الإيمان ليس مجرَّد (^١) التَّصديق - كما تقدَّم بيانه - وإنَّما هو التَّصديق المستلزم للطَّاعة والانقياد.
وهكذا الهُدَى ليس هو مجرَّد (^٢) معرفة الحق وتبيُّنه (^٣)؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه، والعمل بموجبه، وإنْ سُمِّيَ الأول هُدًى فليس هو الهُدى التَّام المستلزم للاهتداء. كما أنَّ اعتقاد التَّصْديق وإنْ سُمِّيَ تصْديقًا فليس هو التَّصديق المستلزم للإيمان.
فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته.
فصْلٌ
وههنا أصلٌ آخر، وهو أنَّ الكفر نوعان، كفر عملٍ، وكفر جحودٍ وعنادٍ؛ فكفر الجحود: أنْ يكفر بما عَلِم أنَّ الرَّسول جاء به من عند الله، جُحُودًا وعنادًا، من أسماء الرَّب وصفاته وأفعاله وأحكامه.
وهذا الكفر يضادُّ الإيمان من كُلِّ وجهٍ.
وأمَّا كفر العمل: فينقسم إلى ما يضادُّ الإيمان، وإلى ما لا يضادُّه.
_________________
(١) س: "بمجرد".
(٢) هـ: "ليس مجرد"، س: "ليس هو بمجرد".
(٣) س وض وط: "تبيينه".
[ ٨٨ ]
فالسُّجُود (^١) للصَّنَم، والاستهانة بالمصْحف، وقتل النَّبيِّ وسبُّه يضادُّ الإيمان.
وأمَّا الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصَّلاة فهو من الكفر العملي قطعًا. ولا يمكن أن يُنْفَى عنه اسم الكفر، بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه. فالحاكم بغير ما أنزل الله كافِرٌ، وتارك الصلاة كافِرٌ، بنصِّ رسول الله ﷺ؛ ولكن هو كُفْرُ عمل، لا كفر اعتقادٍ. ومن الممتنع أنْ يسمِّي الله سبحانه الحاكم (^٢) بغير ما أنزل الله كافِرًا، ويُسَمِّي رسول الله (^٣) ﷺ تارك الصلاة كافِرًا، ولا يُطْلَق عليهما اسم الكفر!
وقد نفى رسول الله ﷺ (^٤) اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر (^٥)، وعمَّن لا يأْمَنُ جارُه بوائقَه (^٦). وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافرٌ من جهة العَمَل، وإنْ انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.
وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرِب بعضُكم رقاب
_________________
(١) س: "كالسجود".
(٢) س: "الله سبحانه يسمي الحاكم".
(٣) ض: "رسوله".
(٤) س: "النَّبي ﷺ".
(٥) سيأتي تخريجه (ص/٩٨).
(٦) أخرجه البخاري (٦٠١٦)، بلفظ: "والله لا يؤمن". وأخرجه مسلم (٤٦) بلفظ: "لا يدخل الجنة .. ".
[ ٨٩ ]
بعض" (^١)؛ فهذا كفر عملٍ.
وكذلك قوله: "من أتى كاهِنًا فصدَّقه، أوامرأةً في دُبُرها فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ" (^٢).
وقوله: " إذا قال الرَّجل لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما" (^٣).
وقد سمَّى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ (^٤) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ (^٥) وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٧٣٩)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا. وأخرجاه - أيضًا - من حديث ابن عمر، وابن عباس، وجرير، وغيرهم.
(٢) هو جزءٌ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أتى حائضًا أوامرأةً في دُبُرها .. ". وقد تقدَّم تخريجه قريبًا (ص/٨١).
(٣) أخرجه البخاري (٦١٠٣)، ومسلم (٦٠) من حديثي أبي هريرة وابن عمر ﵃ مرفوعًا.
(٤) ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ ليست في ض.
(٥) ﴿الْكِتَابِ﴾ ليست في ض.
[ ٩٠ ]
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة/٨٤ - ٨٥].
فأخبر سبحانه أنَّهم أقرُّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموا به. وهذا يدلُّ على تصديقهم به؛ أنَّهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثمَّ أخبر (^١) أنَّهم عصوا أمره، وقتل فريقٌ منهم فريقًا، وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كُفْرُهم بما أَخَذَ عليهم في الكتاب. ثمَّ أخبر أنَّهم يفدون مَنْ أُسِر من ذلك الفريق، وهذا إيمانٌ منهم بما (^٢) أَخَذَ عليهم في الكتاب؛ فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي يضادُّه (^٣) الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي.
وقد أعلن النَّبيُّ ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصَّحيح: "سباب المسلم فُسُوقٌ وقتاله كفرٌ" (^٤). ففرَّق بين سِبَابِه وقتالِه (^٥)، وجعل أحدَهما فُسُوقًا لا يكفر به، والآخر كفرًا.
_________________
(١) س: "وأخبر".
(٢) هـ وط: "لما".
(٣) ض: "يضاد". وليس في س: "العملي".
(٤) تقدم تخريجه (ص/٨١) وأنه في الصحيحين.
(٥) هـ وط: "قتاله وسبابه".
[ ٩١ ]
ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما لم يخرج الزَّاني والسَّارق (^١) والشَّارب من المِلَّة، وإنْ زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التَّفصيل هو قول الصَّحابة، الذين هم أعلم الأُمَّة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما (^٢)؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائل إلَّا عنهم. فإنَّ المتأخِّرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين:
فريقًا أخرجوا من المِلَّة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود
في النَّار.
وفريقًا جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السُّنَّة للطَّريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل.
فههنا كُفْرٌ دون كُفْرٍ، ونِفاقٌ دون نِفاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ (^٣)، وظُلمٌ دون ظُلمٍ.
قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
_________________
(١) ض: "لا يخرج السارق والزاني".
(٢) هـ وط: "لوازمها".
(٣) ليس في س: "وفسوق دون فسوق".
[ ٩٢ ]
[المائدة/٤٤]: "ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه (^١) " (^٢).
وقال عبد الرزَّاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سُئِل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة/٤٤] قال: "هو بهم كُفْرٌ، وليس كَمَن كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله" (^٣). وقال في روايةٍ أخرى عنه: "كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة" (^٤).
وقال طاووس: "ليس بكُفْرٍ ينقل عن المِلَّة" (^٥).
وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاءٍ: "كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ" (^٦).
وهذا الذي قاله عطاء بيِّنٌ في القرآن لمن فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافِرًا، وسمَّى (^٧) جاحِد ما أنزله على رسوله كافرًا. وليس الكافران على حَدٍّ سواء.
_________________
(١) ض: "ليس الكفر .. ". هـ وس: " .. تذهبون .. ".
(٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٣) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٤) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٥) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٦) تقدَّم تخريجه قريبًا.
(٧) س: "أنزله الله .. ". ط: "ويسمِّي"، وهكذا هو فيه وفي (هـ) في المواضع الخمسة الآتية.
[ ٩٣ ]