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة والله أعلم.
وجه الاستدلال:
وبعد تصحيح هذا المسلك من حمل الحديث: على سقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه فإن دلالته على هذا الحكم واضحة ذلك: أن هذا الرجل قد وقع في حد وهو حد الزنى كما صرحت به بعض الروايات وقد جاء إلى النبي ﷺ بنفسه معترفًا به تائبًا إلى الله تعالى فأسقط عنه النبي ﷺ الحد ولم يقمه عليه لأن التوبة
_________________
(١) انظر: شرح مسلم للنووي ١٧/ ٨١، وفتح الباري ١٢/ ١٣٤. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع: (بالتوجه)
[ ٧٩ ]