وأيضًا: فإنَّ هذه المباني من حقوق الإسلام، والنَّبيُّ ﷺ لم يُؤْمَر برفع القِتَال إلَّا عمَّن التزم كلمة الشهادة وحقَّها، وأخبر أنَّ عِصمة الدَّم لا تثبت إلَّا بحقِّ الإسلام؛ فهذا القتال للفئة الممتنعة.
والقتل للواحد المقدور عليه إنَّما هو لترك (^١) حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصحُّ الأقوال.
والرِّواية الثَّانية: لا يُقتل بترك غير الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة عبادة بدنيَّة لا تدخلها (^٢) النِّيابة بحال، والصَّوم والحج والزَّكاة (^٣) تدخلها النِّيابة، ولقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْن شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلَّا الصَّلاة" (^٤).
ولأنَّ الصَّلاة قد اختصَّت من سائر (^٥) الأعمال بخصائص ليست
_________________
(١) س: "كترك".
(٢) ض: "يدخلها"، وكذا في الموضع التالي.
(٣) ط: "والحج والصوم والزكاة".
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٩٤٨) من طريق بشر بن المفضل عن الجريري عن عبد الله بن شقيق به. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢) من طريق بشرٍ عن الجريري لكنه جعله عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة، وصحَّحه، وقال الذهبي: "إسناده صالحٌ"، وصحَّحه الألباني في الصَّحيحة ضمن الحديث (٨٧).
(٥) س: "من بين سائر".
[ ٣٦ ]
لغيرها؛ فهي أول ما فرض الله من الإسلام؛ ولهذا أمر النَّبيُّ ﷺ نوَّابَه ورسلَه (^١) أنْ يبدؤوا بالدَّعوة إليها بعد الشَّهادتين (^٢)؛ فقال لمعاذٍ: "إنَّك ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فلْيكن أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك فأعلمهم (^٣) أنَّ الله تعالى فَرَض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" (^٤) الحديث (^٥).
ولأنَّها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله.
ولأنَّ الله فرضها في السماء ليلة المعراج.
ولأنَّها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، ولأنَّ أهل النَّار لمَّا سُئِلُوا (^٦): ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر/٤٢] لم يبدؤوا بشيءٍ غير ترك الصلاة.
ولأنَّ فرضَها (^٧) لا يسقط عن العبد بحال دون حال (^٨) ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنَّها تجب (^٩) في حال دون حالٍ.
_________________
(١) ض وس: "رسله ونوَّابه".
(٢) ض وس: "الشهادة".
(٣) "فإنْ .. فأعلمهم" ليست في هـ وط. وفي س: "أطاعوا لك بذلك .. ".
(٤) أخرجه البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩).
(٥) "الحديث" ليست في هـ وط.
(٦) ط: "يسألوا".
(٧) ض: "ولأنَّ الله فرضها".
(٨) "دون حال" ليست في س.
(٩) "فإنَّها تجب" ليست في ط، وفي هـ: "فتجب".
[ ٣٧ ]
ولأنَّها عمودُ فُسْطاط الإسلام، وإذا سقط عمود الفُسْطاط وقع (^١) الفُسْطاط.
ولأنَّها آخر ما يُفْقد من الدِّين.
ولأنَّها فرضٌ على الحُرِّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصَّحيح والمريض، والغني والفقير.
ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن أنس: "لم يكن رسول الله ﷺ يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بإقام الصلاة (^٢) وإيتاء الزكاة" (^٣).
ولأنَّ قبول سائر الأعمال موقوفٌ على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صومًا، ولا حجًّا، ولا صَدقةً، ولا جهادًا، ولا شيئًا من الأعمال؛ كما قال عون بن عبد الله: "إنَّ العبد إذا دخل قبره سُئِل عن صلاته أول
_________________
(١) هـ وط: "فوقع".
(٢) س: " .. من يجيب إلى الإسلام إلَّا بالتزام إقام الصلاة … ".
(٣) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (١٢) من طريق عروة بن مروان الخزاز [كذا! والصَّواب: الجرَّار] العِرْقي ثنا عمير [كذا! ولعلَّ الصَّواب: عمر] بن المغيرة عن أبي العوَّام عن قتادة عن أنسٍ ﵁ به. وفي إسناده أبوالعوَّام، فإن كان عمران بن دَاوَر القطَّان فقد ضعَّفه ابن معين وأبوداود والنَّسائي، وقال ابن عديٍّ: يُكْتَب حديثه. يُنْظَر: تهذيب الكمال للمزِّي (٢٢/ ٣٢٨)، والميزان للذَّهبي (٣/ ٢٣٦). وفيه أيضًا: عروة بن مروان، قال الدَّارقطني: ليس بقويٍّ في الحديث، يُنْظَر: الميزان للذَّهبي (٣/ ٦٤).
[ ٣٨ ]