بعض أهل العلم كما ذكره الخطابي (١)
ب- حديث سلمة بن المحبق ﵁:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):
(في المسند (٣) والسنن (٤)، عن قبيصة بن حريث (٥) عن سلمة بن المحبق ﵁، أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها) .
منزلة هذا الحديث عند ابن القيم:
قرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الأعلام) أن هذا حديث حسن وأن
تضعيف من ضعفه إنما هو لإشكال وجدوه في متنه فأقدموا على تضعيفه فقال (٦):
(هذا حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده) .
وأما في كتابه (زاد المعاد) فتوقف في قبول هذا الحديث وعلق القول به على القول بصحته فقال (٧):
(وأما حديث سلمة بن المحبق فإن صح تعين القول به ولم يعدل عنه)
_________________
(١) انظر: معالم السنن ٦/٢٧٠.
(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨، وأعلام الموقعين ٢/٢٤
(٣) انظر: مسند الإمام أحمد ٣/٤٧٦.
(٤) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٥، والنسائي ٦/١٠٢ وابن ماجه ٢/٨٥٣ وانظر أيضا: نيل الأوطار ٧/١٢٦- ١٢٧. وأشار له الترمذي في سننه ٤/٥٤
(٥) هو: قبيصة بن حريث الأنصاري صدوق من الطبقة الثالثة مات سنة ١٦٧ هـ (انظر التقريب ٢/١٢٢) .
(٦) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤.
(٧) انظر: ٣/ ٢٠٨
[ ١٤١ ]
موقف العلماء من هذا الحديث:
ذكر رحمه الله تعالى أن الناس حول هذا الحديث، قد انقسموا إلى طائفتين: طائفة ضعفت هذا الحديث ونفت صحته.
وطائفة قبلت هذا الحديث فبينوا وجهه وتخريجه.
وبيانه لموقف كل من الطائفتين على ما يلي:
أولًا: موقف القائلين بتضعيف هذا الحديث:
بعد أن قرر في (زاد المعاد) (١) تعليق القول بهذا الحديث على القول بصحته، ذكر القائلين بضعفه وهم: أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي وابن المنذر، والخطابي، وذكر أقوالهم فقال:
(لكن قال النسائي: لا يصح هذا الحديث: قال أبو داود (٢): سمعت أحمد بن حنبل يقول الذي يرويه عن سلمة شيخ لا يعرف ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث، وقال البخاري في (التاريخ) (٣) قبيصة بن حريث سمح سلمة بن المحبق في حديثه نظر، وقال ابن المنذر (٤) . لا يثبت خبر سلمة بن المحبق، وقال البيهقي (٥) وقبيصة بن حريث غير معروف، وقال الخطابي (٦): هذا الحديث منكر وقبيصة غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن (٧) لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع) .
_________________
(١) انظر: ٣/٢٠٨، وانظر أيضًا في بيانها: مختصر المنذري لسنن أبي داود ٦/٢٧١- ٢٧٢.
(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٥.
(٣) انظر: التاريخ الكبير ٤/١٧٦ ط الأولى سنة ١٣٦٠ هـ. بمطبعة دائرة المعارف بحيدر أباد الهند
(٤) انظر: مختصر المنذري لأبي داود ٦/٢٧٢.
(٥) : السنن الكبرى ٨/ ٢٤٠.
(٦) : معالم السنن ٦/٢٧١.
(٧) : مختصر السنن لأبي داود ٦/٢٧١- ٢٧٢
[ ١٤٢ ]
وقد ذكر أقوال هؤلاء الأئمة كل من المنذري (١) والشوكاني رحمهما الله تعالى
ولم يتعقبوها بشيء.
ثانيًا: موقف القائلين بقبول الحديث اختلف موقفها منه إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: قالت إن هذا الحديث منسوخ بأحكام الحدود.
وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):
(قالت طائفة هو منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود) .
وقد ذكر الخطابي القول بالنسخ عن الحسن البصري رحمه الله تعالى فيما بلغه فقال (٣):
(وقد روى عن الأشعث (٤) صاحب الحسن أنه قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود) .
ثم يقول الخطابي (٥):
(وخليق أن يكون الحديث منسوخًا إن كان له أصل في الرواية) .
وقفة وتأمل:
إن الذي دعى القائلين بالنسخ إلى القول به هو كون هذا الحديث فيه مخالفة للأصول منها أن فيه إسقاطًا لحد الزنى، وابن القيم رحمه الله تعالى يورد هذا الاعتراض ويرفضه مبينًا أنه ليس في الحديث تعرض لحد الزنى فيقول (٦):
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٣٦- ١٢٧.
(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.
(٣) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٧١.
(٤) هو: الأشعث بن سوار الكندي المتوفى سنة ٢٣٦ هـ. (انظر: التهذيب ١/٣٥٢، والتقريب ١/٧٩) .
(٥) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٧١.
(٦) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٨
[ ١٤٣ ]
(فإن قيل: فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك؟.
قيل: الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات، وإنما دل على الضمان وكيفيته) . وهذا جواب مسلم به فإن الحديث في كافة رواياته ليس فيه تعرض للحد فكيف يقال أن الحديث فيه إسقاط الحد. وأيضًا فإن القول بالنسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ، وهو هنا غير معلوم فيتبين إذا أن القول بالنسخ غير وارد والله أعلم.
الفرقة الثانية: الذين قالوا بأن هذا الحديث محكم غير منسوخ فخرجوه على وفق القياس.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تخريجهم لهذا الحديث على وفق القياس فقال (١):
(وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها ولم تبق ممن تصلح لها، ولحق بها العار وهذا مثلة معنوية فهي كالمثلة الحسية أو أبلغ منها، وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها، والمثلة المعنوية بها، فتلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه.
وأما إن طاوعته فقد أفسدها على سيدتها فتلزمه قيمته لها، ويملكها لأن القيمة
قد استخفت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة، قالوا ولا يعد في
تنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي إذ كلاهما يحول بين المالك وبين
الانتفاع بملكه، ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطؤة لزوجها، فإنها لا
تبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وهو موافق للقياس الأصولي) .