الدلالة على أن النبي ﷺ مأمور بالحكم بما في شريعته فكيف يقال أنه حكم بشريعة من سواه؟. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى جوابًا آخر على سبيل التنزيل فقال (١):
(فإن قيل إنما حكم رسول الله ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هب أن الأمر كذلك أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟
فاختاروا. أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم) .
الجواب الثالث: أن رجمهما كان سياسة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى معقبًا عليه (٢):
(وقالت طائفة رجمهما سياسة، وهذا من أقبح الأقوال بل رجمهما بحكم الله الذي
لا حكم سواه) .
أجوبة النفاة عن هذا الحديث:
لنفاة اشتراط الإسلام في الإحصان في الجواب عن هذا الحديث مسلكان: الأول: من حيث الرواية.
والثاني: من حيث الدراية.
وبيانهما على ما يلي:
المسلك الأول: مناقشة هذا الحديث رواية:
هذا الحديث ورد عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا إلى النبي ﷺ ﷺ وموقوفًا
_________________
(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٣٢٧.
(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧
[ ١٢٤ ]
من قوله، وهو في كلّ منهما من مفاريده وله لفظان في المرفوع إلى النبي ﷺ وأحد اللفظين ورد موقوفًا.
ألفاظه ومخرجيها:
وبيان كلّ لفظ مرفوعًا أو موقوفًا مع ذكر من خرجه على ما يلي:
اللفظ الأول:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (لا يحصن المشركَ بالله شيء) .
مخرجيه:
أخرجه بهذا اللفظ مرفوعًا، الدارقطني (١)، والبيهقي (٢) .
منزلة إسناده:
تكلم نقاد الأثر على إسناد هذا الحديث من ناحيتين:
الأولى: إعلال رواية الرفع، وأن الصواب وقفه، صرح بذلك الدارقطني فقال (٣):
(وهم عفيف في رفعه، والصواب موقوف من قول ابن عمر ﵄) .
وهذا الإعلال متعقب بأن عفيفًا قد صرح برفع الحديث هو: عفيف ابن سالم الموصلي البجلي مولاهم صدوق مات سنة ٢٨٠ هـ (٤) . وقد تقرر في علوم الاصطلاح أن زيادة هذا الضرب مقبولة فيقبل رفعه للحديث إذًا.
_________________
(١) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.
(٢) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.
(٣) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.
(٤) انظر: تقريب التهذيب٢/ ٢٥.
[ ١٢٥ ]
وقد صرح بذلك ابن القطان (١) فيما نقله الزيلعي عنه فقال (٣):
(قال ابن القطان في كتابه (٣)، وعفيف بن سالم الموصلي ثقة قاله ابن معين، وأبو حاتم وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه وإنما علته أنه من رواية أحمد بن أبي نافع عن عفيف المذكور وهو أبو سلمة الموصلي، ولم تثبت عدالته ) .
وهذا الذي قاله ابن القطان هو القول الحق الذي عليه عامة المحققين من أهل الاصطلاح (٤) أن الإرسال أو الوقف في الرواية لا يكون شيء من ذلك علة في المرفوع، وما هنا زيادة من عفيف بن سالم وحاله الصدق فهي مقبولة، فينتج أن إعلال هذا الحديث برواية الوقف غير واردة فيبقى النظر في حال رجال بقية إسناده والحديث عنه فيما يلي:
الثانية:
تحصل بالتتبع أن مدار هذا الحديث سندًا هو كما قال ابن القطان رحمه الله تعالى، على رواية (أحمد ابن أبي نافع الموصلي) .
وأحمد هذا قد وهّاه النقاد، وعدّوا هذا الحديث من مناكيره، كما حرره ابن عدي (٥) والذهبي (٦)، وابن حجر (٧)، وذلك في ترجمتهم له.
_________________
(١) هو: علي بن محمد الحميدي الفاسي من حفاظ الحديث ونقاده توفي سنة ٦٢٨ هـ. (انظر: شذرات الذهب ٥/١٢٨، والأعلام ٥/١٥٢) .
(٢) انظر: نصب الراية ٣/٣٢٧.
(٣) المراد بكتاب ابن القطان عند الإطلاق هو (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام للأشبيلي) .
(٤) انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص/٦٢- ٦٣. ط الثالثة بمطبعة محمد علي صبيح بمصر.
(٥) انظر: الميزان للذهبي ١/ ١٦١، ونصب الراية للزيلعي ٣/٣٢٧، وابن عدى: هو عبد الله بن عدى بن عبد الله الجرجاني علامة بالحديث توفي سنة ٣٦٥ هـ. وله كتاب (الكامل في الضعفاء والمتروكين من الرواة) (انظر: الأعلام ٤/٢٣٩) .
(٦) انظر: الميزان ١/١٦١، والمغني في الضعفاء ١/٦١.
(٧) انظر: لسان الميزان ١/٣١٧
[ ١٢٦ ]
ومن حاله كذلك فلا يصلح حديثه للاعتبار فضلًا عن الاعتماد عليه فالحديث إذا بهذا الإسناد لا يعتبر به والله أعلم.
اللفظ الثاني:
(من أشرك بالله فليس بمحصن) .
مخرجيه:
الحديث بهذا اللفظ روي موقوفًا من قول ابن عمر ﵄ وروى مرفوعًا إلى النبي ﷺ وأخرجه على كلا الوجهين، إسحاق بن راهويه في (مسنده) (١) ومن طريقه أخرجه، الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) .
منزلة إسناده:
هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه من جهة رفعه ووقفه. وقد حكى الحافظان البيهقي (٤) . والزيلعي (٥)، الخلاف في ذلك وسكتا. وجزم الحافظان: الدارقطني (٦)، وابن حجر (٧) بوقفه فقالا: والصواب أنه موقوف.
وجه الخطأ في رفع هذا الحديث:
وما قرره الدارقطني وتابعه عليه ابن حجر في الجزم بوقف الحديث هو الذي يقتضيه النظر في إسناد هذا الحديث مرفوعًا، إلا أن الذي يظهر لي والله أعلم أن
_________________
(١) انظر: بواسطة- نصب الراية ٣/٣٢٧.
(٢) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.
(٣) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.
(٤) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.
(٥) انظر: نصب الراية ٣/٣٢٧.
(٦) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.
(٧) انظر: الدراية ٢/ ٩٩
[ ١٢٧ ]