وحاصل هذا القول: أنَّ مَن تركها فاته أجرُها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك، ويفيد (^١) حُبُوط عملٍ قد ثَبَت وفُعِل، وهذا حقيقة الحُبُوط في اللُّغة والشَّرع. ولا يُقَال لمن فاتَه ثواب عمَلٍ من الأعمال: إنَّه قد حبِط عملُه، وإنَّما يُقَال: فاتَه أجر ذلك العمل.
وقالت طائفةٌ: يحبط (^٢) عمل ذلك اليوم، لا جميع عمله؛ فكأنَّهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلِّها بترك صلاةٍ واحدةٍ، وتركها عندهم ليس برِدَّةٍ تُحْبِط (^٣) الأعمال، فهذا الذي اسْتَشْكله هؤلاء هو واردٌ عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم.
والذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أنَّ التَّرك نوعان:
تركٌ كُلِّيٌ، لا يصلِّيْها أبدًا؛ فهذا يُحبِط العمل جميعه. وتركٌ معيَّنٌ، في يوم معيَّنٍ؛ فهذا يُحبِط عمل ذلك اليوم. فالحبوط العامُّ في مقابلة التَّرك العام، والحبوط المعيَّن في مقابلة التَّرك المعيَّن.
فإنْ قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الرِّدَّة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن، والسُّنَّة، والمنقول عن الصَّحابة: أنَّ السَّيِّئات تحبط (^٤) الحسنات، كما
_________________
(١) ط: "ولا يفيد".
(٢) ط: "تحبط".
(٣) "عندهم" ليست في ض. وفي هـ وط: " .. يحبط".
(٤) هـ: "يحبط".
[ ١٠٩ ]
أنَّ الحسنات يذهبن (^١) السَّيِّئات. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة/٢٦٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات/٢].
وقالت عائشة لأمِّ ولد زيد (^٢) بن أرقم: "أخبري زيدًا أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلَّا أنْ يتوب" (^٣)، لمَّا باع بالعِيْنة.
وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا، فقال: "ينبغي للعبد في هذا الزَّمان
_________________
(١) ض وس: "تذهب".
(٢) س وط: "لأم زيد". خطأٌ.
(٣) أخرجه الدَّارقطني في سننه (٣/ ٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٣١) من طريق يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي عن أُمِّه العالية عن عائشة به. وأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤)، وغيره، من طرقٍ عن أبي إسحاق السَّبيعي عن زوجه العالية عن عائشة به. وقد أعلَّه الشَّافعي في الأم (٤/ ٧٤) ثم الدارقطني بجهالة العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق، وأنَّ المجهولة لا يحتجُّ بها. وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٥٥٨): "هذا إسنادٌ جيِّدٌ، وقول الدَّارقطني فيه نَظَرٌ". وقد احتجَّ من صحَّحه بأنَّ الحديث محفوظٌ، إذ رواه عن العالية ثقتان، زوجها أبوإسحاق وابنها، وأنَّه لا يُعلم فيها جرحٌ، فجهالتها ترتفع به، مع تصديق زوجها وابنها لها. وتُنْظَر: حاشية المصنِّف على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٠).
[ ١١٠ ]
أنْ يستدين ويتزوَّج؛ لئلَّا ينظر إلى ما لا يحلُّ، فيحبط عمله" (^١).
وآيات الموازنة في القرآن تدلُّ على هذا؛ فكما أنَّ السيِّئة تَذْهَبُ بحسنةٍ أكبر منها فالحسنة يَحبَطُ أجرُها بسيئةٍ (^٢) أكبر منها.
فإنْ قيل: فأيُّ فائدةٍ في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصَّلوات؟
قيل: الحديث لم ينف الحُبُوط بغير العصر، إلَّا بمفهوم لَقَبٍ، وهو مفهومٌ ضعيفٌ جدًّا.
وتخصيص (^٣) العصر بالذِّكر لشرفها من بين الصَّلوات؛ ولهذا كانت هي الصَّلاة الوسطى بنصِّ رسول الله ﷺ الصَّحيح الصَّريح (^٤). ولهذا
_________________
(١) هو من مسائل الفضل بن زياد القطَّان عن الإمام أحمد، كما في بدائع الفوائد للمصنِّف (٤/ ١٤٠٦) قال الفضل: "سمعتُ أبا عبد الله، قيل له: ما تقول في التَّزويج في هذا الزمان؟ فقال: مثل هذا الزَّمان ينبغي للرجل أن يتزوَّج، ليت أنَّ الرجل إذا تزوَّج اليوم ثنتين يفلتُ، ما يأمن أحدُكم أن ينظر النَّظَر فيحبط عمله. قلت له: كيف يصنع؟ من أين يطعمهم؟ فقال: أرزاقهم عليك! أرزاقهم على الله ﷿".
(٢) س: "تحبط أجرها سيئة".
(٣) ض: "إذ تخصيص".
(٤) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧)، من حديث عليٍّ ﵁ قال: لَمَّا كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ: "مَلَأَ الله بُيُوتهم وقُبورهم نارًا، شغلونا عن الصَّلاة الوسطى - صلاة العصر - حين غابت الشَّمس". أحد ألفاظ مسلم.
[ ١١١ ]
خصَّها بالذِّكر في الحديث الآخر، وهو قوله: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه" (^١). أي: فكأنَّما سُلِبَ أهلَه ومالَه، فأصبح بلا أهلٍ ولا مالٍ.
وهذا تمثيلٌ لحبوط (^٢) عمله بتركها؛ كأنَّه شبَّه أعماله الصالحة في انتفاعه بها وتمتُّعه بها (^٣) بمنزلة أهله وماله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كَمَنْ له أهلٌ ومالٌ، فخرج من بيته لحاجةٍ - وفيه أهله وماله - فرجع وقد اجْتِيْحَ الأهلُ والمالُ، فبقي وِتْرًا دونهم، ومَوْتُورًا بفقدهم. فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التَّمثيل مطابقًا.
فصْلٌ