أما تأريخ تشريع فريضة الصوم فقد كان ذلك في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة الشريفة، على الكيفية التي استقر عليها، وقد صامه النبيُّ ﷺ تسعَ سنين.
أما كيفيته التي استقر عليها، فهي: الامتناع عن المُفطِّرات من طلوع الفجر الصادق من يوم الصيام إلى غروب شمس ذلك اليوم.
ومما يجدر ذكره هنا أن الصيام لم تكن كيفيته كذلك في بداية تشريعه!! فقد كان الأكل والشرب والجماع مباحًا ليلة الصيام، بشرط ألاّ ينام المبيِّت لنية الصيام - في تلك الليلة - قبل أن يُفطِر، كذلك ألاّ يصلِّيَ العِشاء الآخرة، فإن نام ثم قام من نومه، أو صلّى العشاء لم يُبَح له أكل أو شرب أو جماع، بقية ليله، حتى يُفطِر عند غروب شمس اليوم التالي!!
- أما عدم حِلّ الطعام له ليلة الصيام إذا نام قبل أن يُفطِر، فيدلّ عليه قول البراء ابن عازب ﵁:
[ ٢٣ ]
(كان أصحابُ محمَّدٍ ﷺ، إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطارُ فنام قبل أن يُفطِر، لم يأكلْ ليلته ولا يومَه حتى يُمسِي ) . (١٣)
- وكذلك يدل عليه حوادثُ متعددة، كان حدوثُها من بعض الصحابة ﵃ رحمةً للصائمين إلى يوم الدين؛ حيث كانت سببًا لنزول وحي يُتلى، كان فيه ترخيصٌ بالجماع وبالأكل والشرب ليلة الصوم، سواء نام - من بَيَّت نية الصوم - قبل أن يُفطِر، أو صلَّى العشاء الآخرة، أم لم يفعل أيًّا من الأمرين، ومن تلك الحوادث:
* ما حدّث به عبدُالله بن كعب بن مالك ﵁، عن أبيه: كان الناس في رمضانَ إذا صام الرجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطعامُ والشراب والنساء حتى يُفطِر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب ﵁ - من عند النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ وقد سَهِر عنده - فوجد امرأتَه قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: قول الله جلّ ذِكره: [البَقَرَة: ١٨٧] ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ﴾ . برقم (١٩١٥)، عن البراء بن عازب ﵁.
[ ٢٤ ]
نمتُ، قال: ما نمتِ! ثم وقع بها، فغدا عمرُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبره، فأنزل الله ﵎ قولَه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٤) . وقد حدث مثل ذلك مع كعب بن مالك نفسه ﵁.
* وقال البراءُ بن عازبٍ ﵁: (كان أصحاب محمّدٍ ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطِر، لم يأكل ليلته ولا يومَه حتى يُمسِي، وإن قيسَ بنَ صِرْمَةَ الأنصاريَّ ﵁ كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكنْ أنطلقُ فأطلبُ لك، وكان يومَه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشِي عليه،
_________________
(١) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، برقم (٥٠٦)، وأحمد في مسنده (٣/٤٦٠)، من حديث كعب بن مالك ﵁.
[ ٢٥ ]
فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٥) .
* وأما تحريم الطعام والشراب والنساءِ إذا صلّى العشاء الآخرة؛ فمما يُستدل به على ذلك: ما ورد من قول ابن عباس ﵄ - في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]-: إنّ المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صَلَّوا العِشاء حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسًا من المسلمين أصابوا من الطعام والنساء في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب ﵁، فشكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ
_________________
(١) تقدم تخريجه - آنفًا - بالهامش ذي الرقم (١٣) .
[ ٢٦ ]
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٧]
- وكذلك يُستدل له بقول القاسم بن محمد ﵀: إن بدء الصوم كان يصوم الرجل من عِشاء إلى عِشاء، فإذا نام لم يَصِل إلى أهله بعد ذلك، ولم يأكل ولم يشرب، حتى جاء عمر إلى امرأته، فقالت: إني قد نمت، فوقع بها، وأمسى قيسُ بنُ صِرْمة صائمًا فنام قبل أن يُفطِر، وكانوا إذا ناموا لم يأكلوا ولم يشربوا، فأصبح صائمًا وكاد الصوم يقتله، فأنزل الله ﷿ الرخصة، قال سبحانه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٦) .
وبذا استقرّ الأمر على حرمة المُفطِّرات من طعام وشراب وجماع، وذلك من تبيُّنِ الفجر الصادق إلى الليل، مع إباحتها طوال الليل، بعد أن كانت هذه الإباحة مُقيَّدة بعدم النوم، أو عدم صلاة العشاء، والله أعلم.
فائدة:
كلمة ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٧] هذه الكلمة هي أبلغ من كلمة تخونون التي تُفسَّر بها، وذلك لزيادة البناء، فزيادة المبنى دالَّة على زيادة المعنى، وتدل كلمة ﴿تَخْتَانُونَ﴾، على زيادة الخيانة، من حيث كثرة مقدمات الجماع، والله أعلم (١٧) .
_________________
(١) قول ابن عباس ﵄ أخرجه الطبري في تفسيره للآية (١٨٧) من سورة البقرة، من طريق علي بن أبي طلحة عنه. أما القاسم بن محمد - وهو من فقهاء المدينة المشهورين؛ روى عن عائشة ﵂، وممن روى عنه الإمام الزُّهْري ﵀ - فقد أخرج قولَه الواحديُّ في أسباب النزول ص (٥٢) .
(٢) انظر: نور الإيمان في تفسير القرآن (١/٢٦٧) للشيخ محمد مصطفى أبي العلا ﵀.
[ ٢٧ ]
مسألة:
ما المقصود بتبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾؟ [البَقَرَة: ١٨٧]
قال النبيُّ ﷺ: «إنما هو سواد الليل وبياض النهار» (١٨) .
وقال عليه والصلاة والسلام: «إن الفجر ليس الذي يقول هكذا - وجمع أصابعه ﷺ ثم نَكَسها إلى الأرض-، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المُسبِّحة على المُسبِّحة، ومدَّ يديه ﷺ (١٩) .
_________________
(١) جزء من حديث متفقِ عليه من حديث عديّ بن حاتم ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: قول الله تعالى: [البَقَرَة: ١٨٧] ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ﴾، برقم (١٩١٦) . ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم (١٠٩٠) .
(٢) متفقٍ عليه من حديث ابن مسعود ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب: الأذان قبل الفجر برقم (٦٢١) . ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بدخول الفجر، برقم (١٠٩٣) . واللفظ لمسلم ﵀.
[ ٢٨ ]
يتبيَّن مما ذُكر آنفًا أن تبيُّنَ الفجر الثاني الصادق، إنما يكون بتميّز بياض النهار من سواد الليل؛ لأن الفجر الأول الكاذب يبدو في الأفق، ثم يرتفع مستطيلًا، ثم يضمحلّ ويتلاشى، ثم يبدو بعده الفجر الثاني الصادق منتشرًا معترضًا في الأفق مستطيرًا، ويتميز فيه البياض والسواد في الأفق باستمرارهما وانتشارهما معترضَيْن، فيَحْرُم على الصائم عندها المُفطِّرات حتى دخول الليل، وذلك بغياب قرص الشمس بكماله في الأفق
هذا، ولما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾، [البَقَرَة: ١٨٧]
[ ٢٩ ]
ولم ينزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، [البَقَرَة: ١٨٧] فتبيَّن بذلك أن المقصود بالخيطين: خيط النهار وخيط الليل عند الفجر إذا اعترضا في الأفق - كما ذُكِر آنفًا - من بيان رسول الله ﷺ ذلك بقوله: «إنما هو سواد الليل وبياض النهار»، ومن تمثيله ﷺ لصورة الفجر الصادق بأصابعه الشريفة، وبإحالة المسلمين إلى سماع أذان عبد الله ابن أم مكتوم ﵁، فهو المُعْلِم بدخول الفجر الصادق، وليس أذان بلال بن رباح ﵁، وقد كان يؤذِّن بليل. قال رسول الله ﷺ: «إن بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (٢٠) .
ومما يجدر ذِكره - في ختام هذا المبحث - أن صيام يوم عاشوراء، لم يزل مشروعًا مأمورًا به على سبيل الندب، بعد أن خيَّر النبيُّ ﷺ بصيامه بعد افتراض رمضان، ومما يدلُّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتبِ الله عليكم صيامَه، وأنا
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب: الأذان قبل الفجر، برقم (٦٢٣)، عن عائشة ﵂، وفي كتاب الصوم أيضًا بمعناه. ومسلم؛ كتاب الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم (١٠٩٢) عن عبد الله بن عمر ﵄. وقال البخاري ﵀: قال القاسم - يعني ابن محمد الراوي عن عائشة ﵂ -: ولم يكن بين أذانهما إلاّ أن يرقى ذا وينزل ذا. اهـ. ومعنى (إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)، أي: إلاّ أن يعلو ابن أم مكتوم المكان الذي يؤذن عنده، وينزل بلال من المكان نفسه، فالوقت بين الأذانين - على ذلك - ليس متسعًا، كما لا يخفى.
[ ٣٠ ]
صائم، فمن شاء فليَصُم، ومن شاء فليُفطِر» (٢١)، وقوله ﵊: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» (٢٢) . بل إن النبيَّ ﷺ قد رغّب في صوم هذا اليوم وأكّد استحباب ذلك حتى في عام وفاته ﷺ، وعزم ﵊ على المداومة على صيامه ويومٍ قبله، مخالفة لاقتصار اليهود - من أهل خيبر - على تعظيم اليوم العاشر وتخصيصه بالصوم، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «فإذا كان العامُ المُقبِل، إن شاء الله، صُمنا اليومَ التاسع» (٢٣)، وقال ابن عباس ﵄: فلم يأت العامُ المُقبِل حتى توفيَ رسولُ الله ﷺ (٢٤) .
****
_________________
(١) متفق عليه من حديث معاوية ﵁: أخرجه البخاري بلفظه، كتاب الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، برقم (٢٠٠٣) . ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، برقم (١١٢٩) .
(٢) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١١) .
(٣) أخرجه مسلم؛ كتاب الصيام، باب: أي يوم يصام في عاشوراء، برقم (١١٣٤) عن عبد الله بن عباس ﵄.
(٤) قول ابن عباس ﵄ مُدْرَج في آخر الحديث السابق.
[ ٣١ ]