والتسريح: أن يدعها حتى تمضي عدتها".
وعلى كل حال فهم متفقون أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أراد به الثالثة، سواء من قال: إنه لم يتقدم لها ذكر، ومن قال: بل قد تقدم.
وهكذا ما روي عن ابن عباس ــ وإن لم يصح ــ من قوله: "إن طلَّقها ثلاثًا"، فإنه إنما أراد الثلاث التي تقدمت، وهي المرتان اللتان (^١) راجع بعد كل منهما، والتسريح.
هكذا يجب أن يُفهم، فإنه إن فُهِم على معنى: إن طلَّقها ثلاثًا دفعة واحدة، كان على خلاف سياق القرآن، وخلاف ما عليه سائر المفسرين.
[منتصف ص ٤] وقوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لماذا عُدِل به عن "طلقتان"؟
عنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن يقال: إنما عُدِل عنه؛ لأن تكرار الحروف يوجب ثقلًا في اللفظ.
وليس هذا الجواب بشيءٍ؛ لأن التكرار هنا لا يوجب ثقلًا يعتدُّ به. وقد وقع في القرآن كثيرًا ما هو مثله، أو أدخلُ منه في شبهة الثقل، مثل ﴿مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾، ﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾، وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾، اجتمعت فيها سبع ميمات.
_________________
(١) في الأصل: "اللتين".
[ ١٧ / ٥٩٦ ]
الثاني: ما قاله الجصاص في "أحكام القرآن" وغيره: أنه عُدِل عن "طلقتان" للدلالة على وجوب تفريق الطلاق، إما بأن يطلق واحدةً يقتصر عليها، ولا يطلق أخرى إلا إذا راجع بعد الأولى، وإما بأن يطلق عند كل طهر واحدةً، قولان لأهل العلم.
قالوا: فقوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ دلالة على ذلك.
قال الجصاص: "وذلك يقتضي التفريق لا محالة؛ لأنه لو طلَّق اثنتين معًا لما جاز أن يقال: طلَّقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع" (أحكام القرآن ج ١/ ص ٣٧٨).
بل في الطلاق نفسه لو قال قائلٌ: إن فلانًا طلَّق زوجته اليوم مرتين، لفُهِم منه التفريق، ولم يفهم منه أنه قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق أنت طالق.
ومع ذلك ففي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه كان الظاهر أن يقال: "ثلاث مرات"، فلماذا قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾، ثم ذكر الطلقة الثالثة بعدُ؟
ولأن التفريق يصدق بما لو طلَّقها طلقةً، ثم بعد ساعة طلَّقها أخرى بدون تخلل رجعة، فلو أريد تفريق مخصوص، لكان الظاهر أن يقام عليه دليلٌ.
نعم، من قال: إن السنة أن يطلق طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن راجعها في العدة ثم بدا له أن يطلق، فليطلق مرة أخرى، فله أن يجيب بأن المراد بـ ﴿مَرَّتَانِ﴾ طلاقان يعقب كلًا منهما رجعة، وهذا لا يكون ثلاثًا، وبأن في الآية دليلًا على هذا التفريق بخصوصه، وهو قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ
[ ١٧ / ٥٩٧ ]
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ بناءً على تفسير الإمساك بالرجعة، والتسريح بعدمها.
وفيه: أن ذلك إنما يتم لو كان المعنى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان بعد كل مرة، وهذا محتمل فيما حكاه ابن جرير عن الضحاك (^١) [ص ٥] قال: "يعني: تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يُمسِك أو يُسرِّح بإحسان، قال: فإن هو طلَّقها ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وقد فسره ابن جرير بقوله: "وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف أو تسريح لهن بإحسان" (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٦٠) (^٢).
أقول: ولفظ السدي (^٣): "إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك ــ ويُمسك: يراجع بمعروف ــ، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها، فتكون أحقَّ بنفسها".
وقوله: "واحدة أو اثنتين" أراد به على ما فهمه ابن جرير: الأولى أو الثانية، ولم يرد اثنتين لم تتخللهما رجعة.
ولكن ابن جرير رد هذا القول بحديث رواه، كما سيأتي.
_________________
(١) (٤/ ١٣٢).
(٢) (٤/ ١٣٢).
(٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٢).
[ ١٧ / ٥٩٨ ]
وأقول: إن فيه بعدًا من جهة أن الظاهر في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أنه بعد المرتين كما تقتضيه الفاء.
الجواب الثالث: أنه إنما لم يقل: "طلقتان" إشعارًا بأنه لو قال: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو قال: طلقتك ثلاثًا، أو ألفًا، أو عدد ذرات العالم، كان هذا كله مرةً واحدةً، كما تقول: ضرب فلانٌ عبده اليوم مرتين، فيصدق بما لو ضربه كل مرة من المرتين ضربةً، أو ضربتين، أو ضربات.
ويحتج لهذا القول بأن الآية نزلت لإبطال ما سبق من تكرر الطلاق مع تكرر الرجعة مرارًا لا حدَّ لها، [إذ] كان لأحدهم أن يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، ثم يقول: أنت طالق ألفًا ثم يراجعها، وهكذا مرارًا لا حدَّ لها.
فقيل لهم: إن الطلاق الذي تعقبه الرجعة مرتان، لا مِرارٌ لا حدَّ لها، فالمرة الواحدة هي طلاق تعقبه رجعة، مع صرف النظر عن ذلك الطلاق أطلقةً كان أم ألفًا (^١).
وهذا جوابٌ جيد، لكنه لا يأتي إلا على قول الظاهرية والزيدية وعامة الشيعة ومن وافقهم: إن الطلاق الثلاث الذي يحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، إنما هو طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق يتبعه رجعة، ثم طلاق. فأما أن يقول: طلقتك ألفًا، أو يكرر لفظ الطلاق في كلامٍ واحدٍ، أو يطلق مرارًا كثيرةً لم تتخللها رجعة، فهذا كله مرةٌ واحدةٌ.
_________________
(١) كتب المؤلف هنا: "ملحق". ويقصد به الكلام الآتي.
[ ١٧ / ٥٩٩ ]
ويحتجون بالآية، والإنصاف أن ظاهرها معهم، فإنها أثبتت أن للرجل أن يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ولم تحدّد الطلاق الواقع كل مرة.
ويحتجون بالآية الرابعة من آيات البقرة، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ والإمساك هنا الرجعة اتفاقًا، قالوا: فأثبت لهم الرجعة بعد الطلاق، ولم يحدد الطلاق بحدّ، فهو صادق بأن يقول: طلقتك، وأن يقول: طلقتك وطلقتك وطلقتك، أو طلقتك ألفًا، أو عدد ذرات العالم، ولا حدَّدتْه بأنه أول طلاق، ولا أنه طلاق قد تقدمه طلاق ورجعة.
فإن قيل: إنك قد قدمت استظهار أن هذه الآية متقدمة على قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾!
قلت: نعم، ولكن لهم أن يقولوا: إن آيتي ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أقرت الآية الرابعة على هذا المعنى، ووافقتها عليه ــ كما تقدم ــ وإنما خالفتها في المرة الثالثة.
[ص ٥ مكرر] ويحتجون أيضًا بآيات سورة الطلاق، والكلام فيها كالكلام في الآية الرابعة من آيات البقرة سواء.
واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
أخرج أبو داود بسندٍ صحيحٍ كما في الفتح (^١) عن مجاهد قال: "كنت
_________________
(١) (٩/ ٣٦٢). والأثر عند أبي داود (٢١٩٧).
[ ١٧ / ٦٠٠ ]
عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردُّها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأُحموقةَ، ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيتَ ربك، وبانتْ منك امرأتك".
ويجاب عن هذا بأن هذه الجملة وردت بعد أوامر ونواهي ليس فيها النهي عن جمع الطلاق، على أن من جملة الأوامر الطلاق للعدة، ومعلوم أن من طلَّق واحدة لغير العدة لا تبين منه امرأته إجماعًا.
فهذا يدل أن المخرج في الآية ليس في خصوص عدم البينونة، فمن لم يتق الله فطلق لغير العدة، ضيَّقَ الله تعالى عليه بوجوب الرجعة، ومن لم يتق الله فقال: هي طالقٌ ثلاثًا، أو ألفًا، يُضيِّق الله عليه بأن لا تقع إلا واحدة، فإن وافق ذلك هواه ضيَّق الله عليه من جهة أخرى، كأن يوقع الخلاف بينه وبين امرأته، فيضطر إلى مفارقتها، أو يعيش معها في نَكَدٍ، أو غير ذلك.
على أننا قد قدمنا أن الظاهر أن هذه الآيات نزلت قبل النسخ، وعليه فهذه الآية تشير إلى ما تقدم قبلها في الآية ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
فكأنه قال: إن اتقيتم الله تعالى فلم تراجعوا المطلقات إلا بمعروف، جعل الله لكم مخرجًا بأن يستمر الحكم بعدم تحديد الطلاق، وإن لم تتقوا بل أخذتم تراجعون ضرارًا، فسيضيِّق الله تعالى عليكم.
[ ١٧ / ٦٠١ ]
وقد وقع هذا الوعيد، فإنهم لما أخذوا يراجعون ضرارًا، كما في مرسل عروة، ضيَّق الله عليهم بتحديد الطلاق، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بهذه المسألة من كتاب الله ﷿، فلننظر الآن ما يتعلق بها من السُّنَّة.
[ ١٧ / ٦٠٢ ]