إن ما يعنينا في هذا المقام - فضلًا عن تبيان مُستحبّات الصوم - هو تلمُّس الحكمة البالغة التي
_________________
(١) المرجع السابق بالعزو نفسه.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/١٩٨) عن عبد الله بن عباس ﵄ وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ١١٠ ]
لأجلها شرع الصيام، وتشرفت بالعمل به الأمم جميعًا؛ إنها تحصيل تقوى الله تعالى، وزجُّ النفس البشرية في اختبار تهذيب، وميدان صبر، ومحطة ثبات، وتجربة ملموسة لمعرفة معنى الحق، والتجرد عن الهوى، وتحقق منزلة العبودية، ليستحيل العبد بعدها قادرًا على التحكم بدفة عواطفه وميوله، فيرى الكرامة الإنسانية لديه قد تجلّت في أبهى حُلّة، فلا تمر به لحظة - وهو صائم - إلا وصورة المحتاج ماثلة أمام ناظرَيْه قابعة في شغاف قلبه، فيهرع بعدها إلى التكافل معه طواعية وعبودية لله تعالى، هذا هو مسلك التقوى الحق، واقرأ - متدبرًا إن شئت - قولَ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] .
ولنأت بعد ما تقدم إلى بيان ما يُرجى تحقق التقوى به من مستحبات الصيام، وهي عشرة:
[ ١١١ ]
١- كفّ الجوارح عن المحرّمات: والمقصود بالجوارح جنود القلب؛ من لسان وعين وأذن ويد ورجل، فإن المعاصي أول ما تتعلق بالقلب فإن أُشرِبها وأحبّها ظهرت آثار ذلك معاصي ظاهرة على باقي الجوارح. فإنْ أحب العبدُ اللغوَ لغا، وإن استمرأ الكذب كَذَب، وإن راقَتْه غِيبةٌ اغتاب، وخلافه صحيح: إن أبغض القلبُ جميعَ ذلك كفّ اللسانُ عن غيبة ونميمة ولغو ومراء، ثم لازم السكوتَ واشتغل بمحابّ الله ومراضيه من ذِكْر وتلاوة وقول سديد وصدق لهجة، بل إن الصائم يبلغ به الحِلْم في قوله كلَّ مبلغٍ، فيغلب لسانُ حاله لسانَ مقاله، فلا يقابل الإساءة بمثلها، بل يترفع عن ذلك ذاكرًا صيامه، قال رسول الله ﷺ: «الصيام جُنّة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، مرتين» (١٢٥)، وقُلْ مثلَ ذلك في باقي الجوارح، فالصائم غاضٌّ من بصره غير ناظر إلى
_________________
(١) جزء من حديث متفق عليه، تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣٢)، واللفظ هنا للبخاري ﵀.
[ ١١٢ ]
ما يُذم ويُكره فضلًا عما يَحْرم، متوجه إلى النظر بآيات الله في كتابه وآياته في عجائب خلقه، وكذا سمعه متنزه عن سماع غيبة أو كذب أو فحش في كلام، وهو مقبل على سماع الخير من تلاوة ودرس علم، وموعظةٍ تذكّرُ الآخرةَ، ومثل ذلك امتثال اليد والرجل، بل وسائر الجوارح. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠-٧١]، انظر كيف ترتب صلاح العمل على سداد القول! وقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المَائدة: ٤٢]، وانظر كيف سوى سبحانه بين كثرة الاستماع للكذب وبين المبالغة في أكل المال الحرام! وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
[النُّور: ٣٠]، تدبَّر كيف كان غضُّ البصر سببًا لحفظ الفرج، وكان ذلك أدعى لتزكية النفس والسموِّ بها!
[ ١١٣ ]
وقال ﵊: «من لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (١٢٦)، تأمل كيف انتفى الداعي إلى تجشُّم مشقةِ الصيام، بمجرد النطق بقولٍ فيه زور، أو القيام بعملٍ سلب حقًا أو أثبت باطلًا!
٢- المبالغة في الجُود: ففي رمضانَ يُندب المسارعة إلى وجوه الإنفاق، ومواساة البائسين، ومواصلة ذوي الأرحام، والتوسعة على العيال، فقد «كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآنَ، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الريح المرسَلَة» (١٢٧) . ونحن نشهد في عصرنا إقبالَ كثيرٍ من الموسرين على جعل حَوْل زكاة أموالهم في رمضان، بل والإكثار من التصدق فيه، وفي ذلك إحياء لسُنَّة المصطفى ﷺ، فليستكثر الصائمون من الخير، فإن في ذلك علامة
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣٣) .
(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، برقم (٦) . ومسلم؛ كتاب الفضائل، باب: كان النبيُّ ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، برقم (٢٣٠٨) . واللفظ للبخاري ﵀.
[ ١١٤ ]
قبول العبادة ومضاعفة الأجور، لقوله ﷺ: «كل عمل ابن آدم يُضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله ﷿: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» (١٢٨) .
٣- تفطير الصائمين: ولو على تمرة أو جرعة ماء؛ لقول رسول الله ﷺ: «من فَطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا يَنْقُصُ من أجر الصائم شيئًا» (١٢٩) .
٤- السَّحور: وهو سُنَّة خاصة بهذه الأمة في صيامها، وهو يتحقق ولو بجرعة ماء، وابتداء وقته من انتصاف الليل (١٣٠) . قال رسول الله ﷺ: «تسحّروا، فإن في السَّحور بركةً» (١٣١) . وقال ﵊: «فَصْل ما بين صيامنا وصيام أهل
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣٢) . واللفظ هنا لمسلم ﵀.
(٢) أخرجه الترمذي؛ كتاب: الصوم، باب: ما جاء في فضل من فطّر صائمًا، برقم (٨٠٧)، عن زيد ابن خالد الجهني ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.
(٣) المقصود بالليل هنا الوقت من كمال غروب قرص الشمس إلى قبيل الفجر الثاني، وهو ما يسمى بالليل الشرعي، فانتصافه: انتصاف هذه المدة، وليس الثانية عشرة ليلًا، كما قد يُتَوهّم.
(٤) متفق عليه من حديث أنس ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب، برقم (١٩٢٣)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل السحور، برقم (١٠٩٥) .
[ ١١٥ ]
الكتاب: أَكْلة السَّحَر» (١٣٢) . وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «السُّحور أكلةٌ بركةٌ، فلا تَدَعوه، ولو أن يجرع أحدُكم جَرْعةً من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المُتسحِّرين» (١٣٣) .
٥- تأخير السحور: إلى قريب انفجار الفجر، فإن خشي المتسحِّر طلوع الفجر الثاني، فالأَوْلى له ترك السحور. قال ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (١٣٤)، وقال ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما عجَّلوا الإفطار وأخَّروا السُّحور» (١٣٥) . وقال زيدُ بن ثابتٍ ﵁: (تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس بن مالك لزيد ﵄: كم كان قَدْر ما بينهما؟ قال: خمسين آية) (١٣٦) . وقال ﵊: «إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أم مكتوم» (١٣٧)، قال (١٣٨): (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)، وقال سهل بن سعد ﵁:
_________________
(١) أخرجه مسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل السحور، برقم (١٠٩٦)، عن عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه أحمد؛ في مسنده (٣/٤٤)، من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁.
(٣) متفق عليه من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: تعجيل الإفطار، برقم (١٩٥٧) . ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل السحور، برقم (١٠٩٨) .
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٥/١٤٧)، من حديث أبي ذرٍّ ﵁..
(٥) متفق عليه من حديث زيد بن ثابت ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: تأخير السحور، برقم (١٩٢١)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل السحور، برقم (١٠٩٧) . واللفظ لمسلم ﵀.
(٦) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄؛ أخرجه البخاري؛ كتاب الأذان، باب: الأذان قبل الفجر، برقم (٦٢٣)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم (١٠٩٢) .
(٧) القائل: القاسم بن محمد، الراوي عن عائشة ﵂، كما صرّح به البخاري، في كتاب الصوم، باب: قول النبيِّ ﷺ: «لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَل»، برقم (١٩١٩) .
[ ١١٦ ]
(كنت أتسحَّر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدركَ السجودَ أو صلاةَ الفجرِ مع رسول الله ﷺ) (١٣٩) .
مسألة:
ما الحكمة من مشروعية السحور، بل واستحباب تأخيره، مع كون رمضان شهر الجوع والعطش؟
لقد سنَّ لنا رسولُ الله ﷺ أكلة السَّحَر، فهي سُنَّة مُتَّبَعة، لا إيجاب فيها، لكنها شُرِعت رحمةً بالصائم، وطلبًا للبركة فيها، ومنعًا لإرادة الوِصال في الصوم (١٤٠)، لكن التوسُّع في التسحُّر بالتفكُّه بصنوف الأطعمة والأشربة حتى التُّخْمة، قد يفوِّت على الصائم الانتفاعَ الأمثل بصومه، فتبقى شهواته مندفعة جارية في عروقه مجرى الدم، فتنتفي عندها الحكمة من الصوم وهي إضعاف الشهوة بما يضيق مجاري الشيطان في البدن، لذا أُعلِمنا بأن السحور يتحقق ولو بجرعة ماء، والله أعلم.
٦- تعجيل الفطر: وذلك بعد تحقُّقِ الصائم من كمال غروب قرص الشمس، ودخول الليل، قال تعالى:
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: تأخير السَّحور، برقم (١٩٢٠) . وقول سهل: (أن أدرك صلاة الفجر)، أخرجه البخاري أيضًا برقم (٥٧٧) .
(٢) معنى الوصال في الصوم: [الإمساك عن المفطِّرات إلى غروب اليوم التالي، [فيصل صوم يوم بيوم آخر، ولا يأكل بينهما شيئًا، وقد ورد النهي عن الوصال في الأحاديث الصحيحة، كما في البخاري برقم (١٩٦٥)، ومسلم برقم (١١٠٣)، وغيرهما. لكن مَنْ أَحبّ أن يُمسِك بعد غروب الشمس إلى وقت السَّحر فله ذلك، كما في البخاري برقم (١٩٦٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله: «لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَر»] . انظر: تفسير ابن كثير ص: ١٩٥ ط - بيت الأفكار الدولية. وقال الترمذي ﵀ بعد إيراده حديث: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْر»، عن سهل بن سعد ﵁ برقم (٦٩٩) -، قال: وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ وغيرُهم، استحبوا تعجيل الفطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ. يعني، ابن راهويه. ومفهوم كلامه ﵀: أن الوصال إلى السَّحَر مع كونه جائزًا إلا أن تعجيل الفطر هو الأولى، والله أعلم. أما فائدة النهي عن الوصال فهي الإشفاق على الأمة والرحمة لهم، كما في حديث عائشة ﵂ في المتفق عليه: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِين» . البخاري برقم (١٩٦٤)، ومسلم برقم (١١٠٥) .
[ ١١٧ ]
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وقال ﵊: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (١٤١)، و«كان النبيُّ ﷺ يُفطِر قبل أن يصلِّيَ على رُطَبات» (١٤٢)، وقال ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» (١٤٣)، وفي الحديث القدسي: «يقول الله ﷿: إن أحبَّ عبادي إليّ أعجلُهم فطرًا» (١٤٤) .
٧- الإفطار على رُطَبات: فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حَسَوات من ماء، كما كان يفعله رسول الله ﷺ (١٤٥) .
٨- الدعاء بالمأثور عند الإفطار: وذلك لقول النبيِّ ﷺ: «إن للصائم عند فِطْره لَدعوةٌ لا تُرَدُّ» (١٤٦)، وقد كان النبيُّ ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلَّتِ العروق وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله»، «اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ (١٤٧) .
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٣٤) .
(٢) جزء من حديث أخرجه الترمذي؛ كتاب: الصوم، باب: ما جاء ما يستحب عليه الإفطار، برقم (٦٩٦) عن أنس ﵁. قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث حسن غريب.
(٣) متفق عليه من حديث عمر ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: متى يحل فطر الصائم، برقم (١٩٥٤)، ومسلم - من غير ذكر: «مِنْ هَاهُنَا» - كتاب: الصيام، باب: بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، برقم (١١٠٠) . واللفظ للبخاري ﵀.
(٤) أخرجه أحمد، مسند المكثرين، من حديث أبي هريرة ﵁، برقم (٧٢٤٠) .
(٥) جزء من حديث تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٤٢)، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ يفطر قبل أن يصلِّيَ على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء» .
(٦) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٣٨) .
(٧) الحديث الأول: أخرجه أبو داود؛ كتاب: الصيام، باب: القول عند الإفطار، برقم (٢٣٥٧)، عن ابن عمر ﵄. والثاني: أخرجه أبو داود أيضًا في نفس الموضع، برقم (٢٣٥٨)، بلاغًا عن معاذِ ابن زُهْرَةَ ﵀.
[ ١١٨ ]
٩- الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن خاصة ومدارسته، والمواظبة على الأذكار؛ وذلك لكون رمضان شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، كما أن في ذلك اقتداء برسول الله ﷺ حين كان يلقاه جبريل ﵇ في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن.
١٠- الاعتكاف؛ ومعناه: اللُّبْث في المسجد من شخص مخصوص بنية، وهو مستحب في كل وقت، لكنه في رمضان أفضل، ويعظم فضله في العشر الأواخر منه، وذلك لطلب قيام ليلة القدر. فقد «كان النبيُّ ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (١٤٨) و«كان ﵊ إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَه (١٤٩)، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (١٥٠) .
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، برقم (٢٠٢٦)، ومسلم؛ كتاب: الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، برقم (١١٧٢) .
(٢) المئزر هو الإزار، والمقصود هنا شدة جِدِّه ﷺ واجتهاده في العبادة، وقيل: المراد به اعتزاله ﷺ النساء، وبذا فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به الإمام عبد الرزاق الصنعاني عن الإمام سفيان الثوري رحمهما الله، واستشهد بقول الشاعر: [قومٌ إذا حاربوا شَدُّوا مآزرهم عن النساء ولو باتت بأطهار] انظر: اللؤلؤ والمرجان، لمحمد فؤاد عبد الباقي (٢/٢٧) .
(٣) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضل ليلة القدر، باب: العمل في العشر الأواخر من رمضان، برقم (٢٠٢٤) . ومسلم؛ كتاب: الاعتكاف، باب: الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان، برقم (١١٧٤) . واللفظ للبخاري ﵀.
[ ١١٩ ]