ونحن نذكر حُجَج الفريقين.
قال الذين لا يكفِّرونه (^١) بتركها: قد ثَبَت له حكم الإسلام بالدُّخول فيه، فلا نخرجه منه إلَّا بيقين.
قالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ شهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لاشريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ= أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل". أخرجاه في "الصَّحيحين" (^٢).
وعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال - ومعاذٌ رديفه على الرَّحل ـ: "يا معاذ"، قال: لبَّيك يا رسول الله وسَعْديك - ثلاثًا ـ، قال: "ما مِنْ عبدٍ يشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله إلَّا حرَّمه الله على النَّار".
قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس، فيستبشروا؟ (^٣) قال: "إذًا يتَّكِلُوا (^٤) ". فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متَّفقٌ على صِحَّته (^٥).
وعن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أسعد النَّاس بشفاعتي من قال:
_________________
(١) س: "لم يكفِّروه".
(٢) البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).
(٣) هـ وط: "فيستبشرون".
(٤) هـ: "يتكلون".
(٥) البخاري (١٢٨)، ومسلم (٢٣٠).
[ ٤٢ ]
لا إله إلَّا الله، خالصًا (^١) من قلبه". رواه البخاري (^٢).
وعن أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام بآيةٍ من القرآن يردِّدُها حتى صلَّى (^٣) الغداة، قال: "ودَعَوْتُ لأُمَّتي وأُجِبْتُ بالذي لو اطَّلَعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصَّلاة". فقال أبوذرٍّ: أفلا أبشِّر النَّاس؟ قال: "بلى".
فانطلق، فقال عمر: إنَّك إنْ تبعث إلى الناس بهذا يتَّكلوا (^٤) عن العبادة، فناداه: أنْ ارجع، فرجع. والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة/١١٨]. رواه الإمام أحمد في "مسنده" (^٥).
_________________
(١) س: "خالصًا مخلصًا".
(٢) حديث (٩٩).
(٣) ط: "صلاة".
(٤) كذا في النسخ كلها، وكذا في مسند البزار. وفي مسند أحمد: "ينكلوا" بالنون.
(٥) (٥/ ١٧٠). وأخرجه البزار (٩/ ٤٤٩)، وغيرهما، من طريق قدامة بن عبد الله قال: حدثتني جسرة بنت دِجاجة عن أبي ذرٍّ به. وأخرجه مختصرًا مقتصرًا على ذكر قيامه ﷺ بالآية وترديده لها، دون باقي الحديث من طريق قدامة عن جسرة به: النَّسائي (١٠١٠)، وابن ماجه (١٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦٧)، وقال: "صحيحٌ"، وابن خزيمة تعليقًا (١/ ٢٧١)، وقال: "إنْ صحَّ الخبر! ". وفي إسناده: جسرة بنت دِجاجة، قال البخاري في التاريخ (٢/ ٦٧): "عند جسرة عجائب". قال ابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٣٣١): "قول البخاري إنَّ عندها عجائب لا يكفي لمن يسقط ما روت"، ووافقه ابن الملقِّن في البدر المنير (٢/ ٥٦١). لذا فقد حسَّن الحديث بلفظه المختصر ابنُ القطَّان في بيان الوهم (٥/ ٣٢٣، ٧٠١) ردًّا على تضعيف عبد الحقِّ له، وحسَّنه النَّووي في الخلاصة (١/ ٥٩٥)، وصحَّح إسناده العراقي في تخريجه للإحياء (١/ ٢٣١)، والبوصيري في مصباح الزُّجاجة (١/ ١٥٩).
[ ٤٣ ]
وفي "المسند" (^١) - أيضًاـ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الدَّواوين عند الله ﷿ ثلاثة (^٢)؛ دِيوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، ودِيوان لا يترك الله منه شيئًا، ودِيوان لا يغفره الله. فأمَّا الدِّيوان الذي لا يغفره الله (^٣): فالشِّرك (^٤)، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ (^٥) بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة/٧٢]. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسَه فيما بينه وبين ربِّه؛ من صومٍ تركه أوصلاةٍ تركها؛ فإنَّ الله ﷿ يغفر ذلك ويتجاوز عنه إنْ شاء. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا؛ القِصاص لا محالة".
وفي "المسند" (^٦) - أيضًاـ عن عبادة بن الصَّامت قال: سمعت رسول الله
_________________
(١) (٦/ ٢٤٠) من طريق صدقة بن موسى عن أبي عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة به. وفي إسناده: صدقة بن موسى، وهو الدَّقيقي. ضعَّفه ابن معين والنَّسائي وغيرهما، كما في: ميزان الاعتدال للذَّهبي (٢/ ٣١٢).
(٢) ط: "ثلاث".
(٣) "منه شيئًا .. لا يغفره الله" ليست في هـ.
(٤) ض: "فالشرك بالله تعالى".
(٥) ض: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ﴾.
(٦) (٥/ ٣١٥). وأخرجه مالك (١/ ١٢٣)، وأبوداود (١٤٢٠)، والنسائي (٤٦٢)، وابن ماجه (١٤٠١)، والضياء في المختارة (٨/ ٣٦٥)، وغيرهم، من طريق محمد بن يحيى ابن حِبَّان عن عبد الله بن محيريز أنَّ رجلًا من بني كنانة يُدْعَى المخدجي عن عبادة بن الصامت ﵁ به. والمخدجي اسمه: أبورفيع، أو رفيع. ذكره ابن حبَّان في ثقاته (٥/ ٥٧١). ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي (٣٣/ ٣١٥). … =
[ ٤٤ ]
ﷺ يقول: "خمس صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العِباد، من أتى بهِنَّ كان له عند الله عهدٌ أنْ يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهِنَّ فليس له عند الله (^١) عهدٌ، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له".
وفي "المسند" (^٢) - أيضًا - من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة المكتوبة، فإنْ أتمَّها وإلَّا قيل: انظُرُوا هل له من تطوُّعٍ، فإنْ كان له تطوُّعٌ أُكْمِلَت الفريضة من (^٣) تطوُّعِه، ثم يُفْعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك". رواه أهل "السُّنن" (^٤). وقال
_________________
(١) = … وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٧)، وأبوداود (٤٢٥)، والضياء (٨/ ٣٢٠)، وغيرهم، من طريق عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي عن عبادة نحوه. ورُوِيَ من طرقٍ أخرى. وقد صحَّح الحديث: ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٨٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٣٨٩)، والألباني في الصحيحة (٨٤٢)، وغيرهم.
(٢) "عهدٌ أنْ .. عند الله" سقطت من هـ.
(٣) (٢/ ٤٢٥).
(٤) س: "له من".
(٥) أبو داود (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣) والنسائي (٤٦٧) وابن ماجه (١٤٢٥)، وغيرهم، من طرقٍ عن أبي هريرة ﵁ به. وذكره ابن أبي حاتم في عِلَله (٤٢٦) من طريق قتادة عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا نحوه، ثم ذكر اختلافًا فيه على الحسن. وينظر أيضًا: علل الدارقطني (٨/ ٢٤٥). وصحَّح الألباني الحديث مرفوعًا - بمجموع طرقه - في الصَّحيحة (١٣٥٨).
[ ٤٥ ]
الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ" (^١).
قالوا: وقد ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: "مَن كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دَخَل الجنَّة" (^٢). وفي لفظٍ آخر: "مَنْ مات وهو يعلم أنْ لا إله إلَّا الله دخل الجنة" (^٣) (^٤).
وفي "الصَّحيح" (^٥) قصَّة عتبان (^٦) بن مالك، وفيها: "إنَّ الله قد حرَّم
_________________
(١) في المطبوع من سنن الترمذي (ط أحمد شاكر ٢/ ٢٧١)، و(ط بشار ١/ ٤٣٨)، وفي تحفة الأشراف (٩/ ٣١٤): "حسنٌ غريبٌ". وقد صحَّح الحديث الحاكم عقب إخراجه له (١/ ٣٩٤)، وابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٢٢٩)، وأحمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي (٢/ ٢٧٢)، والألباني في الصحيحة (١٣٥٨) بمجموعِهِ، وغيرهم.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣)، وأبو داود (٣١١٦)، والحاكم (١/ ٥٠٣)، وغيرهم، من طريق صالح بن أبي عريبٍ عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل مرفوعًا. وقد صحَّحه الحاكم عقبه، وابن الملقن في البدر (٥/ ١٨٩) وحسَّنه الألباني بطرقه في الإرواء (٦٨٧). وأعلَّه ابن القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٤/ ٢٠٦) بجهالة ابن أبي عريبٍ. قال الحافظ في التلخيص الحبير (٢/ ١٠٣): "تُعقِّب بأنَّه روى عنه جماعةٌ، وذكره ابن حبان في الثقات".
(٣) أخرجه مسلم (٢٦)، وغيره، من حديث عثمان بن عفان ﵁.
(٤) "وفي لفظ … الجنة" ليست في ض.
(٥) البخاري (٤٢٥)، وأخرجه مسلم (٣٣) بنحو لفظه.
(٦) ض وهـ وط: "عتاب"، وصُحَّح في هامش هـ بما أثبتُّه.
[ ٤٦ ]
على النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله".
وفي حديث الشَّفاعة: يقول الله ﷿: "وعزَّتي وجلالي لأخرجَنَّ من النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله". وفيه: "فيخرج من النَّار (^١) مَنْ لم يعمل خيرًا قطُّ" (^٢).
وفي "السُّنن" (^٣) و"المسانيد" (^٤) قِصَّة صاحب البطاقة، الذي تُنْشَر (^٥) له تسعة وتسعون سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ منها مدَّ البصر، ثم
_________________
(١) "من النَّار" ليست في س.
(٢) حديث الشَّفاعة سيق بألفاظٍ مختلفةٍ، وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عدَّةٍ من الصَّحابة، كأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنسٍ، وغيرهم ﵃. فأمَّا جملة: "وعزَّتي وجلالي" فهي في حديث أنسٍ ﵁ عند البخاري (٧٥١٠) بلفظ: "وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها .. " وعند مسلم (١٩٣) نحوه. وأمَّا جملة: "لم يعملوا خيرًا قط" فهي في حديث أبي سعيد ﵁، عند البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). وهذا لفظ مسلمٍ. ولفظ البخاري: "فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدَّموه".
(٣) الترمذي (٢٦٤١)، وقال: "حسنٌ غريبٌ"، وابن ماجه (٤٣٠٠). وأخرجه الحاكم (١/ ٥٢٩) وابن حبان (٢٢٥) وغيرهم، من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵁ به. وقد صحَّحه ابن حبَّان والحاكم، والألباني في الصَّحيحة (١٣٥).
(٤) مسند أحمد (٢/ ٢١٣)، مسند عبد بن حميد (٣٣٩)، وغيرهما.
(٥) س: "ينشر".
[ ٤٧ ]
تخرج له بطاقةٌ، فيها (^١) شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، فترجح سيِّئاته (^٢).
ولم يذكر في البطاقة غير الشَّهادة، ولو كان فيها غيرها لقال: "ثم تخرج (^٣) له صحائف حسناته فتوزن سيِّئاته (^٤) ". ويكفينا في هذا قوله: "فيخرج من النَّار من لم يعمل خيرًا قط"، ولو كان كافرًا لكان مخلَّدًا في النار غير خارجٍ منها.
فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التَّكفير، والتَّخليد، وتوجب من الرجاء (^٥) له ما يُرْجى لسائر أهل الكبائر.
قالوا: ولأنَّ الكفر جُحُود التوحيد، وإنكار الرسالة والمعاد، وجَحْد ما جاء به الرسول، وهذا يقرُّ (^٦) بالوحدانية، شاهدًا أنَّ محمدًا رسول الله، مؤمن بأنْ الله يبعث مَن في القبور= فكيف يُحْكَم بكفره والإيمان هو التَّصديق، وضدُّه (^٧) التَّكذيب، لا ترك العمل؟ فكيف يُحْكَم للمصدِّق بحكم المكذِّب الجاحد؟
_________________
(١) س وط: "يخرج له". س: " .. بطاقةٌ فيه".
(٢) ض: "بسيِّئاته".
(٣) ليس في هـ: "لقال". س: "يخرج".
(٤) س وض: "بسيِّئاته".
(٥) هـ وط: موجب، ض: "ويوجب الرجاء".
(٦) س: "مقر".
(٧) ض: "وضد".
[ ٤٨ ]