إن بداية الصيام وثبوت دخول شهره، يكون بأحد أمرين:
الأول: بقبول الإمام لرؤية شاهدٍ واحد عدل - على ما ذهب إليه أكثر أهل العلم - لهلال رمضان، وذلك في ليلة الثلاثين من شعبان، وبذا يكون شعبان في هذه الحالة تسعة وعشرين يومًا.
فإن لم تُمكِن الرؤية، لغيم أو قَتَر-غبار- ونحوه، أو لعدم ولادة الهلال بعد، أو لاستحالة وقوع الرؤية بعد الولادة إلا بعد انقضاء زمن محدد، بحيث يصير الهلال ذا حجم تمكن رؤيته معه، فإن لم تمكن الرؤية لما ذكر آنفًا، عند ذلك يكون الثبوت بالأمر الثاني، وهو: إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، ويُحكَم بعد ذلك - قطعًا - بدخول شهر رمضان، فإن الشهر القمري تسع وعشرون، وقد يكون ثلاثين يومًا، إلا أنه لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين.
[ ٦١ ]
قال رسول الله ﷺ: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٨٦) .
وقال ﵊: «إنا أمَّة أمِّية، لا نكتب ولا نحسُب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني تمام ثلاثين» (٨٧) .
وقال عبد الله بن عمر ﵄: (تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرت رسولَ الله ﷺ أني رأيتُه، فصامه وأمر الناس بصيامه) (٨٨) .
مسألة:
هل يدخل الشهر، أو يثبت الهلال بقول منجِّمٍ يَحسُب سَيْر القمر؟
إن الشارع الحكيم قد أناط الصوم والفطر - وكذا الحجَّ - برؤية الهلال، لا بمجرد ولادته أو وجوده،
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٦٥) .
(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: قول النبيِّ ﷺ: «لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُب»، برقم (١٩١٣) . ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم (١٠٨٠) . واللفظ للبخاري ﵀.
(٣) أخرجه أبو داود؛ كتاب الصيام، باب: في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، برقم (٢٣٤٢)، عن عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٦٢ ]
فالرؤية هي المُعوَّل عليه ابتداءً في إثبات الهلال، إلا أنه - كما لا يخفى - قد أمكن للمراصد الفلكية اليوم بحساب بالغ الدقة تحديدَ زمن ولادة الهلال، بل زمن إمكانية رؤيته في أمكنة محددة، واستحالتها في أمكنة أخرى في ذلك الزمن، ومع كون ذلك صحيحًا بدرجة كبيرة، إلا أن الشريعة نصت على أن الرؤية هي مناط التكليف، فيُعوَّل عليها إن تناقضت - فَرَضًا - مع حساب المراصد الفلكية، والحق أنه لا يمكن أن يتناقضا، لأن العلم المُتيقَّن الصحيح لا يتعارض بحال مع الخبر الصادق الموثوق، لكنْ من المقرر - في علم الفلك - أن الهلال إذا وُلد، فإنه لا يمكن رؤيته إلا بعد مرور زمن محدد يصل فيها إلى أدنى مستويات إمكان الرؤية، وهذا يدخل فيه كثير من العوامل الجوية والفلكية وغيرها، مما ينفي الضابط في ذلك أو - على الأقل - يجعل هذا الضابط غير مطَّردٍ لدى الفلكي، لذا لم نعمل بقوله في إثبات الهلال، وإن كثرت إصابته
[ ٦٣ ]
لصحة إمكان الرؤية، ويبقى أن التعويل على الرؤية هو الأصل، كما قررته الشريعة الغراء.