ويمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين:
أ - الأيام المُحرَّم صيامُها بعينها.
وهي خمسة أيام: يوم عيد الفطر (١ شوال) ويوم عيد الأضحى: يوم النحر (١٠ ذي الحجة)، وثلاثة أيام التشريق (٧٣)، وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
«نهى النبيُّ ﷺ عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر» (٧٤) .
وقال رسول الله ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكرٍ لله» (٧٥) .
وقال ﵊: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدُنا أهلَ الإسلام، وهن أيامُ أَكْلٍ وشُرْب» (٧٦) .
ويلحظ هنا - ضرورةً - أن الحاجَّ إذا كان متمتعًا بالعمرة إلى الحج، أو كان قارنًا لهما، ثم لم يجد
_________________
(١) أيام التشريق، هي الأيام المعدودات، وهي أيام منى، (١١-١٢-١٣) من ذي الحجة، وهي التالية ليوم النحر، وسميت بذلك لأنهم كانوا يشرِّقون فيها لحوم الأضاحي، أي يعرِّضونها للشمس فتكون قديدًا يُنتفع به، أو لأنهم يشرُقون (أي يحتسون) فيها مرق اللحم، والله أعلم.
(٢) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الفطر، برقم (١٩٩١) . ومسلم؛ كتاب الصيام، باب: النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، برقم (٨٢٧) . واللفظ لمسلم ﵀.
(٣) أخرجه مسلم؛ كتاب الصيام، باب: تحريم صوم أيام التشريق، برقم (١١٤١)، عن نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ ﵁.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁، برقم (١٧٥١٤) . ويشار هنا إلى أن صوم عرفة يكره للحاجِّ في عرفة، وهو مشروع بل مستحب لغيره.
[ ٥٣ ]
الهَدْي [دم التمتع والقِران] فإنه يباح له الصيام في هذه الأيام.
لما روى البخاري ﵀: «لم يرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن، إلا لمن لم يجد الهدي» (٧٧) .
وقال عبد الله بن عمر ﵄: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج، إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديًا ولم يصم، صام َأيام منى) (٧٨) .
ب - الصيام المحرّم، لعلةٍ توجب ذلك، ومنه:
١- صيام المرأة الحائض أو النُّفَساء.
فإن المرأة في حالتَيْ الحيض والنفاس، يسقط عنها وجوب أداء الصوم في رمضان، ويحرم عليها الصيام مطلقًا، ولا ينعقد صومها، فإذا صامت أثمت، ولم يصح صومها. ثم إذا طهرت وجب في حقها القضاء للصوم لا للصلاة، وذلك منعًا للحرج في قضاء الصلاة، حيث إن الصلاة تتكرر يوميًا خمس مرات،
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: صيام أيام التشريق، برقم (١٩٩٧)، عن عائشة ﵂، وبرقم (١٩٩٨)، عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاري - في الموضع السابق - برقم (١٩٩٩)، عن عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٥٤ ]
فسقط وجوب أدائها تيسيرًا، أما الصوم، فإنه قليل ولا حرج في قضائه، لذا، فقد أمرت بالقضاء، فتقضيه ولو في شعبان، ومما يجدر ذكره هنا أن الأَوْلى في حق الحائض والنفساء أن يكون فطرهما خفيةً، لأن سبب فطرهما خفي، فناسب ذلك حالهما، والله أعلم.
قال النبيُّ ﷺ: «أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم؟، فذلك نقصان دينها» (٧٩) .
وتقول أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: «كان يصيبنا ذلك - أي الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٨٠) .
وتقول ﵂ أيضًا: «كان يكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضيَ إلا في شعبان» (٨١) .
٢- ومن الصيام المُحرَّم لعلة: صيام المرأة تطوعًا من غير إذن زوجها.
(ورد النهي للمرأة أن تصوم تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه، وذلك لحاجة الاستمتاع، فلو صامت بدون
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد ﵁: أخرجه البخاري - هكذا مختصرًا -؛ كتاب الصوم، باب: الحائض تترك الصوم والصلاة، برقم (١٩٥١)، كما أخرجه مطولًا؛ كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم، برقم (٣٠٤) . ومسلم مطوّلًا باختلافٍ، كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم (٨٠) . واللفظ المختار للبخاري. ولفظ مسلم ﵀: «وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانَ الدِّينِ» .
(٢) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: لا تقضي الحائض الصلاة، برقم (٣٢١) . ومسلم؛ كتاب: الحيض، باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، برقم (٣٣٥) . واللفظ لمسلم ﵀.
(٣) متفق عليه، من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: متى يُقضى قضاءُ رمضان، برقم (١٩٥٠)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: قضاء رمضان في شعبان، برقم (١١٤٦) .
[ ٥٥ ]
إذنه جاز له أن يُفطِّرها إن احتاج إلى الجماع، فإن لم يكن له بها حاجة كُرِه له منعها إذا كان الصيام لا يضرُّها ولا يعوقها عن تربية ولد ولا رضاع ونحوه، سواء في ذلك الست من شوال أو غيرها من النوافل) (٨٢) .
قال رسول الله ﷺ: «لا تَصُمِ المرأةُ وبعلُها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقَتْ من كسبه من غير أمره فإن نصفَ أجرِه له» (٨٣) .
٣- ومنه أيضًا صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.
وذلك لعموم دلالة النصوص الشرعية على وجوب الحفاظ على الضرورات ومنها النفس، ومن أدلة ذلك:
- قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . [النِّسَاء: ٢٩]
- وقوله ﷿: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . [البَقَرَة: ١٩٥]
_________________
(١) هذا نص فتوى للعلاّمة الشيخ عبد الله الجبرين - حفظه الله -. انظر: فتاوى الصيام، جمع أحمد المديفر. ص ٧٢.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: النكاح، باب: لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه، برقم (٥١٩٥) . ومسلم بلفظه، كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه، برقم (١٠٢٦) . [والحديث محمول - كما لا يخفى - على من تطوّعت بصوم؛ وتعليل ذلك أن مراعاة حق الزوج عليها مُستصحَب دائم، فلو سُوِّغ لها الصوم بغير إذنه لكان ذلك منعًا للزوج من حقه] . انظر: المُفهِم شرح صحيح مسلم للقرطبي (٤/١٧٢٧) .
[ ٥٦ ]
فائدة:
العبرة في تقرير الأحكام - كما لا يخفى - إنما تكون بعموم لفظ النص الشرعي، لا بخصوص سبب نزوله، (ومضمون الآية - بعمومها -: الأمرُ بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوِّهم، والإخبار بأن المسلم إذا لازم تَرْكَ ذلك واعتاده، تسبَّب لنفسه هلاكًا، وأَوْردها مورد العذاب. لكن خصوص السبب أنها نزلت في منع الرجل للنفقة في سبيل الله، فكانت التهلكة بعدها في إيثار الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد] (٨٤) .
ومما يستدل به على وجوب حفظ النفس كذلك عموم قول النبيِّ ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (٨٥) .
***
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ص ٢٠٠، ط - بيت الأفكار.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/٧٤٥)، مرسلًا من حديث يحيى المازني ﵀. وله شواهد موصولة يتقوى بها، منها ما أخرجه أحمد في مسنده - بزيادةٍ فيه - برقم (٢٨٦٧)، وابن ماجه - بلفظ: «وَلاَ إِضْرَار» - برقم (٢٣٤١)، كلاهما عن ابن عباس ﵄. وعن عبادة بن الصامت عند ابن ماجه أيضًا، برقم (٢٣٤٠)، وبلفظ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى أَنْ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَار) . والحديث حسّنه النووي في الأربعين - عند الحديث الثاني والثلاثين - وقال: له طرق يقوي بعضها بعضًا. اهـ. ومعنى (لا ضرر)، أي: لا يضر إنسان أخاه، (ولا ضرار)، أي: لا يجازي مَنْ ضَرَّه بإدخال الضُّرِ عليه، بل يعفو. انظر: موطأ مالك، بتعليق محمد فؤاد عبد الباقي (٢/٧٤٥) .
[ ٥٧ ]