كان ابن قدامة (صاحب المغني) إذا أراد أن يناظر أحدًا تبسَّم في وجهه.
وكان أحد العلماء يقول: هذا والله يقتل الناس بتبسمه.
يقول المتنبي:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحرِّ الذي يحفظ اليدا
والمعنى: أن التبسم والأريحية والهدوء يمتص حماس الخصم، وقد يكون سببًا في منازلته لك بالإنصات والتقدير، وبالتالي بإزالة الخلاف بحول الله.
وهذا هو المنهج القرآني الكريم، فإن الله - تعالى - في نداءات كثيرة يقول عن اليهود والنصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهو منهج الرسول ﷺ - كما مر معنا - في حواره ﷺ مع عتبة بن ربيعة المشرك، فإن النبي ﷺ تجنب النيل من شخصه وعرضه، بل على العكس كنَّاه فقال له: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟»، كذلك عندما أخبر ﷺ سعد بن معاذ - ﵁ - عن الكلام الآثم من ذلك المنافق (عبد الله بن أبي بن سلول) فإنه ﷺ - مع الأذى من ذلك المنافق - إلا أنه ﷺ كناه بأبي الحباب.
[ ٥١ ]
ولكن حتى يكون طرحنا صحيحًا موافقًا للكتاب والسنة، فإنه إذا تجاوز الأمر حده وبلغ السيل منتهاه، وأصبح من المصلحة الشرعية النيل من هذا الشخص السيئ المتعدي الطاغي، فإنه يُنال منه ويُنصر دين الله ﷿، وهذا - أيضًا - منهج قرآني كريم، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد (١)، فإن الله - تعالى - ذكره باسمه وأهانه.
[ ٥٢ ]