رسول الله - ﵌ - أمرني بهذا، وإن كنتَ طلقتَها ثلاثًا، فقد حرمتْ عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيتَ الله فيما أمرك من طلاق امرأتك".
ومثله ما يُروى عن عمر: أن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي البتةَ وهي حائض. فقال: عصيتَ ربك، وفارقتَ امرأتك. قال: فإن رسول الله - ﵌ - أمر ابن عمر أن يراجع امرأته؟ قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبقِ ما ترتجعُ به امرأتك.
رواه الدارقطني (^١) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الترجماني عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، والسند بعد ذلك صحيح. والترجماني قالوا: "لا بأس به". ووثقه بعض المتأخرين (^٢)، والجمحي مختلف فيه (^٣).
[ص ٧] وقد أطال أهل العلم الكلامَ في هذه المسألة، فلنقدم كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب "اختلاف الحديث" (^٤). قال: "باب في طلاق الثلاث المجموعة"، ثم ذكر حديث ابن عباس بمعنى الرواية الثانية عند مسلم، ثم أسند عن ابن عباس: "أن رجلًا قال له: طلَّقتُ امرأتي ألفًا. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ تسعمائة وسبعًا وتسعين" (^٥).
وبسند آخر: "قال رجلٌ لابن عباس: طلقتُ امرأتي مائةً. فقال: تأخذ ثلاثًا، وتَدَعُ سبعًا وتسعين".
_________________
(١) (٤/ ٨).
(٢) انظر "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٧١، ٢٧٢).
(٣) انظر المصدر السابق (٤/ ٥٥، ٥٦).
(٤) ضمن كتاب "الأم" (١٠/ ٢٥٦، ٢٥٧) ط. دار الوفاء.
(٥) أخرجه أيضًا عبد الرزاق في "المصنف" (٦/ ٣٩٧) والبيهقي (٧/ ٣٣٧).
[ ١٧ / ٦٠٦ ]
قال الشافعي: "فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله - ﵌ -، يعني أنه بأمر النبي".
أقول: هذا هو المتعين قطعًا؛ لأن هذا الجعل إنما يكون قضاءً أو إفتاءً، ولم يكن يقع القضاء والإفتاء في عهده - ﵌ - إلا منه، أو بأمره، أو بعلمه، إذ لا يجوز أن يكون وقع القضاء والإفتاء في هذا الحكم العظيم من أصحابه - ﵌ - باجتهادهم، ثم لا يبلغه ذلك، مع ما تُشعِر به الآثار من تكرر ذلك واستمراره.
وعلى فرض أنه كان يقع ذلك ولم يبلغه ــ وهو محالٌ عادةً ــ فكفى بتقرير الله ﷿ حجةً.
وفي "الصحيح" (^١) عن جابر: "كنا نَعزِل والقرآن ينزل، لو كان شيئًا يُنهَى عنه لنَهَى عنه القرآن".
وإذا كنا نحتج بتقرير النبي - ﵌ -، فالاحتجاج بتقرير الله ﷿ أولى، فإن الوصلة كانت حينئذٍ موجودة بينه وبين عباده بوجود الوحي، فإذا لم يبين للناس خطأ ما يفعلونه حينئذٍ، فقد أقرهم عليه، ويوضح هذا قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.
وما تضافرت به الآثار أن النبي - ﵌ - كان يكره المسائل حتى قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على الناس، فحُرِّم من أجل مسألته". رواه الشيخان (^٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.
_________________
(١) البخاري (٥٢٠٨) ومسلم (١٤٤٠). والفقرة الأخيرة عند مسلم فقط.
(٢) البخاري (٧٢٨٩) ومسلم (٢٣٥٨).
[ ١٧ / ٦٠٧ ]
وإنما المعنى أن الناس كانوا مأمورين أن يعملوا بما ظهر لهم من الشريعة، وبأصل الإباحة وعدم التكليف، متَّكلِين على أن الله ﵎ يعلم بهم وبما فعلوه، فإن أخطأوا غفر لهم خطأهم، وبين لهم على لسان رسوله، كما في "صحيح البخاري" (^١) عن سهل بن سعد قال: "أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجلَيْه الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار".
ويوضح هذا ما في "صحيح مسلم" (^٢) عن أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله - ﵌ - فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجُّوا. فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله - ﵌ -: "لو قلت: نعم، لوجبتْ، ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه" (صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٠٢).
لما كان الأصل عدم التكليف بالحج، وقوله: "قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا" يتحقق بمرةٍ واحدةٍ في العمر، كان عليهم أن يفهموا المرة الواحدة، ويقتصروا عليه، عالمين أن الله تعالى إذا أراد كل سنة فسيُبينه لهم
_________________
(١) رقم (١٩١٧). وأخرجه أيضًا مسلم (١٠٩١).
(٢) رقم (١٣٣٧).
[ ١٧ / ٦٠٨ ]
بدون سؤال.
وهكذا ما كان الأصل فيه الإباحة، كان عليهم أن يستمروا على استباحته، فإذا أراد الله تعالى تحريمه، فسيبينه بدون سؤال.
واعلم أن سكوت الشرع عن تنبيههم على خطئهم في القضاء والفتوى في الطلاق ــ لو كانوا أخطأوا ــ أبعدُ جدًّا من سكوته عن تنبيههم على الخطأ في فعل العَزْل، وتناوُلِ ما لم يروه حرامًا، والاقتصار على حجة واحدة، فدلالة السكوت على التقرير في الأول وأنهم مصيبون أوضح من الدلالة في الثاني، فتدبَّر هذا.
مع أن الحكم في قضية ركانة، وقضية ابن عمر من النبي نفسه - ﵌ -.
[ص ٨] ولضعف أو بطلان احتمال أن ما كان يقع في عهده - ﵌ - مِنْ جعلِ الثلاث واحدةً، كان بغير أمره وبغير تقريره، لم يعتمد الشافعي على هذا الجواب، ولا اعتدَّ به، وإنما أشار إليه إشارةً، وإنما أمعنتُ في بيان سقوطه؛ لأن بعض أهل العلم ممن بعده اعتمد عليه، والله المستعان.
قال الشافعي (^١): "فالذي يُشبِه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئًا فنُسِخ.
فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟
قيل: لا يُشبِه أن يكون يروي عن رسول الله - ﵌ - شيئًا ثم يخالفه بشيءٍ لم يعلمه كان من النبي - ﵌ - فيه خلافُه.
_________________
(١) في "اختلاف الحديث" ضمن كتاب "الأم" (١٠/ ٢٥٧، ٢٥٨) ط. دار الوفاء.
[ ١٧ / ٦٠٩ ]
فإن قيل: فلعل هذا شيءٌ روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر.
قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيءٍ، ويروي عن النبي - ﵌ - فيه خلافه؟
فإن قيل: فلِمَ لم يذكره؟
قيل: وقد يُسأل الرجل عن الشيء، فيجيب فيه ولا يتقصَّى فيه الجواب، ويأتي على الشيء، ويكون جائزًا له، كما يجوز له لو قيل: أصلَّى الناس على عهد رسول الله - ﵌ - إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم. وإن لم يقل: ثم حُوِّلتِ القبلة.
قال: فإن قيل: فقد ذكر [على] عهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر.
قيل ــ والله أعلم ــ: وجوابه حين استفتي يخالف ذلك، كما وصفتُ".
أقول: أطال النووي في "شرح مسلم" (^١) في الرد على احتمال النسخ، ورده واضح، فإن قول ابن عباس: "كان الطلاق على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر الثلاثُ واحدةً، فقال عمر .. " صريحٌ في أن الطلاق كله كان على هذا، فإن هذه قضيةٌ عامةٌ، وليس مثلها ما لو قيل: "أصلَّى الناسُ على عهد رسول الله - ﵌ - إلى بيت المقدس"؛ لأن هذه قضية خاصة، فالأولى تدل على الاستمرار، بخلاف الثانية.
وقول ابن عباس في جواب السائل: "قد كان ذلك، فلما كان في عهد
_________________
(١) (١٠/ ٧١، ٧٢).
[ ١٧ / ٦١٠ ]
عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم" صريحٌ في أنه أراد أن يُبين تغيرَ الحكم، فلو علم نسخًا في عهد النبي - ﵌ - لما عدل عنه، بل كان يقول: قد كان ذلك في عهد النبي - ﵌ - ثم نسخ، أو نحو هذا.
واحتمالُ أن يكون النسخ وقع في آخر الحياة النبوية، فلم يعمل بموجبه في العهد النبوي، ولم يطلع عليه ابن عباس، يردُّه استمرار الحكم في عهد أبي بكر، وثلاث سنين من إمارة عمر، فيكونون قد أجمعوا على الخطأ.
واحتمال أن يكونوا اطلعوا في عهد عمر على ناسخٍ، يردُّه أن عمر إنما بنى التغيير على قوله: "إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ"، ولو كان اطلع على ناسخٍ لما عَدَلَ عنه، بل كان يقول: قد كنا نَقضِي بكذا حتى وقفنا على هذا النص، ويذكره.
وهكذا ابن عباس، إنما بنى التغيير على قوله: "فلما كان في عهد عمر تتايعَ الناسُ في الطلاق، فأجازه عليهم"، فبيَّن أن الإجازة كانت بسبب التتايع، فلو كانت الإجازة للاطلاع على ناسخٍ لما عدلَ عنه.
وقد سلَّم الشافعيُّ أن الاستمرار في عهد أبي بكر ومدة من إمارة عمر يدفع النسخ، وإنما عارض ذلك بفتوى ابن عباس. وهذه معارضة ضعيفة، بل باطلة على أصل الشافعي الذي يوافقه عليه جمهور أهل العلم: أن العبرة بما رواه الراوي وإن خالفه.
وقد قرر الشافعي هذه القاعدة في مواضع من "الأم"، منها: مسألة التحريم بالرضاع من جهة الفحل (^١)، وغيرها.
_________________
(١) (٨/ ٧٦٨، ٧٦٩) من "اختلاف مالك والشافعي".
[ ١٧ / ٦١١ ]
ومن يقول: إن فتوى الراوي بخلاف مرويِّه تَخْدِش في مرويِّه، يستثني من ذلك ما إذا بيَّن الراوي مستندَ فتواه، وتبين لنا ضعف ذلك المستند.
وقد بيَّن ابن عباس هنا أن مستند التغيير هو أن الناس تتايَعوا في الطلاق، فأجازه عليهم عمر. وإجازة عمر ليست عند ابن عباس حجة، كما ذكر الشافعي، فلم يبق إلا أنه وافقه على أن التتايع يقتضي الإجازة، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
[ص ٩] على أنه قد جاء عن ابن عباس الفتوى بأن الثلاث واحدة.
قال أبو داود في "سننه" (^١): روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: "إذا قال أنت طالق ثلاثًا، بفمٍ واحدٍ، فهي واحدة". ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة. (سنن أبي داود ١/ ٢٩٨).
أقول: الظاهر صوابهما معًا، إذ لا مانعَ أن يرويه أيوب تارةً عن عكرمة عن ابن عباس، وتارةً عن عكرمة من قوله، فإن أبيتَ إلا الترجيح فقد اختلف الناس أيهما أرجح: حماد أم إسماعيل ــ وهو ابن عُلَية ــ؟
فقدَّم عثمان بن أبي شيبة ابنَ عُلَية.
وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن عُلَية والثقفي وابن عيينة.
وقال أيضًا: ليس أحدٌ أثبتَ في أيوب منه.
وقال أيضًا: من خالفه من الناس جميعًا، فالقول قوله في أيوب.
_________________
(١) بذيل رقم (٢١٩٧).
[ ١٧ / ٦١٢ ]
وقال يعقوب بن شيبة: ابن زيد معروفٌ بأنه يقصر في الأسانيد، ويُوقِف المرفوع، كثير الشك بتوقِّيه .. وكان يُعدُّ من المتثبتين في أيوب.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى ــ هو ابن معين ــ يقول: لم يكن أحدٌ يكتب عند أيوب إلا حماد.
وقال الخليلي: المعتمد في حديثٍ يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والمرفوع إليه (^١).
أقول: كأنه يريد بقوله: "والمرفوع إليه" أنه إذا رفع حديثًا ووقفه غيره، فالقول قوله؛ لأنه كان كثير التوقي يتوقف عن الرفع لأدنى شك، كما مر عن يعقوب بن شيبة.
ثم قال أبو داود (^٢): "وصار قول ابن عباس فيما حدثنا ". ذكر أثرًا أفتى فيه ابن عباس وغيره في البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وعقَّبه بقوله (^٣): حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان نا أبو النعمان نا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحدٍ عن طاوس: أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلَّق
_________________
(١) انظر أقوال هؤلاء النقاد في "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٠، ١١).
(٢) رقم (٢١٩٨).
(٣) رقم (٢١٩٩).
[ ١٧ / ٦١٣ ]
امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﵌ - وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن (^١) عليهم.
ثم أخرج (^٢) رواية ابن طاوس عن أبيه بلفظ الرواية الثانية عند مسلم.
فقوله: "وصار قول ابن عباس" ظاهرٌ في اعترافه بأن رواية حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ثابتة، وأن لابن عباس قولين، كان يقول بأحدهما، ثم صار إلى الآخر، فإن أراد أنه كان يقول بأنها واحدةٌ، كما في رواية حماد، ثم صار إلى وقوع الثلاث، فهي دعوى بلا دليلٍ، وهكذا إن أراد عكسه، فالأولى أنه كان يفتي بهذا تارةً، وبهذا أخرى، يتوخى في كل قضية ما هو الأولى بها، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وقد استدل بعضهم لما تقدم عن الشافعي من احتمال أن ابن عباس اطلع على ناسخٍ بما رواه أبو داود (^٣) قال: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته فهو أحقُّ برجعتها وإن طلَّقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. (سنن أبي داود ج ١/ ص ٢٩٦).
_________________
(١) كذا في الأصل. وعند أبي داود: "أُجِيزُهن".
(٢) رقم (٢٢٠٠).
(٣) رقم (٢١٩٥).
[ ١٧ / ٦١٤ ]
أقول: علي بن حسين بن واقد، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس (^١).
وعلى كلتا العبارتين فلا يصلح للحجة، وإنما يصلح على الثانية للمتابعة.
وأبوه (^٢) وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو داود والنسائي وأحمد في رواية: ليس به بأس. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات. وقال أحمد في رواية أخرى: في أحاديثه زيادة، ما أدري أي شيءٍ هي، ونفضَ يده.
[ص ١٠] أقول (^٣): فالحديث غير صالح للحجة، ومع ذلك فإن كان مراده بقوله: "وإن طلَّقها ثلاثًا" يعني مجموعةً، فيؤخذ من ذلك أن هذا منسوخٌ، ومن جملة ما نسخ، فقد دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة على بطلان هذا الحديث، بدلالتها على أن ابن عباس لم يكن يعلم ناسخًا، بل صرَّح بأن الحكم بجعل الثلاث واحدةً استمرَّ في عهد النبي - ﵌ - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر.
وفيما تقدم عن سنن أبي داود من فتوى ابن عباس ثم عكرمة بعده بكونها واحدةً، دليلٌ آخر على بطلان هذا الحديث، لأنه مروي من طريق عكرمة عن ابن عباس.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٠٨).
(٢) انظر المصدر السابق (٢/ ٣٧٣، ٣٧٤).
(٣) قبلها في الأصل ورقة من مكان آخر.
[ ١٧ / ٦١٥ ]
وإن كان مراده بقوله: "وإن طلَّقها ثلاثًا" أي متفرقةً، بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، فله شاهدٌ، وهو ما رواه مالك في "الموطأ" (^١) عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان الرجل إذا طلَّق امرأته، ثم ارتجعَها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلَّقها ألفَ مرة، فعَمَدَ رجلٌ إلى امرأته فطلَّقها، حتى إذا شارفَتْ انقضاءَ عدتها راجعها، ثم طلَّقها، ثم قال: لا والله لا أُوْوِيكِ (^٢) إليَّ، ولا تَحِلِّين أبدًا، فأنزل الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاقَ جديدًا من يومئذٍ، من كان طلَّق منهم أو لم يطلِّق".
وذكر أيضًا (^٣) عن ثور بن زيد الدِّيلي: "أن الرجلَ كان يطلق امرأته، ثم يراجعها، ولا حاجةَ له بها، ولا يريدُ إمساكها، كيما تطول بذلك عليها العدة لِيُضارَّها، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يَعِظُهم الله بذلك". (الموطأ هامش المنتقى ج ٥/ص ١٧٥).
وذكره الشافعي عقبَ ما حكيناه عنه سابقًا، فقال (^٤): "فإن قيل: فهل من دليلٍ تقوم به الحجة في ترك أن تُحسَب الثلاث واحدةً في كتاب أو سنة، أو أمرٍ أبين مما ذكرت؟
قيل: نعم، أخبرنا مالك ".
_________________
(١) (٢/ ٥٨٨).
(٢) في "الموطأ": "لا آويك".
(٣) "الموطأ" (٢/ ٥٨٨).
(٤) "الأم" (١٠/ ٢٥٨).
[ ١٧ / ٦١٦ ]
فذكره ثم قال: "وذكر بعض أهل التفسير هذا، فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء".
أقول: روى ابن جرير (^١) مرسل عروة بنحوه عن ابن حميد عن جرير عن هشام به، وعن أبي كريب عن ابن إدريس عن هشام به، وزاد بعد قوله: "ولا تحلين لي": قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، قال: فشكت ذلك إلى النبي - ﵌ -، فأنزل الله " (تفسير ابن جرير ٢/ ٢٥٨).
وأخرج (^٢) عن قتادة وابن زيد نحو هذا المعنى، وأشار إليه الشافعي بقوله: "وذكر بعض أهل التفسير هذا".
وقد أغرب يعلى بن شَبِيب، فروى (^٣) حديث عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة. (جامع الترمذي ج ١/ص ٢٢٤، المستدرك ج ٢/ص ٢٨٠).
ويعلى (^٤) مجهول الحال، وإن ذكره ابن حبان في "الثقات" (^٥)، فإن مذهب ابن حبان أن يذكر في "ثقاته" المجهول الذي روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يكن حديثه منكرًا، كما نص على ذلك في "الثقات" (^٦)،
_________________
(١) "تفسيره" (٤/ ١٢٥، ١٢٦).
(٢) المصدر نفسه (٤/ ١٢٦).
(٣) أخرجه من طريقه الترمذي (١١٩٢) والحاكم (٢/ ٢٧٩، ٢٨٠) كما ذكره المؤلف.
(٤) انظر "تهذيب التهذيب" (١١/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٥) (٧/ ٦٥٢).
(٦) المصدر نفسه (١/ ١٣).
[ ١٧ / ٦١٧ ]