يقول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٦]، ويقول نبيُّه الكريم ﷺ: «من قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (١٨٩) . ويقول ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلّى ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى» (١٩٠) . وكان من هَدْيه ﷺ الترغيب بقيام الليل في رمضان وغيره، قال ﷺ: «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة، الصلاةُ في جوف الليل» (١٩١)، وقد وصفت عائشة ﵂ صلاة النبيِّ ﷺ بقولها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يصلّي أربعًا فلا تسل عن حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يصلِّي ثلاثًا» . قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي» (١٩٢) . ومن هَدْيه
_________________
(١) [التراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام. سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان: التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين] . انظر: الفتح (٤/٢٩٤) .
(٢) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٧) . ومعنى قوله ﷺ: «إِيْمَانًا»، أي: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه، و«احْتِسَابًا»، أي: طلبًا للأجر، لا لقصدٍ آخر من رياء أو نحوه. انظر: الفتح (٤/٢٩٦) .
(٣) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر، برقم (٩٩٠) . ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: صلاة الليل مثنى مثنى، برقم (٧٤٩) .
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المُحرَّم، برقم (١١٦٣)، عن أبي هريرة ﵁.
(٥) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: التهجد، باب: قيام النبيِّ ﷺ بالليل في رمضان وغيره برقم (١١٤٧)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل، برقم (٧٣٨) .
[ ١٣٥ ]
﵊ في قيام الليل: (التطويل في القراءة، ما أطاق القائم ذلك، ووجد في نفسه نشاطًا، كذلك المداومة على القيام، وكان أحبَّ الدِّين إليه ﷺ ما داوم عليه صاحبه) (١٩٣) .
ستُّ مسائلَ متعلقة بقيام الليل، ومنه التراويح.
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٦-١٧] .
وهنا ثلاث مسائل مستنبطة من معنى هاتين الآيتين، سأُتْبِعها بثلاث أخرى متعلقة بفقه القيام من سُنَّة النبيِّ ﷺ.
الأولى: كيف تتجافى الجُنوب عن المضاجع؟
[يعني بذلك: قيام الليل، وتركَ النوم، والاضطجاع على الفُرُش الوطيئة. أو هو الصلاة بين العِشَاءَيْن، أو
_________________
(١) كما صحت بذلك السنة المطهّرة. انظر: البخاري برقمي (٤٣) - (١١٣٥)، ومسلم بالأرقام (٢٥٥) - (٧٨٥) - (٧٨٢) .
[ ١٣٦ ]
انتظار صلاة العَتَمة، أي: العِشَاء الآخرة، أو الحرص عليها في جماعة، وكذلك صلاة الغداة، وهي الفجر] (١٩٤) .
الثانية: كيف يكون دعاء المصلي بالليل خوفًا وطمعًا؟ وما علاقة الدعاء بالإنفاق، إذ أتبعه الله بذكره؟!
[المعنى: خوفًا من وبال عقاب الله وطمعًا في جزيل ثوابه، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة كأداء الزكاة - والمتعدية تطوعًا - كقيام الليل والدعاء فيه - ومُقدَّم هؤلاء وسيِّدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله ﷺ، كما قال عبد الله بن رواحةَ ﵁:
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ منَ الصُّبْحِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ص ١٣٤٥، ط - بيت الأفكار الدولية.
[ ١٣٧ ]
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ] (١٩٥)
الثالثة: لِمَ أخفى الله سبحانه ما لقائمي الليل من ثواب؟ وما معنى (قرة أعين)؟ [أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يَطَّلع على مثلها أحدٌ، فلمّا أخفَوا هم أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل. فأخفى لهم سبحانه ما لم تره عين ولم يخطر قَطُّ على قلب بشر!! قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأَتْ، ولا أُذُن سمعَتْ، ولا خطر على قلب بشر»، قال أبو هريرة ﵁: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السَّجدَة: ١٧] (١٩٦) .
الرابعة: هل المقصود بقول النبيِّ ﷺ: «مثنى مثنى»، بيان صفة قيام الليل، وأنه لا بد من الفصل بين كل ركعتين بالتسليم؟
_________________
(١) المرجع السابق بالعزو نفسه.
(٢) انظر كذلك: المرجع الأسبق ص ١٣٤٦. والحديث من المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: التفسير، سورة تنزيل [السجدة]، باب: قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، برقم (٤٧٧٩) . ومسلم؛ كتاب: الجنة وصفةِ نعيمها وأهلها، برقم (٢٨٢٤) .
[ ١٣٨ ]
[إن الراوي للحديث - وهو ابن عمر ﵄ - قد فسّره بقوله: (تسلّم من كل ركعتين) (١٩٧) . وراوي الحديث هو أعلم بالمراد به، وما فسّره به هو المتبادر إلى الفهم، لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا إنها مثنى، واستُدل بهذا على تعيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. فالمختار في صلاة الليل أن تكون مثنى مثنى - كما نصّ عليه ظاهر الحديث - وأن يسلّم من كل ركعتين لكونه ﷺ أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقًا، لكن قد صح عنه ﷺ الفصل كما صح عنه الوصل، فيكون الفصل إرشادًا إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الوصل إلى الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالبًا وقضاء ما يعرض من أمر مهم] (١٩٨) .
الخامسة: حيث إن التراويح هي من جنس قيام الليل، فهي تصلى مثنى مثنى - كما تقرر -، لكن ما هو الأفضل في أدائها: الانفراد أم الجماعة؟
_________________
(١) كما عند مسلم، من طريق عقبة بن حُرَيْثٍ، قال: سمعت ابن عمر يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَة»، فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: (أن تسلّم في كل ركعتين) . انظر: كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: صلاة الليل مثنى مثنى، برقم (٧٤٩) .
(٢) انظر: الفتح لابن حجر (٢/٥٥٦) .
[ ١٣٩ ]
[خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة من جوف الليل، فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثرُ منهم فصلَّوْا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلَّوْا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عَجَز المسجد عن أهله حتى خرج النبيُّ ﷺ لصلاة الصبح؛ فلمّا قضى الفجرَ أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال: «أما بعدُ؛ فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانُكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» . قال ابن شهاب (١٩٩): (فتوفي رسول الله ﷺ والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ﵄) (٢٠٠) .
[وخرج عمر ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون؛ يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلِّي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثلَ، ثم
_________________
(١) قول ابن شهاب - وهو الإمام الزهري ﵀ - أخرجه البخاري؛ كتاب: صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان، بعد رقم (٢٠٠٩)، ومسلم - من غير ذكر القائل - كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم (٧٥٩) .
(٢) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: الجمعة، باب: من قال في الخُطبة بعد الثناء: أما بعد. برقم (٩٢٤) . ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح. برقم (٧٦١) .
[ ١٤٠ ]
عزم فجمعهم على أبيِّ بن كعبٍ ﵁، ثم خرج ليلة أخرى - والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نِعْم البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّلَه] (٢٠١) .
إن النصوص المذكورة آنفًا يُستَدل بها على أمور، منها (٢٠٢):
* أن النبيَّ ﷺ قد أقرّ مَنْ صلّى معه في تلك الليالي الثلاث.
* أنه ﵊ ترك ذلك فيما بعد، وكره لهم الدوام على صلاة التراويح جماعة معه، وذلك خشية أن يفرض الله تعالى ذلك عليهم، فيكون أداؤها عندئذٍ جماعةً في المسجد شرطًا في صحتها، فيعجز البعض عن ذلك فيفوته أجر قيام ليالي رمضان.
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: صلاة التروايح، باب: فضل من قام رمضان، برقم (٢٠١٠)، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ. ومعنى أَوْزاع، أي: جماعة متفرقون، وقوله في الرواية: (متفرقون) تأكيد لفظي. انظر: الفتح (٤/٢٩٧) .
(٢) انظر فيما يستنبط من الأدلة: الفتح لابن حجر (٤/٢٩٧) . بتصرّف.
[ ١٤١ ]
* أنه لما توفي رسولُ الله ﷺ حصل الأمن من الافتراض، ورجح عند عمر ﵁ أنّ جَمْع الناس على إمام واحد أمثل؛ لاعتبارات عديدة، منها:
- التمسك بهَدْي النبيِّ ﷺ في صلاة القيام بالناس جماعة.
- فقهه ﵁ أن النبيَّ ﷺ ما كره لهم ذلك إلا من أجل أن أداءها جماعة قد يترتب عليه عجزُهم عن أدائها فيما لو فُرِضت جماعة، فكان الترك رأفة بالمسلمين ورحمة بهم، لا لعدم أفضلية أدائها جماعة.
- حرص عمر ﵁ على منع تخالف قلوب المصلين، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على إمام واحد - وبخاصة إذا كان أقرأهم لكتاب الله، مع حسن الصوت وتمثُّل الخشوع به - هو أنشط لكثير من المصلين.
[ ١٤٢ ]
أخي القارئ، يتبين مما سبق أن أداء صلاة قيام رمضان جماعة هو الأولى، كما فعله عمر ﵁، وأقره صحابة رسول الله ﷺ، واستمر عمل المسلمين عليه بعدها.
يبقى أن عمر ﵁ قد نبَّه إلى أن الصلاة في آخر الليل، والتي ينام عنها كثير من الناس هي أفضل من القيام في أوَّله - ولو كان القيام في أول الليل جماعة - حثًا منه ﵁ للقائمين في التراويح على الصلاة آخر الليل كذلك، لقول رسول الله ﷺ: «ينزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخِر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألُني فأعطيَه، من يستغفرُني فأغفرَ له» (٢٠٣)، والله أعلم.
السادسة: هل لصلاة التراويح عدد محدد يُلتزم به، فلا يُتجاوز، أم أن في الأمر سعة؟
قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة » (٢٠٤)، وقالت ﵂ تصف صلاة
_________________
(١) متفق عليه، من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، برقم (١١٤٥)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم (٧٥٨) .
(٢) جزء من حديث، تقدم ذكره بتمامه وتخريجه بالهامش ذي الرقم (١٩٢) .
[ ١٤٣ ]
رسول الله ﷺ: «سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر» (٢٠٥) .
وقالت أيضًا ﵂: «كان النبيُّ ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر» (٢٠٦) .
قال الإمام ابن حجر ﵀: [أشكلت روايات عائشة ﵂ على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثَها إلى الاضطراب!! وهذا، إنما يتم - أي الاضطراب في الرواية - لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب: أن كل شيء ذكرَتْه من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة، بحسب النشاط وبيان الجواز، والله أعلم، وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة: أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل، كما أن فرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث: وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار جملة وتفصيلًا، وأما مناسبة
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: كيف كان صلاة النبي ﷺ؟، برقم (١١٣٩) .
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري؛ كتاب: التهجد، باب: كيف كان صلاة النبي ﷺ؟ برقم (١١٤٠)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: صلاة الليل، برقم (٧٣٨) .
[ ١٤٤ ]
ثلاث عشرة فيكون بضمّ صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها] (٢٠٧) .
يتبين من هذا الكلام النفيس أن [أكثر ما كان يصليه النبيُّ ﷺ في الليل في رمضان وغيره هو إحدى عشرة ركعة، فالرواية دلت على الحصر، لكنها لم تتعرض لركعتي الفجر، وتعرضت لها في الرواية الثانية، كذلك في الرواية الثالثة، وبهذا يجمع بين الروايات، والله أعلم] (٢٠٨) فالتراويح مُقيَّدة بالنصِّ - كما ترى - في هيئتها وفي وقتها، أما عدد ركعاتها فمع كون غالب صلاة النبيِّ ﷺ ليلًا إحدى عشرة ركعة، فإن فهم السلف وعملهم دلّ على أن الأمر فيه سعة، وأنه لا حدّ لأكثرها، وذلك عملًا بعموم قوله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢٠٩)، حيث إنه بيان للكيفية، وأنه يسلّم من كل ثِنْتين كما سبق بيانه.
والحاصل في ذلك: أن المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح، فيحصل بها المطلوب من القيام يقينًا، لكن
_________________
(١) انظر: الفتح لابن حجر (٣/٢٦)، ينقله عن الإمام القرطبي ﵀.
(٢) انظر: الفتح (٣/٢٦) أيضًا.
(٣) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٩٠) .
[ ١٤٥ ]
ذلك لا يعني أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، أو أنه لا يُزاد فيها عن إحدى عشرة ركعة، فقد يقتصد أحدهم في السُّنة، فلا يصلي إلا ركعتي قيامٍ مثلًا، وهذا مشروع داخل في مسمّى التراويح، كما أنه لو زاد عليها - أي على إحدى عشرة ركعة - فهو معتبر من مطلق التراويح كذلك، والله أعلم.