الجديد فلا ترجع إلى الأول إلا بعقد جديد، ومهر جديد، ثم ترجع إليه بعد أن ذاقت عسيلة غيره، وعرفت ما عرفت، إلى غير ذلك.
فإذا علمتَ ما تقدم، فاعلم أن الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وأنه لا يُحِلُّ لهم أن يضروا بأنفسهم فضلًا عن غيرهم، فكيف يجعل لأحدهم أن يطلق زوجته ابتداءً طلاقًا يحرمها عليه البتة حتى تنكح زوجًا غيره؟!
مع العلم بأن نظر الإنسان قاصرٌ، فقد يظن أنه لم يبق له إليها حاجة، وأنها قد استحكمت نفرته منها، وأن لا ضرر عليه في بينونتها منه، ويكون مخطئًا يتبين له خطؤه بعد ساعة، كما هو مشاهدٌ بكثرة فاحشة في هذه الأزمان.
فإن قلت: عليك فيما أطلتَ به مناقشاتٌ:
الأولى: أنك جعلت العلة في النهي عن الطلاق في حيضٍ أو طهر قاربها فيه = هي أن تلك مظنة لضعف ميله عنها، فلعله يطلق عن غير نفرة مستحكمة. والشافعي لا يقول بهذا، بل يقول: إن في طلاقها حائضًا إضرارًا بها لطول العدة، وفي طلاقها في طهر قاربها فيه استعجالًا، إذ لعلها تكون قد علقت منه، فيندم على الطلاق.
الثانية: أنه إذا سُلِّم لك ما قلت، قيل لك: فإن الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه يقع مع ما فيه من خوف أن لا تكون النفرة قد استحكمت، فكذلك نقول نحن: إن طلاق الثلاث دفعةً يقع وإن خيف فيه ذلك.
الثالثة: أن الغضب مظنة عروض النفرة، ولعلها تزول بعد ذلك بسرعة، ومع ذلك يقع فيه الطلاق، فهكذا القول في جمع الثلاث.
[ ١٧ / ٦٢٩ ]
الرابعة: أنك جعلت العلة في وجوب النفقة والسكنى للمعتدة هي تيسير سبيل الصلح بالمراجعة، وهذا لا يأتى في المرة الثالثة.
فالجواب عن الأولى: أن الصواب
_________________
(١) إن شاء الله ما قلته، فإن تحريم الطلاق في الحيض يتناول اللحظة الأخيرة منه، وأي ضرر عليها بلحظة تزيد في عدتها؟ وقد التزم الشافعي ﵀ أنها لو رضيت بالطلاق وهي حائض لم يحرم لرضاها بالضرر، وهذا مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فعمَّ من لم ترضَ ومن رضيتْ. ومخالف لعموم السنة، فإن النبي - ﵌ - لما أخبر بأن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، أنكر ذلك ولم يستفصل: أرضيتْ أم لم ترضَ. وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى ووافقه الناس: "إن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال". ومخالف لما فهمه الصحابة ﵃، فإن عبد الرحمن بن عوف سألته امرأته الطلاق فقال لها: "إذا طهُرتِ فآذنيني". [ص ١٥] والعلة التي تعود على النص بالتخصيص قد أبطلها قوم، ومَن قَبِلها فإنما يقبلها إذا لم توجد علة أخرى سالمة من ذلك. والشافعي رحمه الله تعالى جعل العلة في الحيض شيئًا، وفي الطهر الذي قاربها فيه شيئًا آخر، والعلة التي ذكرتها أنا واحدة لهما معًا، فهي أولى. على أن العلة التي جعلها لتحريم الطلاق في طهر جامعها فيه، تكاد تكون هي العلة التي ذكرتها أنا، بل هي هي، فإن الشافعي رحمه الله تعالى لم
[ ١٧ / ٦٣٠ ]
ينظر إلى لحوق الضرر بالحمل خاصة، بل ولا نظر إليه الشارع، فإنه يحل طلاق الحامل وقد تبين حملها، فبالأولى من احتمل أنها قد علقت.
فالظاهر أن الشافعي إنما نظر إلى استحكام النفرة وعدمه، فرأى أنه إذا طلَّقها في طهر قد قاربها فيه، فربما لم تكن النفرة قد استحكمت، فلعله لو صبر حتى يجيء إبان حيضها ولم تحض ظن أن تكون حاملًا، فهنالك إن أراد أن يطلق كان له ذلك، لأن الظاهر استحكام النفرة، فإذا ثبت أن العلة في أحد الشِّقين هي كونه مظنة نفرة غير مستحكمة، فلتكن هي العلة في الشِّقين معًا.
والجواب عن الثانية: أن الطلاق في حيض أو طهر قاربها فيه غير مجمع على وقوعه، فإذا قلنا بالوقوع فلا يقاس عليه الطلاق المجموع.
أولًا: لأنه قياس يعارض النص، فهو ساقط الاعتبار.
ثانيًا: لأن الخطر في إيقاع الطلاق المجموع أشد منه في إيقاع الطلاق في حيضٍ أو طهرٍ قاربها فيه؛ لأن هذا إن كان المرة الأولى أو الثانية فقد بقي له حق الرجعة، وإن كان في المرة الثالثة فقد أشعر وقوع الطلاق مرتين قبلها ثم وقوعها باستحكام النفرة.
على أن ما احتج به من أجاز الطلاق في الحيض مورده الطلقة الأولى، والله أعلم.
وأما الثالثة: فطلاق الغضبان غير مجمع على إجازته، وإذا قلنا بإجازته، فقد علم الجواب مما مر.
وأما الرابعة: فوجوب النفقة والسكنى للمبتوتة مختلفٌ فيه، والحجة مع من ينفيه.
[ ١٧ / ٦٣١ ]
قال الشافعي (^١) رحمه الله تعالى: "وحكم الله تعالى في الطلاق أنه ﴿مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني ــ والله أعلم ــ الثلاث، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره".
أقول: أما الآية فمخالفك أسعد بها، كما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ المراد به المرة الثالثة، أي بعد مرتين قد عقبتْ كلًّا منها الرجعة، هذا ظاهر القرآن، ومقتضى سياقه، وقد تقدم تحقيق ذلك، فانهدم ما بنيتَه.
قال (^٢) ﵀: "وجَعْلُ حكمِه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث، وجعل الطلاق إلى زوجها، فطلقها ثلاثًا مجموعةً أو مفرقة، حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجًا غيره، كما كانوا مملكين عتق رقيقهم، فإن أعتق واحدًا أو مائةً في كلمة لزمه ذلك، كما يلزمه كلها، جمع الكلام فيه أو فرَّقه، مثل قوله لنسوةٍ له: أنتن طوالق، ووالله لا أقربكن، وأنتن علي كظهر أمي. وقوله: لفلان عليّ كذا، ولفلان عليّ كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام، فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه".
أقول: يظهر من هذا الكلام أنه ﵀ ظن أن الثلاث التي ذكر ابن
_________________
(١) "الأم" (١٠/ ٢٥٨).
(٢) بعد الكلام السابق مباشرة.
[ ١٧ / ٦٣٢ ]
عباس أنها كانت تُجعل واحدةً إنما هي الثلاث الواقعة في كلامٍ واحدٍ، حتى لو طلَّق، ثم بعد ساعة طلَّق، ثم بعد أخرى طلَّق، لم يكن هذا من ذاك، بل تكون ثلاثًا حتمًا. وهذا وهمٌ، وإنما المراد الثلاث التي توقع بدون تخلل رجعة، وقائل هذا يقول: إنما جعل الله إلى الزوج الطلاق مرةً واحدةً، فإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق مرة ثانية، وإذا طلَّق وراجع كان له الطلاق المرة الثالثة، كما دل عليه القرآن، وتقدم بيانه.
[ص ١٦] وعليه، فليس هذا بنظير للفروع التي ذكرها، فعتقُه مائة رقيقٍ بكلمة واحدة أو بكلمات متصلة لا شبهة في صحته؛ لأنَّ له في تلك الحال عتقهم جميعهم، ولا كذلك الطلاق، وإنما نظيره أن يطلق زوجته ونساءً غيرها، ثم قال بعد ذلك: إني طلقت هؤلاء النساء مع امرأتي، فلا يحللن لي، فكما يقال هنا: إنك لم تكن تملك طلاقهن، وإنما كان يمكن أن تملكه بزواجهن، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلم يقع فيه شيءٌ، فكذلك يقال هنا: إنك لا تملك من طلاق زوجتك إلا مرةً واحدةً، وإنما كان يمكن أن تملك الثانية بمراجعتك من الأولى، وكان يمكن أن تملك الثالثة بمراجعتك من الثانية، وهذا مفروض لا واقعٌ، فلا يقع به شيءٌ.
وهكذا لو كان قد طلَّق زوجته وراجعها مرتين، ثم [قال]: هي طالق اثنتين، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن لا أتمكن من نكاحها بعقد جديد، فهكذا من يطلق ثلاثًا، إذا قيل له: إن واحدة تكفي. قال: أردت أن لا أتمكن من مراجعتها.
فإن قيل: وكيف تقيس الرجعة على النكاح؟
قلت: لأن كلا منهما عقد تحلُّ به المرأة لمن كانت حرامًا عليه، وقد
[ ١٧ / ٦٣٣ ]