ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى سقوط الحد عن المسلم في دار الحرب (٤) .
وهو في هذا قد تابع ابن قدامة في حكايته لمذهب أبي حنيفة إذ قال (٥): (وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع) .
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.
(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٨.
(٣) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.
(٤) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.
(٥) المغنى ١٠/٥٣٨
[ ٦١ ]
وهذا الإطلاق يخالف ما ذكره علماء الحنفية وغيرهم (١) من تقييد ذلك: بشرط أن لا يكون الخليفة مع المسلمين في دار الحرب فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبس بها، ولا تؤخر إلى حين القفول من دار الحرب أما إن لم يكن معهم فيسقط الحد. ولم أر من حكى السقوط مطلقًا مذهبًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى سوى ما تقدم عن ابن القيم وابن قدامة والله أعلم.
أدلة أبي حنيفة:
استدل لمذهب أبي حنيفة بأدلة منها ما يلي:
١- حديث (لا تقام الحدود. في دار الحرب) (٢) .
وجه الاستدلال:
بيّن البابرتي، من الحنفية وجه الاستدلال منه فقال (٣):
(ووجه التمسك به أنه ﷺ لم يرد به حقيقة عدم الإقامة حسًا لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد) .
مناقشة الاستدلال:
وهذا الاستدلال مناقش بما يلي:
١- أن الاستدلال به على خلاف الدعوى، فإن مذهب أبي حنيفة سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع المعسكر، والحديث لا إشارة فيه إطلاقًا إلى
_________________
(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٧
(٢) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير٥/ ٤٦.
(٣) انظر: شرح الهداية على العناية بهامش شرح فتح القدير لابن الهمام ٥/ ٤٦. والبابرتي هو محمد ابن محمد بن حمود البابرتي المتوفى سنة ٧٨٦ هـ. (انظر: الأعلام ٧/ ٢٧١)
[ ٦٢ ]
وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر بدار الحرب بل ينافيه.
٢- أن هذا الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه بل تحتمل التأخير إلى القفول من الغزو، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. بل إن معناه في تأخير الحد أظهر ويدل عليه أقضية الصحابة ﵃.
فيتبين من هذا أن دلالته دراية على مذهب أبي حنيفة غير سليمة والله أعلم.
درجة هذا الحديث:
إن دلالة الحديث دراية فرع لثبوت الحديث رواية. وكما أن هذا الحديث لا يدل لفظه على مذهب أبي حنيفة، فإن الاستدلال به من أصله لا ينهض لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ولهذا قال ابن الهمام الحنفي (١): (لا يعلم له وجود) . أي أن هذا حديث لا أصل له رواية، فبطل الاستدلال به إذًا رواية ودراية والله أعلم.
٢- قصة أبي محجن ﵁ (٢):
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن قد يتمسك به من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كأبي حنيفة.
وجه الاستدلال:
ودلالة هذا الأثر على سقوط الحد عمن كان في دار الحرب من الغزاة دلالة نصية فإن سعدًا ﵁ أسقط الحد حد الخمر عن أبي محجن فخلى سبيله وقال (والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم) فأسقط عنه الحد.
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير ٥/٤٦.
(٢) تقدمت قريبًا.
[ ٦٣ ]
مناقشة هذا الاستدلال:
وقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى فيما تقدم أن هذا الأثر لا يعني سقوط الحد بالكلية وإنما سقوط مقيد لن كانت حاله وصفته كأبي محجن ﵁. ولهذا تعقب من يستدل به على إسقاط الحد بالكلية فقال رحمه الله تعالى (١): (لا حجة فيه - أي لأبي حنيفة- والظاهر أن سعدًا ﵁ اتبع في ذلك سنة الله تعالى. فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن وجهاده وبذل نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد. لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة. وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر. ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال. إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت. وأيضًا فإنه لتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له حده كما قال (٣) النبي ﷺ للرجل الذي قال له (يا رسول الله أصبت حدًا فأقمه علي. فقال هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم. قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك) - وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته. فقال: والله لا أشربها أبدًا. وفي رواية (أبد الأبد) وفي رواية (قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذا تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا) . وقد بريء النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة (٣) لحسن بلائه وقال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.
ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب) .
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٨- ١٩.
(٢) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه ١٣/ ١٨١- مع شرحه فتح الباري لابن حجر.
(٣) هو: خالد ابن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي سيف الله المسلول على أعداء الله المشركين مات ﵁ سنة ٣١ هـ. بحمص وقيل بالمدينة (انظر: الإصابة ١/٤١٣ - ٤١٥) .
[ ٦٤ ]
٣- تعذر إقامة الحد لانقطاع ولاية الإمام عن دار الحرب:
قالوا: إن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام على مسلم تلبس بالحد في دار الحرب فلا حد إذًا، أما لو كان الإمام معه في المعسكر فيقام الحد، لأنه تحت يده فالقدرة ثابتة عليه (١) .
مناقشة هذا الدّليل:
نسلم أن مناط إقامة الحد هي القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية حتى ولو عاد إلى دار الإسلام فإن المسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم عليه الحدود أهدرنا مقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخيره فقد راعينا المصلحة ولم نهدر الحد بالكلية. أما قولهم: بإقامة الحد إذا كان الإمام في المعسكر لوجود القدرة فيقال: هذا
غير مسلم لأنه ليس مناط إقامة الحد وجود القدرة فحسب، بل معها أيضًا عدم وجود المعارض، وهو هنا قد وجد لحاجة المسلمين إلى تكثير الصف أو خوفًا من ارتداده ولحوقه بالكفار كما علله الصحابة ﵃ بذلك.
ومن القواعد المقررة: أنه إذا وجد المانع والمقتضي قدم المانع على المقتضي، فإذا زال المانع بأن رجعوا إلى دار الإسلام أقيم الحد لوجود المقتضي وانتفاء المعارض. وهذا له نظائر في الحدود كما في تأخير الحد لمصلحة المحدود كتأخيره عن الحامل ونحوها (٢) .
ولعله تبين من سياق أدلة الحنفية ومناقشتها أنه ليس لدى الحنفية ما تسلم دلالته على سقوط الحد عن الغزاة. ولهذا نرى الإمام أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة
_________________
(١) انظر: شرح فتح القدير٥/ ٤٧، وشرح العناية على الهداية٥/ ٤٦. (٢) انظر: فما يأتي: المبحث الثالث.
[ ٦٥ ]
وخريجه يجنح إلى القول بتأخير الحد فيقول (١):
(ولا ينبغي أن تقام الحدود في المساجد ولا في أرض العدو- ثم ذكر قولي أبي حذيفة وعمر ﵄ في تأخير الحد حتى القفول إلى دار الإسلام) . والله أعلم.