وأقصد بذلك المرحلة التي تسبق الحكم بخطأ الشيء:
١- التحري والتبين والتثبت من الخبر:
وقد أمرنا الله - تعالى - بضرورة التبين والتثبت من الأخبار لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات (٦) . ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ النساء (٩٤) .
ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ الإسراء (٣٦)
ولقوله ﷺ: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (١) .
وقد ذكر الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في كتابه رياض الصالحين باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه حديثا عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٢) .
_________________
(١) مسلم ١ / ١٠ (٥)؛ كتاب الجمع بين الصحيحين للموصلي تحقيق د. علي حسين البواب ٢ / ٣٤٠.
(٢) مسلم:المقدمة ١ / ٩، كتاب الجمع بين الصحيحين السابق، ج٢، ص٣٤١.
[ ٧ ]
ومن التثبت طلب سند الكلام؛ أي تقول للناقل: من أخبرك بهذا الكلام؟ أو ما مستندك؟ وهذه الخصيصة من أهم خصائص أمة محمد ﷺ، فتجدها في العلاقات الاجتماعية بين الناس، وتجدها في طلب العلم بكل فنونه، فهم على سبيل المثال لا يقبلون قول أي إنسان في علم الحديث ما لم يعرف عند علماء الرجال وهذا نوع من التثبت والتحقق.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى:" الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء فإذا قيل له من حدثك بقي " (١) أي اتضح وانكشف.
٢ - معرفة حال الناقل:
وهنا يتأتى وزن ناقل الخبر من حيث القبول أو الرد، ومن ذلك الصدق والعدالة والضبط والإتقان والأمانة والاحتياط من مرض التحاسد بين الأقران والمعاصرين، وفي ذلك يقول الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة عفان الصفار: (كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه) (٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم.
(٢) ميزان الاعتدال (ج٣، ص ٨١) انظر: فقه التعامل مع الأخطاء، د. عبد الرحمن مدخلي، ص ٣٣- ٣٩.
[ ٨ ]
وكما مر معنا في النقطة السابقة فإن معرفة حال الناقل ضرورة لا بد منها في تلقي الأخبار سواء الشرعية وهي الأصل والأهم، أو حتى الأخبار الاجتماعية التي تدور داخل المجتمعات؛ وذلك لأن المعرفة التامة بحال القائلين تخرج - بإذن الله تعالى- أولئك الكاذبين المرجفين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات (٦) . كذلك من معرفة حال الناقل ومعرفة ظروفه المحيطة سواء النفسية الداخلية أو الخارجية فربما يكون سبب نقل هذه المعلومة الخاطئة من هذا الثقة أمرًا خارجًا عن إرادته وأهليته قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ النحل (١٠٦) . ولا أريد أن أطيل كثيرًا لعل الصورة وضحت، ولكن المهم هنا معرفة حال الناقل سواء كان فردًا أو جماعة معرفة تامة.
٣- عرض هذا الأمر على الأصول:
[ ٩ ]
الخطوة الثانية - بعد التثبت أن هذا الأمر حصل فعلًا - ينبغي عرض هذا الأمر الذي أرى أنه خطأ على الأصول (كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ) بالفهم النبوي الشريف وفهم الصحابة الكرام، فإنه سوف يتضح هذا الأمر فإن كان صحيحًا أقر وإن كان خطأ رفض أو صُحح.
يقول ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ النساء (٥٩) . والرد إلى لله - تعالى - هو الردُّ لكتابه الكريم، والرد للرسول ﷺ هو الرد لسنته المطهرة ﷺ.
ومن لوازم معرفة الأصول المعرفة الصحيحة العرض على العلماء لأنهم (ورثة الأنبياء)، وهم أهل الذكر الذين أمرنا الله - تعالى - بسؤالهم لقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النحل (٤٣) وبالتالي يتضح الأمر جليًا بإذن الله تعالى.
٤- الروية وعدم التسرع في الحكم:
[ ١٠ ]
ينبغي عدم التسرع في إطلاق الأحكام على الناس حتى نرى الحقيقة جلية ونسلك المسالك الشرعية في معالجة الأخطاء، ولا نتعجل النتائج فقد دعا الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - أقوامهم سنين طويلة، وذلك لأن التسرع في إطلاق الأحكام وبخاصة غير المحببة ربما يكون فيه ظلمٌ وتعدٍّ على الآخرين؛ لأن بناء الحكم ينبغي له التأني والمرور بخطوات سابقة تجعلك بإذن الله - تعالى - قوي الموقف في هذه القضية، حتى وإن كان هذا القائل كافرا، يقول شيخ الإسلام: " والظلم محرم في كل حال فلا يحل لأحد أن يظلم أحدًا ولو كان كافرا " (١) .
٥- معرفة حال الفاعل وظروفه:
ومن ذلك أن يسأل الشخص المقصود بالأمر بما وصل إلينا عنه، ويأخذ رأيه، ويقول له: يا فلان، وصلنا عنكم كذا ولم نصدق، فنحن نعرف منهجكم ونعرف فضلكم في سبيل الخير، وكل ذلك بلين ورحمة وتواضع وابتسامة، قال - تعالى - في رسوله ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران (١٥٩) .
_________________
(١) الفتاوى، ج١٩، ص: ٤٤٠.
[ ١١ ]
وهذا منهج سلوكي يجب أن نتبعه ما دمنا مسلمين متابعين لرسول الله ﷺ، فإنه بعد ذلك سوف يوضح لك هذا الشخص وجهة نظره ورؤيته للأمر، أو ينفي علاقته بتلك المخالفة، أو حتى يقلع عن المخالفة فورًا بلا حوار، فلعل الرجل لديه شبهة أو قرأ فكرة منحرفة خدشت سلوكه ومبادئه، أو طرأ عليه طارئ لا تعلمه فوق استطاعته كان سببًا فيما سمعتَ أو نُقل إليك من خلاف عنه، وفي قصة حاطب - ﵁ - عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخطة الرسول ﷺ: (وهذا فعل خطير)، وأراد عمر - ﵁ - قتله لأنه رأى أن هذا العمل نفاق، ولكن الرسول ﷺ قال لحاطب: «ما هذا يا حاطب؟)، قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش ولم أكن من أنفَسِهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدًا يحمون قرابتي. وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، فقال النبي ﷺ: (إنه قد صدقكم)، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه. فقال ﷺ: إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل
[ ١٢ ]
الله - ﷿ - اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١) .
إذًا لا بد من معرفة رأي المخالف ومعرفة تصوره حتى يكون حوارنا على أسس سليمة ومتينة.
_________________
(١) صحيح البخاري عناية الشيخ محمد علي القطب والشيخ هشام البخاري ج٣، ومختصر صحيح مسلم للمنذري في فضائل الصحابة ﵃ (١٧٢٠) بلفظ أقرب جدًّا.
[ ١٣ ]