إن الحديث عن الله ﷿ وعن نبيه ﷺ ينبغي أن يحاط بسياج من الأدب الرفيع، يتحرى فيه المرء دقائق ألفاظه وسياق مفردات كلامه وتراكيبه؛ قال تعالى:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١)، وقال ﷿: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).
وأمرنا ﷿ أن نفرق بين الحديث المتعلق بالنبي ﷺ والحديث المتعلق بمن حولنا من الناس، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٤).
وتوعد الله ﷿ من يتجرأ على أذية الله ﷾ أو أذية نبيه ﷺ؛ فقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٥).
ولقد فوجئت بالعديد من التعبيرات التي استخدمها د. علي جمعة، مخالفًا ما يجب أن يلتزم به المرء في هذا المقام العظيم، مقام التحدث عن الله ﷻ، وعن نبيه محمد ﷺ، إما بالإفراط وإما بالتفريط، ومن ذلك:
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية ٢.
(٢) سورة الحديد، الآية ١٦.
(٣) سورة النور، الآية ٦٣.
(٤) سورة الحجرات، الآية ٢.
(٥) سورة الأحزاب، الآية ٥٧.
[ ١٦٧ ]
* يورد د. علي جمعة بعض أشعار الفجار التي تسيء الأدب مع الله جل وعلا، ولكن في هذا العصر الذي علا فيه صوت الشعراء الفجار، يعلق د. علي جمعة على هذا الشعر الفاجر بأسلوب سلس لين رغم ما فيه؛ فيقول د. علي جمعة: "قال بعض الظرفاء:
إلهي ليس للعشاق ذنب لأنك أنت تبلو العاشقين
فتخلق كل ذي وجه جميل به تسبي قلوب الناظرين
وتأمرنا بغض الطرف عنهم كأنك ما خلقت لنا عيونا
فكيف نغض يا مولانا طرفا إذا كان الجمال نراه دينا
وقال آخر:
خلقت الجمال لنا فتنة وقلت لنا: يا عباد اتقون
وأنت جميل تحب الجمال فكيف عبادك لا يعشقون
فرد عليهم الشيخ التقي الأمين السوداني فقال:
خلقت الجمال لنا نعمة وقلت لنا: يا عبادِ اتقون
وإن الجمال تُقىً والتُّقى جمال ولكن لمن يفقهون
فذوق الجمال يصفي النفوس ويحبو العيونَ سمو العيون
وإن التقى هاهنا في القلوب وما زال أهل التقى يعشقون
ومن خامر الطهر أخلاقه تأبّى الصغار وعاف المجون
وربي جميل يحب الجمال جمال التقى يا جميل العيون
[ ١٦٨ ]
وهذا الجدل يظهر كثيرًا من النماذج المعرفية بين المتقين وغيرهم" (١).
* وفي استخدام تعبير يدل على وصف الإنسان ببعض خصائص الله جل وعلا يقول: "إذا تعلق قلبك بالله صرت عبدًا ربانيًا تقول للشيء كن فيكون؛ لأنك سوف تقبض إرادتك فتصير بإرادة الله راضيًا" (٢).
* أما ما يسميه السُّكْر في حب الله فيقول عنه: "ألا يرى نفسه، يسمون هذه الحالة السكر، سكر بالخمرة الأزلية في حب الله، يعني لا يرى إلا الله فقط" (٣).
* ويلقي بالكلمات الغامضة التي تحمل ظلالًا من الغلو فيقول: "والنبي ﷺ وهو الأسوة الحسنة وغاية المراد من رب العباد وهو المصطفى الكريم" (٤)، ويقول: "كلما ذكر المؤمن ربه كثيرًا كلما احتاج إلى نبيه ﷺ، فهو إنسان عين الموحدين في الحضرة القدسية" (٥) ويقول: "ليس هناك ما يمنع أن يكون النبي ﷺ أول الأنوار التي خلقها الله ﷾، وفاضت منه الأنوار إلى البشرية في عالم الروح" (٦).
* وفي مخالفة صريحة لكتاب الله ﷿ يقول د. علي جمعة: "فإذا قال قائل: إنه يعطي الكافر؟ نعم، فهو يحبه ويحب هدايته، لكنه إذا استمر كافرًا حتى يموت على كفره فهو الذي ضيع نفسه" (٧) مع أن الله جل وعلا يقول:
_________________
(١) مقال في جريدة الأهرام، بعنوان: العفاف الظاهر، بتاريخ ١٢ - ١ - ٢٠٠٩.
(٢) كتاب سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين، ص ١٥٨.
(٣) كتاب سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين، ص ١٧٦.
(٤) كتاب سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين، ص ٩٠.
(٥) كتاب النبي ﷺ، ص ٩٨.
(٦) كتاب البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل، ص ١٥٦.
(٧) كتاب سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين، ص ١١٠.
[ ١٦٩ ]
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
* وفي وصف للنبي ﷺ بأنه إمام الاشتراكية المعتدلة! يقول د. علي جمعة: "وقد صدق شوقي عندما قال:
الاشتراكيون أنت أمامهم لولا دعاوى القوم والغلواء" (٢)
* وفي تعصب مقيت يقول: "إذا قلنا: إن عقيدة النبي ﷺ وأصحابه هي عقيدة الأشاعرة، سيكون ذلك تقريرًا للواقع" (٣) وهذا خلاف الأدب، فمهما بلغ به الهيام بمذهب الأشاعرة، فليقل مثلًا معبرًا عما في نفسه: إن عقيدة الأشاعرة هي نفس عقيدة النبي ﷺ، فينسب اللاحق للسابق، ولكنه الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* وفي جرأة في الحديث عن نبي الله عيسى ﵇، يقول عن نبينا محمد ﷺ: "لم يولد من غير أب كما ولد عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن المثال المحتذى والأسوة الحسنة ينبغي أن يكون إنسانًا كسائر الناس" (٤) ومفهوم هذا الكلام أن سيدنا عيسى ﵇ لم يكن مثالًا يحتذى وأسوة حسنة.
* وفي دعوى لا دليل عليها يقول: "اليوم المعين الذي ولد فيه المصطفى هو خير أيام الله كلها، منذ خلق الله الأرض ومن عليها بل والكون وما فيه، إلى أن يرجع ذلك إلى ربه" (٥) فهو عنده أفضل من يوم بعثته ﷺ ويوم هجرته ويوم
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ٣٢.
(٢) مقال في جريدة الأهرام، بعنوان: حكمة إطعام الطعام، بتاريخ ٢٢ - ١٢ - ٢٠٠٨.
(٣) كتاب البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل، ص١٤٤.
(٤) كتاب النبي ﷺ، ص ٣٠.
(٥) كتاب النبي ﷺ، ص ٢٩.
[ ١٧٠ ]
فتح مكة .. إلى غير ذلك من الأيام، بلا أدنى شبهة دليل تدل على ذلك.
* وفي إسقاط بعيد كل البعد عن الأسس العلمية يقول: "أقر النبي ﷺ العرب على احتفالاتهم بذكرياتهم الوطنية وانتصاراتهم القومية، التي كانوا يتغنون فيها بمآثر قبائلهم وأيام انتصاراتهم" (١).
* وفي إقرار للعقلية الخرافية التي تتلاعب بدين الله ﷿ يقول: "بل إن الشيخ عليش تكلم عن أن رؤية النبي ﷺ من أسباب تأييد آراء العلماء المجتهدين فقال: وسمعت سيدي عليًا الخواص يقول: لا يصح خروج شيء من أقوال الأئمة المجتهدين عن الشريعة أبدًا عند أهل الكشف قاطبة، وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد أقوالهم في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله ﷺ، وسؤاله عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة: هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا؟ يقظة ومشافهة، وكذلك كانوا يسألونه ﷺ عن كل شيء من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينوا الله تعالى به، ويقولون: يا رسول الله، قد فهمنا كذا من آية كذا، وفهمنا كذا من قولك في الحديث الفلاني كذا، فهل ترضاه أم لا؟ ويعملون بمقتضى قوله وإشارته ﷺ، ومن توقف فيما ذكرناه من كشف الأئمة ومن اجتماعهم برسول الله ﷺ من حيث الأرواح قلنا له: هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين" (٢) ويقول: "كان المرسي أبو العباس يقول: لو غاب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" (٣).
_________________
(١) كتاب البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل، ص ٣٧٣.
(٢) كتاب البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل، ص ١٦٧.
(٣) كتاب التربية والسلوك، ص ١٦٤.
[ ١٧١ ]