قال الإمام ابن القيم ﵀: [لما كان المقصودُ من الصيام حَبْسَ النفس عن الشهوات، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبولِ ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسر الجوعُ والظمأ من حِدَّتها وسَوْرتها، ويُذكّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويضيّق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، ويحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويُسكِّن كلَّ عضوٍ منها، وكلَّ قوةٍ عن جِماحه، وتُلجَم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرّبين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل
[ ١٨١ ]
شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذُّذِ ذاتِها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يَطَّلع عليه سواه، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المُفطِّرات الظاهرة، وأما كونُه ترك طعامَه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطَّلع عليه بَشَرٌ، وذلك حقيقة الصوم.
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِمْيَتِها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبَتْه منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] . وقال النبيُّ
[ ١٨٢ ]
ﷺ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» (٢٨٦)، وأَمَرَ ﷺ من اشتدت عليه شهوة النكاح - ولا قدرة له عليه - بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة (٢٨٧) .
والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودةً بالعقول السليمة، والفِطَر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحِمْية لهم وجُنَّة.
وكان هَدْي رسولِ الله ﷺ فيه أكملَ الهدي، وأعظمَ تحصيلٍ للمقصود، وأسهلَه على النفوس] (٢٨٨) . اهـ.
هذا ما وفّق الله تعالى ويسّر - بحمده - من جمعٍ وترتيبٍ لبعضٍ من فقه أحكام الصيام، وقد بذلت في ذلك وسعي، فما وُفِّقت فيه للإصابة فمن فضل الله تعالى، وما جانبتُ فيه الصوابَ، فلن أَعْدِمَ - إن شاء الله - قارئًا فاضلًا راسخًا في علمه، حريصًا على دينه، مخلصًا في نصحه، أديبًا في مقاله، يُقِيل عَثْرتي، وينضح عليَّ من إناء علمه ووعاء فقهه، فيشاركني بذلك الأجرَ، ويرفع لكتابي هذا القَدْر.
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١) .
(٢) يشير ﵀ إلى الحديث: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّومِ، فَإِنَّه لَهُ وِجَاء»، وهو في الصحيحين، انظر تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣١) .
(٣) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ﷺ، (٢/٢٨) .
[ ١٨٣ ]
هذا، وإني سائل الله تعالى أن يجعل ما كتبت خالصًا لوجهه الكريم، وأن يُثقِّل به ميزان حسناتي ووالديّ والمؤمنين والمؤمنات، وأن ينفعني وينفعَ بي كلَّ النفع، إنه سميع مجيب. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله سيّدِنا محمدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ، الرحمةِ المُهداة والنعمة المُسداة، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، والتابعينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وآخر دعوانا أنِ الْحمدُ لله ربِّ العالمين.
[ ١٨٤ ]