والغاية التي دفعتني الى اختيار مباحث " الحدود والتعزيرات" من بين عامة مباحثه، لتكون موضوعًا لهذه الرّسالة، هي في وجوه متعددة منها ما يلي:-
الأول: أن القاضي أحوج ما يكون الى مباحث ابن القيم في ذلك، إذ أنه رحمه الله تعالى من أولئك العلماء الأفذاذ الذين انطلقوا من ربقة التقليد ونهجوا في
_________________
(١) نسبة الى إمام المذهب: أبي حنيفة النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٠ هـ (انظر: تاريخ بغداد/ للخطيب البغدادي ١٣/٣٢٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٦٨) .
(٢) نسبة الى إمام المذهب: مالك بن أنس الأصبحي نسبًا. إمام دار الهجرة وعالم المدينة ولد سنة ٩٥ هـ وتوفي سنة ١٧٩ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٠٧، الأعلام للزركلي ٦/١٢٨) .
(٣) نسبة الى إمام المذهب: محمد بن إدريس بن العباس القرشي الشافعي. عالم قريش ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة، ٢٠٤ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ ١/٣٦٧، الأعلام للزركلي٦/٢٤٩) .
(٤) نسبة الى إمام المذهب: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة ولد سنة ١٦٤ هـ وتوفي سنة ٢٤١ هـ انظر (تاريخ بغداد ٤/٤١٣، تذكرة الحفاظ ٢/٤٣١، طبقات الحنابلة ١/٤ الأعلام للزركلي ١/١٩٢) .
(٥) كثر في لسان الأدباء والمحدثين التعبير بلفظ "شخصي" بمعنى عظيم وذو مكانة وقد رغبت عن هذا اللفظ لأنه محدث لا يساعد على معناه المراد منه وضعه اللغوي. (انظر: المعجم الوسيط لأحمد الزيات ورفيقاه ١/٤٧٨، ط مجمع اللغة العربية بمصر وانظر: تقويم اللسانين للهلالي ص ١٠٥/١٠٦ط الأولى الرباط سنة ١٣٩٨ هـ) .
[ ٧ ]
البحث والتحقيق منهج الاستدلال والمناقشة. وهذا ما يتطلبه القاضي المنصف المتطلب للصواب والحكم بين الناس بالحق.
الثاني: أن أحكام الحدود والتعزيرات هي من أهم أعمال القضاء إذ عليها المدار لحفظ الضروريات:
ففي حد الردة حفظ الدين.
وفي حد الزنا حفظ الأنساب.
وفي حد الخمر حفظ العقل.
وفي حد القذف حفظ الرض.
وفي حد السرقة حفظ المال.
وابن القيم رحمه الله تعالى قد أفصح عن جل أحكام هذه الحدود وحكمها وأسرارها وتحقيق ما يلائم سياسة الأمة بالعدل وحالة العمران في كل زمان ففي تقريبها تحقيق لذلك.
الثالث: أنه رحمه الله تعالى لم يؤلف في ذلك تأليفًا مستقلًا- حسب التتبع بل هي أبحاث متناثرة في كتبه المتكاثرة. والوقوف على الكثير منها قد يكون صعبًا لذلك ولوجود طائفة منها في غير مظنته. إذ أنه رحمه الله تعالى يكثر الاستطراد لأدنى مناسبة، لسيلان ذهنه وفقه نفسه.
ومن هنا يعم الناظر شدة الحاجة ومبلغ الأهمية لجمعها في صعيد واحد وترتيبها على النسق المعروف في المدونات الفقهية تيسيرًا للقارئ وتوفيرًا لجهده
الرابع: أنه قد كثر الشغب في الأزمان المتأخرة من المستشرقين وتلامذتهم بالتنديد بالعقوبات الإسلامية المقدرة على الجرائم الأخلاقية من أنها: وحشية
[ ٨ ]
وتعسف إلى أمثال هذا الطيش وتلك القلاقل والبداءات بغيًا من أنفسهم للصد عن دين الله وشرعه وتحكيمه في أموال الناس وأعراضهم وسائر أحوال مدنيتهم.
وإن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أبان من حكمة التشريع وأسراره لهذه العقوبات ما أماط اللثام وأزهق الباطل، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. وقد نظرت في مباحث حكمة التشريع عند جماعة من أهل العلم فلم أر عالمًا يفري فريه قد ضرب من الحق بعطن أمثال هذا الإمام: في مباحثه العزيزة وتحقيقاته المنيفة.
فكأنما أعطى رحمه الله تعالى نسخة من إيراداتهم، فكر عليها بالنقض حتى أصبحت في حساب الوساوس والأحلام الرديئة.
ومن المعلوم أن تقرير ذلك من أهل العلم لم يكن الا ردًا للباطل وزيادة في تثبيت الإيمان، وإلا فمقتضى الإيمان وموجب الإسلام: التسليم لأوامر الله ونواهيه سواء علمنا حكمة التشريع أم لا.
هذه جملة من الأسباب التي دفعتني الى اختيار "الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية" موضوعًا للرسالة. وأرجو أن تكون أسبابًا مقنعة للتدليل على سلامة الاختيار وأحقيته عند أنصار ابن القيم وخصومه على السواء