وأوضحه ابن حجر (^١) وغيره. انظر "فتح المغيث" (^٢).
وكذلك لا ينفعه إخراج الحاكم له في "المستدرك"؛ لما علم من تساهله.
[ص ١١] نعم، إن مرسل عروة اعتضد، ولكنه لا علاقة له بمسألتنا، والكلام الآن في مقامين:
الأول: فيما ظنه بعضهم أن هذا المرسل وعواضده يدل على نسخ ما تضمنته أحاديث جعل الثلاث واحدة، والظاهر من كلامهم تجويز أن ابن عباس إنما عنى بقوله: "إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد النبي - ﵌ - " بيانَ ما ذكره عروة بقوله: "كان الرجل إذا طلَّق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلَّقها ألف مرة".
فاعلم أن قوله: "كانت الثلاث تُجعل واحدة" يُشعِر بأن هذا في وقت كان للطلاق فيه حد معين، والحالة التي ذكرها عروة لم يكن فيها حسابٌ أصلًا، فلم يكن للحكم تعلق بأن يقال: طلَّق واحدة، طلَّق ثنتين، طلَّق ثلاثًا، وإنما كان المعتبر الطلاق من حيث هو طلاق، إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع في العدة رجعت، وكأنه لم يُطلق، ثم إن طلَّق وانقضت العدة بانت، وإن راجع فيها رجعت وكأنه لم يُطلق، وهكذا أبدًا، فكان الطلاق بمنزلة العتق، فلو فُرِض أن الرجل إذا أعتق عبده كان له أن يرجع عن العتق إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، وإذا أعتق ثالثًا فهكذا، وهكذا أبدًا،
_________________
(١) "لسان الميزان" (١/ ٢٠٩).
(٢) "فتح المغيث" (٢/ ٤٥).
[ ١٧ / ٦١٨ ]
ففي هذه الحال لا يكون باعث للسيد أن يقول لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، أو أربعًا، أو غير ذلك، ولا يكون وجهٌ لأن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدةً، أو حُسِبت بواحدة، فتدبر.
وإنما يأتي هذا لو كان الحكم أن من أعتق عبده كان له أن يرجع إلى شهر مثلًا، ثم إذا أعتق ثانيًا فهكذا، فإذا أعتق ثالثًا لم يكن له الرجوع.
ففي هذا يمكن أن يقول بعض الناس لمملوكه: أعتقتك ثلاثًا، إما على وجه التوكيد، كأنه يقول: أعتقتك وعزمتُ على نفسي أن لا أرجع، كما لا يرجع من أعتق ثم رجع ثم أعتق ثم رجع ثم أعتق، وإما لظنه (^١) ــ خطأً أو صوابًا ــ أنه إذا قال ذلك، كان كأنه قد أعتقه ورجع، ثم أعتقه ورجع، ثم أعتقه. وههنا يصح أن يقال: إذا قال: أعتقتك ثلاثًا جُعِلت واحدة.
وإذا فرضنا أن الحكم كان على هذا برهةً، ثم غُيِّر إلى أن من قال: أعتقتك ثلاثًا لم يكن له الرجوع، فحينئذٍ يليق أن يقول من يخبر عن الحكم السابق: "إنما كانت الإعتاقات الثلاث تجعل واحدة".
هذا وأنت خبيرٌ أن الحالة الأولى في مرسل عروة نُسِختْ نسخًا قطعيًّا بصريح القرآن، وكان النسخ بعد قدوم النبي - ﵌ - بمدةٍ لا أراها تتجاوز ثلاث سنين، وانتشر ذلك في الصحابة انتشارًا تامًّا، وقضى به النبي - ﵌ -، وعلمه الصحابة، واستقبل الناس الطلاقَ من يومئذٍ جديدًا، كما قال عروة، وقالت امرأة رفاعة (^٢): "إن زوجي طلقني فبتَّ طلاقي".
_________________
(١) في الأصل: "على لظنه".
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٠)، ومسلم (١٤٣٣) من حديث عائشة.
[ ١٧ / ٦١٩ ]
وفي حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح (^١): "فانطلق خالد بن الوليد في نفرٍ، فأتوا رسول الله - ﵌ - في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلَّق امرأته ثلاثًا".وقالت في رواية أخرى (^٢): "وأتيت رسول الله - ﵌ - فقال: "كم طلَّقَك؟ " قلت: ثلاثًا". وفيه في رواية ثالثة (^٣): "وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لكِ نفقةٌ إلا أن تكوني حاملًا" أي لأجل تمام الثلاث.
بل إن هذا الحكم انتشر حتى عرفه المشركون، كما قد يؤخذ من قول الأعشى، أنشده الشافعي وغيره (^٤):
أيا جارتا بِيني فإنكِ طالقه وموموقةٌ ما كنتِ فينا ووامقَهْ
أجارتَنا بِيني فإنك طالقه كذاك أمورُ الناس غادٍ وطارقَهْ
وبِيني فإن البينَ خيرٌ من العصا وأن لا تزالي فوق رأسِكِ بارقه
حبستُكِ حتى لامَني كل صاحب وخفتُ بأن تأتِي لديَّ ببائقه
(الأم ج ٣/ ص ٢٣٣).
[ص ١٢] فذِكْره الطلاق مرتين، ثم قوله في الثالثة: "وبِيني"، واقتصاره على ذلك ظاهر في أن الحكم قد كان بلغه في الجملة، [ووقع له ما وقع]
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٤٨٠/ ٣٨).
(٢) المصدر نفسه (١٤٨٠/ ٤٨).
(٣) المصدر نفسه (١٤٨٠/ ٤١).
(٤) الأبيات في ديوان الأعشى (ص ٣١٣) و"الأم" (١٠/ ٢١٥) في "اختلاف الحديث".
[ ١٧ / ٦٢٠ ]