التدريس والإملاء: درس فِي مدارس كَثِيرَة، وتفوق على خمس عشرَة مدرسة وَقَامَ بالإملاء الَّذِي درس بعد ابْن الصّلاح (٦٤٣ هـ) إِلَى أَوَاخِر أَيَّام الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ، فافتتحه سنة ٧٩٦ هـ، وَاسْتمرّ حَتَّى وَفَاته سنة ٨٠٦ هـ. وَشرع ابْن حجر بالإملاء فِي سنة ٨٠٨ هـ وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ فأملى مَا يزِيد على ألف مجْلِس.
الْقَضَاء: لقد امْتنع باديء ذِي بَدْء عَن تولي منصب الْقَضَاء، ثمَّ رضى بِهِ نِيَابَة عَن البُلْقِينِيّ بعد وَفَاته، بِطَلَب القَاضِي ولي الدّين الْعِرَاقِيّ، ثمَّ مَا لبث أَن تولاه اسْتِقْلَالا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من محرم سنة ٨٢٧ هـ وزادت مُدَّة قَضَائِهِ على إِحْدَى عشرَة سنة. وزهد فِيهِ زهدا تَاما، لِكَثْرَة مَا توالى عَلَيْهِ من التأزم والحرج بِسَبَبِهِ.
" وَصرح بِأَنَّهُ لم يبْق فِي بدنه شَعْرَة تقبل اسْمه "
الخطابة والإفتاء: تولى الخطابة فِي الْجَامِع الْأَزْهَر وجامع عَمْرو بن الْعَاصِ وَوصف السخاوي خطبَته فَقَالَ:
[ ١٧ ]
" أما خطبَته فَكَانَ لَهَا صدع فِي الْقُلُوب، وتزداد - وَهُوَ على الْمِنْبَر - فِي المهابة والنور مَا لَا أَسْتَطِيع وَصفه، بِحَيْثُ كنت إِذا نظرت إِلَيْهِ، وَهُوَ على الْمِنْبَر، يغلبني الْبكاء.
وَكَذَلِكَ نَهَضَ بمهمة الْفتيا بدار الْعَمَل سنة ٨١٥ هـ، وامتازت فَتَاوِيهِ بالإيجاز مَعَ حُصُول الْغَرَض مِنْهَا، وبز عُلَمَاء عصره فِيهَا، واعتنى بإخراجها محررة مستندة إِلَى الْأَدِلَّة ذَات الِاعْتِبَار، وَهُوَ فَقِيه النَّص.
وَبلغ معدل مَا كَانَ يَكْتُبهُ فِي بعض الْأَوْقَات (٣٠) فتيا فِي الْيَوْم.
خزن الْكتب: وَلَقَد قَامَ بمهمة خزن الْكتب بالمكتبة المحمودية، وَعمل لَهَا فهرسين: أَحدهمَا على الْأَبْوَاب، وَالثَّانِي على الْحُرُوف.
وَكَانَ مِثَالا للحرص على كتبهَا، ويفتديها بكتبه، فَكَانَ يَقُول: " لَا يُؤْخَذ من كتب الخزانة إلإ مَا لَيْسَ فِي كتبي "
هَذَا، وَكَانَ يقوم بدور عَام فِي الْإِصْلَاح والإرشاد، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَدفع الظُّلم والحيف عَن النَّاس.
وَيظْهر ذَلِك من انتقائه لمادة أَمَالِيهِ - خَاصَّة الْمُطلقَة مِنْهَا - لأمور ذَات مساس بِالْحَيَاةِ الاجتماعية.
هَذِه هِيَ الصِّفَات العلمية والخلقية الَّتِي جعلته مصداقا للقب شيخ الْإِسْلَام وحافظ الْعَصْر، وخاتمة الْمُحدثين، وأمير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث.
[ ١٨ ]
لقد شرب مَاء زَمْزَم ليصل إِلَى مرتبَة الذَّهَبِيّ فِي الْحِفْظ، ثمَّ حج بعد مُدَّة تقرب عشْرين سنة، فَسَأَلَ الله تَعَالَى الْمَزِيد، وَرَجا أَن ينَال ذَلِك، فحقق الله رَجَاءَهُ، وَشهد لَهُ بذلك التعبر غير وَاحِد.
مذْهبه فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات: لَا يخفى على من يقْرَأ كتاب الْحَافِظ ابْن حجر - ﵀ - بِأَنَّهُ يرى رأى المؤولين فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته، وَهُوَ خلاف مُعْتَقد السّلف الصَّالح، وَقد عَمت هَذِه الْبلوى فَمَا عصم مِنْهَا إِلَّا من رحم ربه.
وإليكم مِثَالا من " فتح الْبَارِي " حَيْثُ يشْرَح حَدِيث " أحب الدّين اليه (أَي الله) أَي مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحبه " فَيَقُول:
" قَوْله (أحب) قَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: معنى الْمحبَّة من الله تعلق الْإِرَادَة بالثواب، أَي أَكثر الْأَعْمَال ثَوابًا وأدومها.
" وَهَذَا من التَّأْوِيل الْبَاطِل. وَالْحق الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن معنى الْمحبَّة غير معنى الْإِرَادَة، وَالله سُبْحَانَهُ مَوْصُوف بهَا على الْوَجْه الَّذِي يَلِيق بجلاله، ومحبته لَا تشابه محبَّة خلقه، كَمَا أَن إِرَادَته لَا تشابه إِرَادَة خلقه وَهَكَذَا سَائِر صِفَاته، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير) .
وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع التَّفْصِيل فِي هَذَا الْمَوْضُوع إِلَّا أَن عَلامَة الجزيرة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز - حفظه الله - قد علق على تَأْوِيله فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بحوالى سِتَّة مَوَاضِع فِي الْجُزْء الأول من الْفَتْح فَقَط.
[ ١٩ ]
مذْهبه الفقهي: كَانَ الْحَافِظ - ﵀ - شافعيا بِاتِّفَاق المصادر إِلَّا أَن الكتاني ذكر، نقلا عَن مَا فِي ثَبت الشهَاب أَحْمد بن الْقَاسِم الْبونِي: " إِن الْحَافِظ انْتقل فِي آخر عمره لمَذْهَب مَالك، وَقَالَ (أَي الْبونِي): رَأَيْت ذَلِك بِخَطِّهِ فِي مَكَّة المكرمة ".
وَقَالَ الكتاني: وَلَعَلَّ رُجُوعه فِي مَسْأَلَة أَو مَسْأَلَتَيْنِ وَالله أعلم
وَلَا شكّ أَن أدوات الِاجْتِهَاد قد اجْتمعت لَدَيْهِ، وَهُوَ يَقْتَدِي بالأئمة وَلَا يقلدهم وشتان مَا بَين الِاثْنَيْنِ، فَهُوَ يوازن بَين الْأَدِلَّة وَيَأْخُذ بأرجحها، حَتَّى وَإِن لم توَافق السَّادة الشَّافِعِيَّة.
وَفَاته: قدم الْحَافِظ ابْن حجر - ﵀ - خدمات جليلة للْحَدِيث النَّبَوِيّ وعلومه، أَكثر من نصف قرن. وَصَارَ أعجوبة الدُّنْيَا، ولقب بِالْحَافِظِ وَشَيخ الْإِسْلَام لعلمه الغزير، وكفاءته فِي كل ميدان من ميادين الدّين وَالْعلم.
فِي آخر حَيَاته، أُصِيب بالإمساك، وَقد دَامَ أَكثر من شهر، حَيْثُ أُصِيب بإسهال وَرمى دم (ديسانتري) غير أَن السخاوي يَقُول:
" وَلَا استبعد أَنه أكْرم بِالشَّهَادَةِ، فقد كَانَ الطَّاعُون قد ظهر "
ووافاه الْأَجَل وَلحق بالرفيق الْأَعْلَى فِي أَوَاخِر شهر ذِي الْحجَّة من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة.
[ ٢٠ ]
وَاخْتلف مترجموه فِي تَحْدِيد تأريخ وَفَاته مَا بَين الثَّامِن وَالْعِشْرين، وَالتَّاسِع عشر وَالثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة.
وَكَانَ يَوْم مَوته عَظِيما على الْمُسلمين وَحَتَّى على أهل الذِّمَّة. شيعته الْقَاهِرَة إِلَى مدفنه، وَقدر أحد الأذكياء أَنه اشْترك فِيهِ نَحْو خمسين ألفا. تزاحم الْأُمَرَاء والأكابر على حمل نعشه، وَمَشى إِلَى تربته من لم يمش نصف مسافتها قطّ.
وَصلى عَلَيْهِ بمصلاة بكتمر المؤمنى حَيْثُ أَمر السُّلْطَان الظَّاهِر جقمق بِأَن يحضر إِلَى هُنَاكَ ليصلى عَلَيْهِ، وَتقدم فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ الْخَلِيفَة بِإِذن من السُّلْطَان.
وَدفن - ﵀ - تجاه تربة الديلمي بتربة بني الخروبي، بَين مقَام الشَّافِعِي ومقام سَيِّدي مُسلم السّلمِيّ. وَتَقَع تربته على بعد (١٥٠٠) م من مقَام الإِمَام الشَّافِعِي.
اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه واعفه واعف عَنهُ وَأكْرم نزله ووسع مدخله ﴿﴾
[ ٢١ ]