دفعًا لضررٍ أشدَّ يلحق بالمرأة وأطفالها، وبالزوج أيضًا، فقد تكون المرأة وسطًا، ولها أطفال صغار، وليس لها من يقوم بها، ويكون الزوج غير غني، فيحتدُّ فيطلق، ثم يندم لما يلحقه من الضرر، مع ما يلحق الزوجةَ وأطفالَها، فأبقى الله ﷿ له فُسحةً لدفع هذا الضرر.
ولا فرق في حصول هذا الضرر الشديد بالمرأة والأطفال والزوج بين أن يقول: "طلقتك واحدة"، وبين أن يقول: "طلقتك عدد ذرات العالم".
ومن كان له معرفة بأحوال الناس في هذا العصر، وجدَ أن إضرار الرجال بالنساء بأن يطلق أحدهم ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع = نادرٌ جدًّا، بل لعله معدومٌ، والضرر الشديد الذي يلحق النساءَ والأطفالَ والأزواجَ بمنع الرجعة إذا غضب الرجل فطلقها ثلاثًا= كثيرٌ جدًّا، ولاسيَّما في الأقطار التي تقلُّ الرغبة فيها في زواج الثيبات كالهند.
على أن الضرر الأول
_________________
(١) مع خفته يمكن علاجه بالصبر مدةً يسيرةً، والضرر الثاني مع شدته، وتناوله للمرأة والأطفال والزوج لا علاج له. [ص ١٢ مكرر] والتحليل باطلٌ عند جماعة من العلماء، وجائزٌ مع الكراهة الشديدة عند آخرين، وعلى كل حال فهو خبيثٌ شرعًا وطبعًا، ويجرُّ إلى مفاسد شديدة، وأهل التقوى أو الغيرة يُؤثِرون الضررَ الشديد على التحليل. وبالجملة فالضرر الشديد الناجم عن تنفيذ الثلاث محسوسٌ مشاهدٌ بكثرة فاحشة في جميع الأقطار، بل إن الضرر الذي يُخاف من عدم تحديد الطلاق أصلًا، كان يمكن دفعه بأمر الحكام بالتضييق على الأزواج إذا تبين منهم قصد المضارَّة.
[ ١٧ / ٦٢٣ ]
فالقول بأن الآية نزلت لتدفع عن النساء هذا الضرر، ومع ذلك أوقعت عليهن وعلى أطفالهن وأزواجهن ضررًا أشد من ذلك، لا علاج له= فيه ما فيه.
وإذا تأملتَ ذلك علمتَ أنه لو قال قائلٌ: "إن مرسل عروة أقرب إلى موافقة حديث ابن عباس وما معه، منه إلى مخالفته" لما أبعد.
قال الشافعي (^١) ﵀: "فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء".
أقول: هذا كلام موجَّه، يحتمل أنه أراد: لعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث المجموعة والواحدة سواء في معنى الإضرار بالزوجة، فلا وجه للتفريق بينها في الحكم، فقد أبقى الله تعالى بعد النسخ للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم إذا طلَّق فلا رجعة، فسواءً أثَلاثًا طلَّق في المرة الأولى أم واحدةً، وهكذا الثانية، فإن المقصود من النسخ لا يفرق بين ذلك، فعلى هذا تكون له الرجعة.
ويحتمل أن يكون أراد: لعل ابن عباس أجاب على مقتضى ما كان قبل النسخ أن الثلاث والواحدة سواء، إذ لم يكن حدٌّ للطلاق، فإن كان أراد هذا الثاني فقد تقدم جوابه.
ثم قال (^٢): "و[إذا] جعل الله عدد الطلاق على الزوج، وأن يطلق متى شاء، فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه".
_________________
(١) "الأم" (١٠/ ٢٥٨).
(٢) المصدر نفسه.
[ ١٧ / ٦٢٤ ]
أقول: وهذا الكلام كأنه موجّه، فقد يحتمل أن يكون من تتمة تفسير قول ابن عباس على الاحتمال الأول، فيكون شرحه هكذا:
(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) فجعل له أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم إذا طلَّق لم يكن له أن يراجع؛ سدًّا لذريعة الإضرار بالزوجة (و) جعل للزوج (أن يطلق متى شاء) فإذا طلَّق وتركها حتى انقضت العدة بانت منه، وحلَّت لغيره، سواء أواحدةً طلَّق أم ثلاثًا أم أكثر.
وغرض العاقل من الطلاق إنما هو هذا، ولا غرض له في أن يطلقها طلاقًا لا رجعة فيه، بل إنما يحرص العاقل على أن يطلق طلاقًا تمكنه معه الرجعة، أو النكاح بعقدٍ جديدٍ قبل أن ينكحها غيره، لأنه قد يندم، وقد تتضرر الزوجة أو أطفالها بالطلاق، فيكون عليه أن يدفع عنهم الضرر، وهذا هو الغرض المحمود شرعًا وعقلًا، فلم يكن هناك باعثٌ لشرع طلاق يقع مرةً واحدةً، ومع ذلك لا رجعة فيه.
على أنه إن فُرِض غرضٌ فيمكنه تحصيلُه بأن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق. فقد جعل الله له أن يطلق متى شاء، ولم يقل له: إذا طلقت ثم راجعت، لم يجز لك طلاق بعد ذلك.
وعلى هذا (فسواءٌ الثلاثُ والواحدةُ وأكثرُ من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) من حيث هو طلاق يحصل به مقصود العاقل في تخلِّيه عنها، وإحلالها لغيره إذا انقضت عدتها، فإن كانت هذه أول مرة أو الثانية كان له أن يراجعها في العدة، أو يتزوجها بعدها قبل أن تنكح غيرَه، وإن كانت الثالثة لم تحلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره.
[ ١٧ / ٦٢٥ ]
[ص ١٣] ويحتمل أن يكون احتجاجًا من الشافعي على وقوع الثلاث المجموعة ثلاثًا تحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وشرحه على هذا هكذا:
(وجعل الله عدد الطلاق على الزوج) أي إليه (وأن يطلق متى شاء) فله ثلاث طلقات، يوقع منها ما شاء متى شاء، فإن أوقعها دفعة وقعت (فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضى بطلاقه) الذي أوقعه، فإن طلَّق ثلاثًا أو أكثر قضي بثلاث، وإن طلَّق واحدة أو اثنتين قضي بذلك.
فإذا كان مراد الشافعي هو هذا الثاني، فجوابه:
أن الثلاث التي جعلها الله تعالى على الزوج ليست ثلاث طلقات، وإنما هي مرتان، في كل مرة طلاق تعقبه رجعة، والثالثة طلاق تحرم به حتى تنكح زوجًا غيره، كما قدمناه في تفسير الآيات. ومن ادعى أنها ثلاث طلقات يجوز أن تقع معًا، أو تقع اثنتان منها معًا، فعليه البيان.
فإن قال: إن الله لما جعل للزوج أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، كان معقولًا أنه قد جعل الأمر إليه، فإذا كان الأمر إليه وطلق ثلاثًا معًا، فلماذا لا يقع؟
فالجواب:
أولًا: أن هذا قياس يعارض النص، فهو فاسد الاعتبار.
وثانيًا: أن الله تعالى لم يجعل له إذا طلَّق المرة الأولى أو الثانية أن يراجع إلا إذا قصد بالرجعة الإمساك بمعروف.
وثالثًا: أن الطلاق قد يضر بالزوج، وبالمرأة، وبأطفالهما، وبأهليهما،
[ ١٧ / ٦٢٦ ]
فحدَّ الله تعالى له حدودًا تمنع أو تقلِّل هذا الضرر، فلم يجعل له أن يطلق وهي حائض، ولا في طهر قد قاربها فيه، والسر في ذلك
_________________
(١) والله أعلم أن الرجل إذا بعد عهده بالمرأة قوي ميله إليها، فإذا طلَّقها مع ذلك كان الظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، وهذا هو المقتضي للرخصة في الطلاق. وإذا كانت المرأة حائضًا كان محتملًا أن يكون قاربها في الطهر الذي قبل تلك الحيضة، فعهده بها قريب، وقرب العهد يُضعِف الميل، بل ربما أوجب النفرة. وينضم إلى ذلك أن نفس الرجل تنفر من الحائض، إما للأذى، وإما لليأس من مقاربتها، وهذه نفرةٌ عارضةٌ، لا يصح أن يكتفى بها لاستحقاق رخصة الطلاق. وهكذا إذا كانت طاهرًا وقد قاربها في ذلك الطهر، فعهده بها قريبٌ، وقرب العهد يُضعِف الميل، أو يوجب النفرة كما مر. فإذا أراد أن يطلقها وهي طاهرٌ في طهرٍ لم يقاربها فيه، فالظاهر أن رغبته عنها قد استحكمت، ولكن ربما تضعف هذه الرغبة أو تزول إذا ازداد العهد بعدًا. مع أن موجب النفرة قد يكون سببًا عارضًا، من ذنب وقع منها، أو إساءة، وإذا طال العهد غفر الذنب، ونسيت الإساءة، فرخص له أن يطلقها، على أن له أن يراجعها ما دامت في عدتها. فإذا طلَّق كان عليه أن لا يقطع عنها النفقة والسكنى، ومن الحكمة في ذلك والله أعلم أن يبقى باب الصلح مفتوحًا ميسرًا، والغالب أن يكون
[ ١٧ / ٦٢٧ ]
بيتها الذي أمر أن يُسكِنها فيه هو بيته أو قريب منه، وذلك أدعى إلى الصلح، فقد تهيج به الذكرى وهو على فراشه في أثناء العدة، فلا يكون بينه وبينها إلا كشف الستر أو طَرْق الباب، ولعله لو صبر إلى الصبح لفترت رغبته، فلا يراجع، ولعله يبدو له خطؤه في إيقاع الطلاق، ومضرته عليه، ويلومه هذا، وتعذله هذه، ومع ذلك فقد جرَّب الفرقة وجرَّبتها، وذاق كل منهما مرارتها، فإذا وقعت الرجعة، فقد ذاقت هي من الفرقة ما يجعلها تخاف من وقوعها مرةً أخرى، فيدعوها هذا الخوف إلى حسن الطاعة والحرص على رضاه، وتحري ما يوافق هواه، وذاق هو ما يحمله على التأني والتريث في المستقبل، فلا يستعجل بإيقاع الطلاق، مع علم كل منهما بأنهما قد صارا على ثلث الطريق من الفرقة الباتة.
[ص ١٤] فإن لم تعطفه العواطف حتى انقضت العدة، فالظاهر أن النفرة قد استحكمت، ومع ذلك بقي له أن يراجعها، ولكن برضاها، ومهر آخر، وعقد جديد.
فإذا راجع من المرة الأولى، ثم طلَّق مرة أخرى بالشروط السابقة، وشرعت في العدة على الصفة الأولى، كان ذلك أدعى إذا وقعت رجعة أن لا تعصيه بعدُ ولا يطلقها، لعلمهما أنهما على ثلثي الطريق، وأنه إن طلَّقها المرة الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فتخاف هي أن لا يرغب فيها أحدٌ، وإن رغب فيها فلعله يسيء عشرتها، ويظلمها ويمسكها على البؤس والشقاء، ويخاف هو إن طلَّقها أن تتبعها نفسه كما تبعتْها المرتين الأوليين، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا، إذ لعلها لا تتزوج بعده، وإن تزوجت فلعل الزوج الجديد يكون أسعد بها، وأحرص عليها، وإن فارقها هذا الزوج
[ ١٧ / ٦٢٨ ]