١ - مسائل أطال النَّفَس فيها، وعرض الخلاف وأدلَّة الأقوال ومناقشتها ونقضها.
_________________
(١) السَّلسلة الضَّعيفة (١٢٥٧).
[ ١٧ ]
٢ - مسائل أشار إليها وأجمل القول فيها، وهذا الإجمال إمَّا نسبيٌّ، وذلك بعرض شيءٍ من التفصيل الذي لا يصل إلى الإسهاب كما في النوع الأول، وإمَّا مطلقٌ بأن يلمح إلى الخلاف فيها ويكتفى بذكر عدد الأقوال فيها، دون خوضٍ في تفاصيل ذلك.
* أمَّا المسائل الخلافيَّة - الفقهية أو الحديثية - التي أطال النَّفس فيها، بذكر الأقوال والقائلين وحجج كل طائفة، ثم مناقشتها، وقد يرجِّح أحد هذه الأقوال= فمثالها: مسألة قتل تارك الصلاة، ومسألة كيفيَّة قتله، ومسألة كفره، وهل يُسْتَتاب أم لا؟ وبماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟، ومسألة هل يقتل حدًّا … أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ؟، ومسألة هل تجب المبادرة إلى فعلها على الفور حين يستيقظ ويذكر، أم يجوز له التَّأخير، ومسألة هل ينفعه قضاء الصلاة إذا تركها عمدًا حتى خرج وقتها؟ والكلام عن حكم صلاة الجماعة من حيث إنَّها شرط لصحة الصلاة أم لا، وهل له أن يؤدِّيها في بيته أو يلزمه أداؤها في المسجد، وبطلان صلاة من ترك الطمأنينة في الصلاة، وغيرها
من المسائل.
* وأمَّا المسائل التي أشار إلى الخلاف فيها= فمثالها: مسألة استتابة المرتدِّ، وحكم منْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، واختلافهم في معنى السَّهْو، ومسألة حكم الفِطر في السَّفر،
[ ١٨ ]
ومسألة مَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، وغيرها من المسائل.
* ومن أهمِّ المسائل التي عرض لها المصنِّف وأطال الكلام فيها تحريره لمسألة الإيمان، وعلاقة ذلك بحكم تارك الصلاة بالكليَّة، حيث بيَّن المؤلِّف ﵀: «أنَّ معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر».
* ويمكن إيجاز كلامه في هذه القضيَّة في الآتي:
١ - نقل إجماع أهل السُّنَّة على زوال الإيمان بزوال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق، وبيَّن أنَّ من أمحل المحال أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ.
وأنَّ لازم عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ ولازم انقياد القلب انقياد الجوارح.
وأنَّ الإيمان ليس هو التَّصديق المجرَّد باعتقاد صِدْق المخبر، بل التَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين: اعتقاد الصِّدق، ومحبَّة القلب وانقياده، فعلى هذا يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها.
[ ١٩ ]
٢ - وأنَّ الكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر. وأنَّ الإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي، والعملي لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما أنَّ النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.
وأنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ.
٣ - ثم بيَّن أنَّ من أتى بعض شعب الإيمان وترك بعضها فقد ينفعه ما أتاه في عدم الخلود في النَّار إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي، وإنْ كان المتروك شرطًا في اعتباره لم ينفعه.
وأنَّ شعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك.
والأدلَّة التي ذكرها وغيرها تدلُّ على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. وأنَّ الرَّاجح هو كفر تارك الصلاة متهاونًا وهو مصرٌّ على تركها، وتعجَّب من الشَّاكِّين في كفره، مع كونه دُعِي إلى فعلها على رؤوس الملأ، والسَّيف على رأسه للقتل، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك وهو يقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!
وقد ناقش المؤلِّف ﵀ أكثر أدلَّة القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وما لم يناقشه ﵀ فإنَّه يُرَدُّ عليه بالقواعد التي ذكرها ممّا تقدَّم إيجازه آنفًا.
[ ٢٠ ]
* وممَّا ترك المؤلِّف ﵀ الجواب عليه ما قد يحتجُّ به بعض القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وهو قوله ﷺ: «لم يعملوا خيرًا قط»، وهو الوارد في شفاعة المؤمنين وخروجهم من النَّار يوم القيامة.
وفي لفظٍ من ألفاظ هذا الحديث: «وإذا رأوا أنَّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا كانوا يصلُّون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا - وفي روايةٍ: ويحجُّون معنا - فيقول الله تعالى: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من إيمانٍ، فأخرجوه، ويحرِّم الله صُوَرَهم على النَّار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النَّار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عَرَفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عرفوا، ثُمَّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيخرجون مَن عَرَفوا». إلى أن قال: «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا (^١)، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة»، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل ..». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن،
_________________
(١) أي: احترقوا، والمَحْشُ: احتراق الجِلد وظُهور العَظم، كما في النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٠٢) وغيره.
[ ٢١ ]
أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» (^١).
فقوله في هذه الجملة: «أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه» قد ورَد في سياق شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وقدجاءت في رواياتٍ وألفاظٍ مختلفة في الصَّحيحين، ولو تأمَّلْنا كلَّ هذه الرِّوايات وألفاظها المختلفة تبيَّنَ لنا المعنى الصَّحيح لها، والفهم الصائب الموافق لما ذهب إليه أهل السُّنَّة من أنَّ الإيمان لا ينفع صاحبه دون عملٍ، وأنَّ الرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا، ويدلُّ على أنَّ المُخْرَجين من النَّار بشفاعة الشَّافعين إنَّما كانوا من أهل الصَّلاة، كما سيأتي بيانه.
فإنْ احتجَّ محتجٌّ بمفهوم ما تقدَّم في لفظ الحديث، من أنَّ هؤلاء الذين شَفَع فيهم إخوانُهُم لم يكن لهم من الإيمان إلَّا شيءٌ ضئيلٌ، مثقال دينار أوأقل، وهذا يدلُّ على قِلَّة أعمالهم أوندرتها في الدنيا، وأنَّهم قد فرَّطوا في كثيرٍ من الواجبات، ومن جملتها الصلاة؛ فتبيَّن من هذا أنَّ تارك الصلاة سيكون من هؤلاء الخارجين بالشفاعة ولا ريب.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣). وهذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «فيقول الله عزَّوجل شفَعَت الملائكةُ وشفَعَ النبيُّون وشفَعَ المؤمنون، ولم يبق إلَّا أرحم الرَّاحمين، فيقبض قبضةً من النَّار، فيُخْرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا ..».
[ ٢٢ ]
وأنه يمتنع أن يكون لهؤلاء هذا القدر اليسير من الإيمان ثم يظنُّ أنَّهم من أهل الصلاة؛ إذ يُقال: أين ذهب ثواب الصَّلاة الكثير لو كانوا من المصلِّين؟
= فالجواب عن هذا من وجوهٍ:
الأول: أنَّ المفهوم يفسد بمعارضة منطوق الحديث له؛ فقد دلَّ منطوق الحديث صراحةً على أنَّ هؤلاء المشفوعين كانوا من المصلِّين؛ حيث إنَّه ذكر كلام الشُّفعاء وأنَّهم قالوا لربِّهم للشفاعة في إخوانهم: «ربَّنا إخواننا، كانوا يصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا ..».
ففي هذا النصِّ ما يصرِّح أنَّ هؤلاء الموصوفين بهذا القدر الضَّئيل من الإيمان كانوا يصلُّون مع إخوانهم، ويعملون معهم في الدنيا، فلم يبق لذاك المفهوم قوَّة يحتجُّ بها.
الوجه الثاني: يُجاب عمَّا ذُكِر من أنَّ وصف أهل الصلاة والصيام
_________________
(١) وثوابهما عظيمٌ عند الله - بهذا القدر اليسير من الإيمان في قلوبهم ممتنعٌ، وأنَّه لا يمكن دفع هذا إلا بافتراض كونهم تاركين للأعمال في الدنيا =بأنَّه غير مسلَّمٍ؛ إذ لا يمتنع أنَّ يكون ثواب تلك الأعمال قد ذهب بالمقاصَّة والحساب، أوبالحبوط في الدنيا؛ فصار فاعلوها شبْهَ من لم يعمل خيرًا قط، لا صلاةً ولا صيامًا، ولا غير ذلك. ويدلُّ على هذا المعنى دلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال ﷺ: «إنَّ المفلس من
[ ٢٣ ]
أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضَرَب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَت حسناته قبل أنْ يقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّار».
فسُمِّي هذا الرجل عياذًا بالله «مفلسًا» باعتبار مآله، مع إثبات العمل له، من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ؛ لكن لمَّا ذهب ثوابها صحَّ أن يوصف بالإفلاس.
فإذَنْ .. لا يصحُّ فهم لفظ الحديث الماضي بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون ابتداءًا، بل كانوا يصلُّون، لكنَّ الله قضى عليهم دخول النَّار بأعمالهم التي أَبْطَلت أو أَذْهَبَت ثواب صلاتهم.
الوجه الثالث: أنَّ ممَّا يؤكِّد على هذا المعنى أيضًا وصف هؤلاء بالسُّجود، وذلك في قوله: «حتى إذا فَرَغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممَّن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممَّن يقول: «لا إله إلا الله»، فيعرفونهم في النَّار، يعرفونهم بأثر السُّجود؛ تأكل النَّار من ابن آدم إلا أثر السُّجُود، حرَّم الله على النَّار أن تأكل أثر السُّجود ..».
فتبيَّن من هذا أنَّ هؤلاء المُخْرَجِين كانوا يصلُّون، وأنَّ النَّار أكلت صورهم ولكن بقيت آثار السجود، الدَّالة على أنَّهم كانوا من المصلِّين
[ ٢٤ ]
في الدنيا؛ إذْ يقال: لو لم يكونوا من أهل الصلاة كيف تكون لهم آثار سجود؟ وأيُّ سجود فعلوه حتَّى تبقى آثاره على صورهم؟!
الوجه الرابع: أمَّا استدلالهم بقوله في آخر الحديث: «فيقول الجبَّار: بقِيَت شفاعتي، فيقبض قبضةً من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتَحَشُوا، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يُقَال له «ماء الحياة»، فينبتون في حافتَيْه كما تنبت الحِبَّة في حميل السَّيل ..». إلى أن قال: «فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن، أدخلهم الجنَّةَ بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، فيُقَال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» =وأنَّ النَّبي ﷺ وصفهم بأنَّهم يدخلون الجنَّة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه، وأنَّه يدلُّ على أنَّ تارك الصلاة داخلٌ في مثل هذا الوعد بالخروج من النَّار مآلًا.
فالجواب: أنَّه لا يفهم من قوله: «بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قَدَّموه»، وفي رواية مسلم: «لم يعملوا خيرًا قط» = نفي حصول العمل منهم مطلقًا؛ بل نفي تمامه أوحصول ثوابه أوبقائه لهم. ومثل هذا الاستعمال سائغٌ في لغة العرب، وبه جاءت بعض النصوص.
وممَّا يؤكِّد هذا الاستعمال عندهم، وأنَّه ليس المراد به ظاهره من نفي الخيريَّة والعمل مطلقًا حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدُّنيا من أهل النَّار يوم القيامة فيُصبغ في النَّار صبغة، ثُمَّ
[ ٢٥ ]
يُقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ..» الحديث (^١).
فهذا الرَّجُل مع كونه من أنعم أهل الدُّنيا أجاب عن قوله: «هل رأيت خيرًا، هل مرَّ بك نعيمٌ قط» فقال: لا.
قال الإمام ابن خزيمة ﵀: «هذه اللفظة: «لم يعملوا خيرًا قط» من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتَّمام، فمعنى هذه اللَّفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التَّمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأُمِر به» (^٢).
الوجه الخامس: أنَّ البيِّن عند النَّظر في جميع الرِّوايات عمَّن يصبُّ الله عليهم ماء الحياة من هؤلاء المُخْرَجين، وأنَّهم ينبتون نبات الحِبَّة في حميل السَّيل، وهم من آخر من يخرج من النَّار، وهم الذين يخرجهم الله بشفاعته هو ﷾ =أنَّ هؤلاء قد ورَد النَّصُّ على أنَّهم إنَّما يُخرجُون بأمر الله للملائكة، وأنَّهم يُعرفون بآثار السُّجود.
وقد تقدَّم بيان موضع الشاهد من هذه اللَّفظة، وأنَّهم إنَّما وُصِفُوا بذلك لأنَّهم كانوا يُصلُّون؛ إذ لو لم يكونوا قد صلَّوا لله لم يصحَّ أن تكون لهم آثار للسُّجود.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٠٧).
(٢) كتاب التوحيد (٢/ ٧٣٢)، وينظر مثله في كلام أبي عبيد القاسم بن سلَّام في الإيمان (ص/٤١).
[ ٢٦ ]
الوجه السادس: إنْ قيل: فليس في هذه المرَّة أنَّهم يُعرفون بآثار السُجُود، وأنَّ الله قد قبضهم من النَّار قبضةً أوقبضتين، فالجواب: أنَّ هذا يُردُّ على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال إنَّ الملائكة إنَّما يخرجون مَنْ يُعرفون بآثار السُّجود ممَّن يقبضهم الله من النَّار قبضةً.
وبهذا يتلاءم سياق كلِّ هذه الرِّوايات.
الوجه السابع: أنَّه من المعلوم أنَّ العقائد والقواعد لا تُبْنَى على أفراد النُّصوص أومجملها أومطلقها بالإعراض عن مجموعها أو مبيِّنها أومقيِّدها.
ولا نصَّ صريح على أنَّ شفاعة المؤمنين أوالنَّبيين أوالملائكة أوربِّ العالمين كانت لغير المصلِّين، غير التعلُّق بجملة: «بغير عمل عملوه» و«لم يعملوا خيرًا قط»، وقد تقدَّم المعنى الصَّحيح لهاتين الجملتين.
ولو أنَّنا حملنا ما أُجمل على ما بُيِّن، والمتشابه إلى المحكم، ونظرنا إلى مجموع النصوص، مع ملاحظة أنَّ ذلك هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان لزال الإشكال.
والجمع إذا أمكن واحتمل أن يكون على وجهين أوأكثر يكون الرَّاجح منه ما كان موافقًا لمذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها ممَّا قد يكون فيها شيءٌ من المتشابه.
[ ٢٧ ]
* وعودًا على بدءٍ، فإنَّ ممَّا بحثه المؤلِّف ﵀ في كتابه ممَّا يأتي بعد هذه المسألة في الأهميَّة والطُّول والإسهاب مسائل أخرى، منها: المسألة الحادية عشرة، وهي مقدار صلاة رسول الله ﷺ وسياق صفتها من حين استقباله القبلة إلى حين سلامه، حيث أطال الكلام فيها جدًّا، حتَّى أخذت ما يقارب ثلث الكتاب، وهو ثلثه الأخير، والثلث كثير!
وقد قال المصنِّف ﵀ مؤكِّدًا على أهميَّة هذا المسألة وسياقه الحُجَّة لنفسه في الإطالة فيها أكثر بالنِّسبة إلى غيرها: «فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب» (^١).
* وقد أدرج ﵀ تحت هذه المسألة مسائل وفوائد كثيرة، يمكن إجمالها في الآتي:
١ - كلامه عن سُنيَّة الاعتدال في أفعال الصَّلاة وأقوالها، في القيام والركوع والسجود والاعتدال والقيام منهما.
٢ - تفصيله الكلام في قدر قراءته ﷺ في كلِّ صلاة من الصلوات الخمس واعتداله في هيئات الصلاة، والردِّ ضمنًا على من أسماهم
_________________
(١) ينظر (ص/٢٨٩).
[ ٢٨ ]
بالمخفِّفين والنقَّارين من الأئمَّة والمأمومين، ثم سرده لحججهم، وعقد مناقشة بينهم وبين من أسماهم بالمطوِّلين، وهم المقتدون بسنَّة خير المرسلين ﷺ.
٣ - كلامه الماتع عن بعض أسرار الصلاة، أقوالها وأفعالها، والمعينة على الخشوع فيها، بتأمُّل الحكمة منها؛ حيث ذكر معاني أسرار الأذكار المشروعة فيها، كالتكبير، والاستفتاح، والفاتحة، وأذكار الركوع والسجود والتشهد والسلام.
٤ - كلامه عن بعض معاني التَّوحيد المضمَّنة تحت معاني تلك الأذكار الآنف ذكرها.
٥ - بيان معنى التنطُّع والتعمُّق المنهي عنه، والتَّفريق والفصل بينه وبين التَّطويل المرغوب فيه في الصلاة، اقتداءً بسنَّة رسول الله ﷺ.
٦ - ذكره جملةً كبيرةً من سُنن الصَّلاة - القوليَّة والفعليَّة ـ، وقد تطرَّق فيها ضمنًا إلى بعض المسائل الخلافيَّة، كمسألة الخرور إلى السُّجود باليدين أوالرُّكبتين، والكلام عن القُنُوت في الصَّلاة، من جهة مشروعيَّته في الصلوات كلها أوبعضها، وموضعه بعد الركوع أوقبله.
٧ - توسَّطَ ﵀ في كلامه عن الأذكار المشروعة بعد الصَّلاة.
٨ - كلامه عن السُّنن الرَّواتب المشروعة في الصَّلوات الخمس، والسُّنة في قيام اللَّيل.
[ ٢٩ ]