نسبه: هُوَ شهَاب الدّين، أَبُو الْفضل أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَحْمُود بن حجر الْكِنَانِي، الْعَسْقَلَانِي الشَّافِعِي، الْمصْرِيّ المولد والمنشأ والوفاة، القاهري.
وَقَالَ السخاوي: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي نسبه.
مولده: ولد فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة، على شاطئ النّيل بِمصْر الْقَدِيمَة. وَاخْتلف مترجموه فِي تَحْدِيد تأريخ وِلَادَته مَا بَين (الثَّانِي عشر، وَالثَّالِث عشر، وَالثَّانِي وَعشْرين، وَالثَّانِي من الشَّهْر الْمَذْكُور) .
نشأته: نَشأ ابْن حجر يَتِيما، كَمَا عبر هُوَ عَن نَفسه، إِذْ مَاتَ أَبوهُ فِي رَجَب سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة، ذَلِك وَهُوَ وَمَاتَتْ أمه قبل طِفْل صَغِير.
وَقد أوصى أَبوهُ قبل وَفَاته بِاثْنَيْنِ من الَّذين كَانَت بَينه وَبينهمْ مَوَدَّة: (أَحدهمَا): زكي الدّين أَبُو بكر بن نور الدّين عَليّ الخروبي (٧٨٧ هـ)، وَلم يال جهدا فِي رعايته والعناية بتعليمه، وَكَانَ يستصحبه مَعَه عِنْد مجاورته فِي مَكَّة.
[ ٩ ]
(وَالثَّانِي): شمس الدّين مُحَمَّد بن الْقطَّان الْمصْرِيّ (٨١٣ هـ)، لَازمه الحافط بعد وَفَاة وَصِيّه الأول زكي الدّين، وَحضر دروسه فِي الْفِقْه والعربية والحساب.
دخل الْكتاب وَهُوَ ابْن خمس سِنِين، وأكمل حفظ الْقُرْآن وَهُوَ فِي التَّاسِعَة من عمره، وَصلى بِالنَّاسِ التَّرَاوِيح فِي الْحرم الْمَكِّيّ سنة ٧٨٥ هـ، وَكَانَ حِينَئِذٍ مَعَ وَصِيّه الزكي الخروبي فِي مَكَّة المكرمة.
وَيُمكن تصور بَوَادِر نبوغه وشجاعته، فبقدر مَا كَانَت مفخرة لَهُ كصبي يتَقَدَّم إِمَامًا فَإِنَّهَا كَانَت لَحْظَة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وَحسن أَدَاء.
وَصلى بعد ذَلِك بالقدس أَيْضا.
مهمته العلمية: بلغ بِهِ الْحِرْص على تَحْصِيل الْعلم مبلغا جعله يسْتَأْجر أَحْيَانًا بعض الْكتب، وَفِي سنة ٧٩٠ هـ أكمل السَّابِعَة عشرَة من عمره، حفظ فِيهَا الْقُرْآن، وَكتب من مختصرات الْعُلُوم وَسمع صَحِيح البُخَارِيّ على بعض الْمَشَايِخ، كَمَا سمع من عُلَمَاء عصره البارزين، واهتم بالأدب والتاريخ.
وَهَذِه حصيلة ثقافية لَا يستهان بهَا بِالنِّسْبَةِ لعمره.
وَلما بلغ فِي التَّاسِعَة عشرَة من عمره، فاق أقرانه فِي فنون الْأَدَب، وَقَالَ الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق، ونظم المدائح النَّبَوِيَّة والمقاطيع.
[ ١١ ]
نقطة تحول فِي حَيَاته: لما بلغ الْحَافِظ الْغَايَة القصوى فِي الْفُنُون وَالْأَدب، شَاءَ الله ﷿ أَن يصرفهُ عَنْهَا، وحبب إِلَيْهِ علم الحَدِيث النَّبَوِيّ، فَأقبل عَلَيْهِ سنة ٧٩٣ هـ، غير أَنه لم يكثر إِلَّا من سنة - ٧٩٦ هـ، وعلت لَهُ الشُّهْرَة واشتغل بِهِ حَتَّى صَار حَافظ عصره وَشَيخ الْإِسْلَام.
رحلاته فِي طلب الْعلم: كَانَت الرحلة فِي طلب الْعلم، فِي كل عصر من التَّارِيخ الإسلامي، سمة بارزة، ومظهرا مهما لتلقي الْعُلُوم على أَيدي الشُّيُوخ الَّذين كَانُوا فِي أنحاء بعيدَة وبلاد نائية من بلد الطَّالِب، وَكَانَ يلجأ إِلَى الرحلة إِلَيْهَا بعد استكمال ثقافته الْمَحَلِّيَّة.
وَمَا كَانَ الْحَافِظ ان يقتنع بثقافة بَلَده، بل رَحل إِلَى بِلَاد عديدة خَارج مصر. من أهمها: الْيمن، والحجاز وَالشَّام. وَأخذ علم الحَدِيث عَن مشاهير عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد.
شُيُوخه المعروفون: بلغ عدد شُيُوخه بِالسَّمَاعِ وبالإجازة وبالإفادة على مَا بَين بِخَطِّهِ، نَحْو أَرْبَعمِائَة وَخمسين نفسا. وَمن أَهَمَّهُمْ فِي الحَدِيث وَالْفِقْه:
عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالنشاوري (٧٩٠ هـ) مُسْند الْحجاز، هُوَ أول شيخ سمع عَلَيْهِ الحَدِيث الْمسند فِيمَا اتَّصل بِعِلْمِهِ، سمع عَلَيْهِ شَيْئا من صَحِيح البُخَارِيّ سنة ٧٨٥ هـ.
[ ١٢ ]
مُحَمَّد بن عبد الله ظهيرة، جمال الدّين الْمَكِّيّ (٨١٧ هـ)، قَرَأَ عَلَيْهِ بحثا فِي عُلُوم الْأَحْكَام، وَهُوَ من عُلَمَاء الْحجاز.
نجم الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن رزين بن غَالب الْمسند: سمع مِنْهُ صَحِيح البُخَارِيّ بِقِرَاءَة الْجمال الْمَذْكُور سنة ٦٧٦ هـ. وَقَالَ الْحَافِظ: وَكَانَ أول من سَمِعت بقرَاءَته الحَدِيث وَذَلِكَ سنة ٧٨٦ هـ بِمصْر.
عَليّ بن أبي بكر، أَبُو الْحسن الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ): وَكَانَ يود الْحَافِظ كثيرا، وَشهد لَهُ بالتقدم فِي الْفَنّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ قرينا لشيخه الْعِرَاقِيّ، ومنفردا.
عمر بن عَليّ بن أَحْمد الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ): كَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا.
أَبُو حَفْص عمر بن رسْلَان البُلْقِينِيّ، سراج الدّين (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ): وَهُوَ أستاذه فِي الْفِقْه ولازمه مُدَّة، وَهُوَ أول من أذن لَهُ بالتدريس والإفتاء، وَتَبعهُ غَيره، وَشهد لَهُ بِالْحِفْظِ فِي الْمجْلس الْعَام.
أَبُو الْفضل عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ (٧٢٥ - ٨٠٦ هـ): الْحَافِظ الْكَبِير: لَازمه الْحَافِظ ابْن حجر عشر سنوات، وَتخرج بِهِ، وَهُوَ أول من أذن لَهُ بالتدريس فِي عُلُوم المصطلح سنة ٧٩٧ هـ، ولقبه بِالْحَافِظِ، وعظمه ونوه بِذكرِهِ، وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ أعلم أَصْحَابه بِالْحَدِيثِ.
أثنى الْحَافِظ ابْن حجر على هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الْأَوَاخِر بِصفة خَاصَّة، وَقَالَ: إِنَّهُم أعجوبة هَذَا الْعَصْر على رَأس الْقرن (أَي التَّاسِع الهجري) .
الأول: (ابْن الملقن) فِي كَثْرَة التصانيف؛ وَالثَّانِي: (البُلْقِينِيّ) فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي؛ وَالثَّالِث: (الْعِرَاقِيّ) فِي معرفَة الحَدِيث.
وَقدر أَن كل وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الاخر بِسنة، وَمَات قبله بِسنة، كَمَا هُوَ ظَاهر من تأريخ مواليدهم ووفياتهم.
[ ١٣ ]
والهيثمي أَيْضا مَاتَ بعد الْأَخير (أَي الْعِرَاقِيّ) بِسنة، وَإِن كَانَت وِلَادَته قبله بِعشر سنوات.
وَلَا شكّ أَن الْحَافِظ - كَمَا قَالَ البقاعي - تقدم على مشايخه فِي حياتهم، ووصفوه بِالْحِفْظِ والاتقان والنقد والعرفان. مَعَ ذَلِك كَانَ احترام الْحَافِظ وَتَقْدِيره لشيوخه أعظم وَأجل.
تلامذته: استقطبت دروسه الْعلمَاء والتلاميذ سَوَاء بِسَوَاء، وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة، وَألْحق الْأَبْنَاء بِالْآبَاءِ، والأحفاد، بل أَبْنَاءَهُم بالأجداد، وأكب النَّاس على التَّرَدُّد إِلَيْهِ حَتَّى اصبحوا لَا يُحصونَ كَثْرَة، وانتشروا فِي أرجاء الأقطار فَكَانَ رُؤَسَاء الْعلمَاء من كل مَذْهَب وَفِي كل قطر من تلاميذه.
سرد ابْن خَلِيل الدِّمَشْقِي ثَلَاثمِائَة وَخمسين نفسا من تلاميذه والآخذين عَنهُ وأوصل عَددهمْ السخاوي إِلَى خَمْسمِائَة شخص، وَكِلَاهُمَا على حُرُوف المعجم.
وَمن أبرز هَؤُلَاءِ التلاميذ:
إِبْرَاهِيم بن عمر بن حسن البقاعي (٨٨٥ هـ) صَاحب " عنوان الزَّمَان "
زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ (٩٢٦ هـ) صَاحب " شرح ألفية الْعِرَاقِيّ "
[ ١٤ ]
ابْن تغري بردي (٨٧٤ هـ) صَاحب " النُّجُوم الزاهرة "
ابْن فَهد الْمَكِّيّ (٨٧١ هـ) صَاحب " لحظ الألحاظ "
وَابْن قَاضِي شُهْبَة الدِّمَشْقِي (٨٧٤ هـ) صَاحب " الطَّبَقَات "
اسماعيل بن مُحَمَّد بن أبي بكر المقريء اليمني (٨٣٧ هـ) صَاحب " عنوان الشّرف الوافي "
يُوسُف بن شاهين أَبُو المحاسن الكركي (٨٩٩ هـ) سبط ابْن حجر صَاحب " رونق الْأَلْفَاظ "
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السخاوي (٩٠٢ هـ) صَاحب " الضَّوْء اللامع " والمصنفات الْكَثِيرَة.
وَقد لَازمه السخاوي أَشد مُلَازمَة، وَحمل عَنهُ مالم يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره، وَتُوفِّي بعد وَفَاة شَيْخه، وَجمع شتات تراثه، وَكتب فِي تَرْجَمَة شَيْخه مجلدا ضخما مُسْتقِلّا باسم " الْجَوَاهِر والدرر فِي تَرْجَمَة شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر "
تصانيفه: بَدَأَ الْحَافِظ ابْن حجر - ﵀ - التصنيف فِي سنة ٧٩٦ هـ، وَاسْتمرّ حَتَّى قبيل وَفَاته. وَهُوَ يعْتَبر من المكثرين فِي هَذَا الْبَاب حَتَّى صَار من الصعب حصر جَمِيع آثاره.
وَلذَلِك اكْتفى بعض مترجميه بقَوْلهمْ عَن مصنفاته أَنَّهَا تزيد على مائَة وَخمسين مصنفا.
وَقَالَ السخاوي: يزِيد على (٢٧٠) مصنفا.
[ ١٥ ]
وَقد ذكر الدكتور شَاكر مَحْمُود عبد الْمُنعم (٢٨٢) كتابا مَا بَين صَغِير وكبير مطبوع ومخطوط، وموجود ومفقود.
وَكَذَلِكَ ذكر تَحت عنوان " الْكتب المنسوبة إِلَيْهِ " (٣٨) كتابا، وَهِي الْكتب الَّتِي لم يذكرهَا إِلَّا مصدر معاصر وَاحِد، وَلَا تعضده فِي ذَلِك المصادر الْأُخْرَى،، وَنسبه إِلَيْهِ مصدر غير معاصر لَهُ، أَو وجد الْكتاب مَنْسُوبا إِلَى غَيره أَيْضا.
وَقد ذكرهَا الدكتور شَاكر تَحت هَذَا العنوان احْتِيَاطًا حَتَّى لَا ينْسب مُصَنف إِلَى مؤلف لم يعمله. وَقَالَ: إِن ذَلِك لَا يَعْنِي نفي نِسْبَة مُصَنف مَا إِلَى الْحَافِظ ابْن حجر، فَهُوَ موسوعي، وَلَا نستبعد مِنْهُ الْمَزِيد.
وَمن أهم كتبه المطبوعة:
الْإِصَابَة فِي تَمْيِيز الصَّحَابَة
فتح الْبَارِي بشرح صَحِيح البُخَارِيّ
تَهْذِيب التَّهْذِيب
تقريب التَّهْذِيب
الدُّرَر الكامنة فِي أَعْيَان الْمِائَة الثَّامِنَة
لِسَان الْمِيزَان
التَّلْخِيص الحبير
تَعْجِيل الْمَنْفَعَة
بُلُوغ المرام
نزهة النّظر فِي توضيح نخبة الْفِكر
القَوْل المسدد فِي الذب عَن مُسْند الإِمَام أَحْمد
الإمتاع فِي الْأَرْبَعين المتباينة بِشَرْط السماع (تَحت الطَّبْع)
[ ١٦ ]