قال الله ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ *فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ *﴾ [الدّخان: ١-٥] .
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *سَلاَمٌ هِيَ
[ ١٤٦ ]
حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ *﴾ [القَدر: ١-٥] .
ويقول النبيُّ ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» (٢١٠) .
وكان ﵊ إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَه وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٢١١) .
ويقول الصادق المصدوق ﷺ: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢١٢) .
وقد خرج ﵊ ليخبر صحابته ﵃ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبرَكم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢١٣) .
وقد علّم رسول الله ﷺ السيدةَ عائشة ﵂ دعاءً تقوله إن عَلِمت أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر، فقال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريم تُحِبُّ العفوَ فاعفُ عني» (٢١٤) .
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٨) .
(٢) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٥٠)، كما تقدم بيان معنى (شد مئزره)، بالهامش ذي الرقم (١٤٩) .
(٣) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضل ليلة القدر، باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، برقم (٢٠١٧) . ومسلم - من غير لفظ «الوتر» - كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحث على طلبها، برقم (١١٦٩) .
(٤) أخرجه البخاري؛ كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس، برقم (٢٠٢٣)، عن عُبادة بن الصامت ﵁، ومسلم - مطوّلًا - كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٧)، عن أبي سعيد الخدري ﵁. وقوله: «فلان وفلان»، [قيل هما: عبد الله ابن أبي حدرد وكعب ابن مالك، ذكره ابن دحية ولم يذكر له مستندًا] . انظر: الفتح (٤/٣١٥) . ومعنى: «فتلاحى رجلان»، أي: وقعت بينهما ملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة، وعند مسلم: «يحتقّان»، أي: يدعي كلٌ منهما أنه محقّ فيما ذهب إليه، وكذلك عنده بلفظ «يختصمان» . وهي مبيِّنة لمعنى التلاحي.
(٥) أخرجه الترمذي؛ كتاب: الدعوات، باب: في فضل سؤال العافية والمعافاة، برقم (٣٥١٣)، عن عائشة ﵂. قال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث حسن صحيح.
[ ١٤٧ ]
أخي القارئ، تلك نصوص كريمة من الكتاب والسُّنَّة، قد حوت في ثناياها ما يُستنبط من أمر ليلة القدر، ومن ذلك أحد عشر مبحثًا، أشرع ببيانها، مستعينًا بالله تعالى:
الأول: من دلالة الآيات الواردة بشأن ليلة القدر.
[إن المتدبر للآيات من سورة البقرة ومن مطلع سورة الدخان، ومن تمام سورة القَدْر، يتبين له أن ليلة القدر هي - جزمًا - من ليالي شهر رمضان، حيث [مدح الله تعالى - في الآية من سورة البقرة - شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأنِ اختاره لإنزال القرآن العظيم فيه، فقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وكان ذلك في ليلة مباركة هي التي ذكرها الله في سورة الدخان بقوله تعالى: [الدّخان: ٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وهي اللية التي فخَّم الله أمرَها، وسمّاها ليلة القدر، كما في قوله سبحانه:
[ ١٤٨ ]
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ [القَدر: ١] .
هذا، وقد نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في تلك الليلة، ثم نزل بعدُ مُفَرَّقًا - بحسب الوقائع - على قلب رسول الله ﷺ. كما روي ذلك - من غير وجهٍ - عن عبد الله بن عباس ﵄. وفي ليلة القدر المباركة من ليالي رمضان: يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبة - من الملائكة - أمرُ السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وجميع ما يكون فيها إلى آخرها، وهذا الأمر يكون مُحكَمًا؛ لا يُبدَّل ولا يُغيَّر، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدّخان: ٥] أي: جميع ما يكون ويقدّره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه] (٢١٥) .
الثاني: في ذكر سبب نزول سورة القدر:
ذكر أهل التفسير (٢١٦) رواياتٍ في سبب نزول السورة، منها ما أُرسِل عن مجاهد ﵀: (أن النبيَّ ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاحَ في سبيل الله
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ص (١٨٨) . ط - بيت الأفكار.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠/٢٥٩)، وابن كثير ص (١٨٥٩)، ط - بيت الأفكار، كذلك انظر: أسباب النزول للواحدي ص (٤٦١)، ولُباب النقول للسيوطي ص (٣٢٧) .
[ ١٤٩ ]
ألف شهر!، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ١-٣]، قال: خير من التي لبس فيها السلاحَ ذلك الرجلُ) . كذلك روي في سبب النزول، عن مجاهد ﵀، قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ٣]، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل) (٢١٧) .
الثالث: معنى القَدْر، وسبب تسمية الليلة الشريفة به.
أ - معنى القَدْر:
[القَدْر: مَبْلَغُ كلِّ شيء، يقال: قَدْره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القَدَر. والقَدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مَبَالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَر أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام:
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/٢٥٩)، بسند ضعيف جدًا إلى مجاهد ﵀.
[ ١٥٠ ]
٩١]، قال المفسرون: ما عظَّموا الله حقَّ عَظَمته، وهذا صحيح، وتلخيصه: أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى] (٢١٨) .
[وقَدْر الشيء مقداره، والقَدْر والقَدَر: مقدار من الحكم الإلهي على العبد. فالقدر - بالسكون والحركة - مرادف التقدير] (٢١٩) . [وقَدْر الشيء - ساكن الدال، والفتح لغة - مَبْلَغُه، يقال: هذا قَدْر هذا وقَدَره، أي: مُماثِلُه، ويقال: ما له عندي قَدْر ولا قَدَر، أي: حرمة ووقار. والقَدَر بالفتح لا غير: القضاء الذي يُقدِّره الله تعالى] (٢٢٠) .
والحاصل مما ذُكِر آنفًا أن القَدْر بإسكان الدال، تتعدد معانيه، فقد يرادف معنى القَدَر وهو قضاء الله الأشياء، وقد يكون بمعنى مبلغ الشيء ومقداره والحرمة والوقار ونحوها. أما القدَر بفتح الدال فهو مختص بما يُقدِّره الله ﷿ من القضاء ويحكم به من الأمور.
_________________
(١) انظر: معجم المقاييس لابن فارس مادة (قدر) (٢/٣٨٨) .
(٢) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي، مصطلح [القَدْر] (٢/١٣٠١) .
(٣) انظر: المصباح المنير للفيّومي، مادة: قدر، ص (١٨٧) .
[ ١٥١ ]
ب - سبب تسمية الليلة: (ليلة القدر) (٢٢١) .
اختلف أهل العلم في معنى (القَدْر)، الذي أضيفت إليه تلك الليلة على أقوال، يمكن ردُّها بمجملها إلى ثلاثة، هي:
١- أن القَدْر بمعنى القَدَر - بفتح الدال - الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى: أنه يُقدَّر فيها أحكامُ تلك السنة، فيظهر للملائكة في تلك الليلة ما سيكون في السنة من الأقدار والأرزاق والآجال، مما أثبت في اللوح المحفوظ، وسبق علم الله تعالى به وتقديره له. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *﴾، وقوله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *﴾ [القَدر: ٤] .
٢- أن المراد بالقَدْر: التعظيم، فسُمِّيت الليلة بذلك لعظم قَدْرها وشرفها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام: ٩١]، أي: ما عظموه تعظيمًا يليق بجلاله. وإنما اكتسبت تلك الليلة هذا التعظيم لأمور
_________________
(١) انظر في هذا المطلب الفتح لابن حجر (٤/٣٠٠)، والمنهاج للنووي (٨/٢٩٨)، وتفسير القرطبي (٢٠/١٣٠)، والبحر المحيط لأبي حيّان (٨/٩٢) .
[ ١٥٢ ]
عديدة، منها: نزول القرآن فيها، ولعِظَم الرسول ﷺ الذي أُنزِل عليه هذا القرآن، وشرف الأمة التي اختُصَّت بها، ولتنزُّل الملائكة فيها، وتنزُّل البركة فيها والرحمة والمغفرة، ولعظم أجر من أحياها، وعظيم قَدْره عند الله تعالى.
٣- أن معنى القَدْر هنا التضييق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطّلاَق: ٧] أي: ضُيِّق، ومعنى التضييق في الليلة: إخفاؤها عن العلم بتعيينها بليلة محددة، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة لكثرة تنزُّلِهم في تلك الليلة المشرَّفة.
فائدة: [إنما جاء القَدْر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القَدَر الذي هو مؤاخي القضاء فتحَ الدال، وذلك ليُعلم أنه لم يُرَد به ذلك - أي القضاء - إنما أريد بالقَدْر: تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يُلقى إليهم - أي إلى الملائكة - فيها مقدارًا بمقدار] (٢٢٢) .
_________________
(١) الكلام للتوربشتي، ينقله الإمام ابن حجر عنه في الفتح: (٤/٣٠١) .
[ ١٥٣ ]
الرابع: فضل ليلة القَدْر، وشرفها (٢٢٣) .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *﴾ .
لقد عظَّم الله سبحانه شأن ليلة القدر، حتى إنه أعلم نبيَّه ﷺ، بأن درايته - مع عِظَم سعتها ومبلغ شأوها - لم تبلغ غاية فضل هذه الليلة وفخامة أمرها. ثم بيَّن له ﷿ شأنها، ومن ذلك:
أ- أن العبادة فيها هي أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذا الزمن يقارب ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فانظر - رحمك الله - إلى مزيد رحمة الله بهذه الأمة.
ب- أنها ليلة يكثر فيها تنزُّل الملائكة، لكثرة بركتها، والملائكة يتنزَّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَق الذِّكْر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم - بإخلاص نيَّةٍ - تعظيمًا له. وممن يتنزَّل من الملائكة ﵈ في تلك الليلة أمين الوحي الروحُ جبريلُ عليه
_________________
(١) انظر في هذا المبحث: تفسير ابن كثير ص١٨٥٨ ط - بيت الأفكار، وتفسير البحر المحيط لأبي حيان (٨/٤٩٢) .
[ ١٥٤ ]
السلام، ما يرفع شأن هذه الليلة ويُعظِم قدرها.
جـ- أن الملائكة ﵈ تحيِّي أهل المساجد من المصلِّين، بالسلام عليهم في تلك الليلة، وتدعو لهم، حتى يطلع الفجر.
د- ليلة القدر ليلة سالمة من الآفات والبلايا، ولا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يعمل فيها أذى، فهي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر.
هـ- هي ليلة - كما ذُكِر آنفًا - يُقدِّر الله فيها مقادير الأرزاق والآجال وحوادث العالم كلها التي تكون في ذلك العام، فيفرق ذلك على المُدبِّرات من الملائكة ﵈.
و في ليلة القدر، أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على قلب رسول الله ﷺ.
[ ١٥٥ ]
هذا، وإن فضائل هذه الليلة تكاد ألا تنحصر، اللهم بلِّغناها وشرِّفنا بقيامها إيمانًا واحتسابًا، ووفِّقنا لموافقتها عطاءً وكرامة، وضاعف لنا أجر قيامها مِنّة وكرمًا، ولا تحرمنا من خيرها فضلًا ورحمةً، آمين.
الخامس: مِنْحةُ مضاعفةِ الأجرِ في ليلة القدر، أمر مختص بالأمة الإسلامية.
من آلاء الله سبحانه على الأمة أنِ اختصها بمزيد فضل على سائر الأمم السالفة، ومن ذلك أنْ جعل لها تعالى أجرًا جزيلًا مضاعفًا لعمل قليل، وإن تفضيل العمل في ليلة القدر على عمل ألف شهر خير شاهد على ذلك.
قال رسول الله ﷺ - مُبشِّرًا أُمَّته بما اختصَّها الله به -: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ أوتي أهل التوراةِ التوراةَ، فعملوا حتى إذا انتصف النهارُ عَجَزوا،
[ ١٥٦ ]
فأُعطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأُعطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآنَ، فعمِلْنا إلى غروب الشمس، فأُعطِينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابَيْن: أيْ ربَّنا، أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا؟ قال: قال الله ﷿: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» (٢٢٤) . اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم.
هذا، وإن جمعًا من أهل العلم قد رجَّح كونَ ليلة القدر مما اختصت به هذه الأمة، منهم الأئمة مالك، وابن حجر، والنووي والسيوطي، رحم الله الجميع (٢٢٥) . وقد أشار الإمام ابن كثير إلى عدم اختصاصها بهذه الأمة، فقال: (والذي عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا) (٢٢٦) . اهـ. والمختار هو الأول، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، في مواضع من صحيحه، منها: كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، برقم (٥٥٧)، عن ابن عمر ﵄.
(٢) انظر الموطأ (١/٢١٨)، والفتح (٤/٣٠٤)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١/٢٠٨) .
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ص١٨٦٠، ط - بيت الأفكار.
[ ١٥٧ ]
السادس: التماس ليلة القدر، والتحقيق في تعيين أرجى أوقات طلبها.
قال النبيُّ ﷺ: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢٢٧) .
هذا الحديث الشريف هو عمدة في بيان مَحَلِّ هذه الليلة، وأرجى أوقات طلبها، والأحاديث الصحيحة الدالة على التماسها عديدة، أمكن العلماء أن يستنبطوا منها ما يربو على أربعين قولًا في تعيين مَحَلِّها، ليس المقام يتسع لذكرها فضلًا عن بسطها، لكن سأعمد إلى ذكر نُقول من كلام أهل العلم فيما رجح لديهم في ذلك:
١- ترجم الإمام البخاريُّ ﵀ بابًا في (تحرِّي ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)، قال الإمام ابن حجر ﵀: [في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأواخر منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢١٢) .
[ ١٥٨ ]
الواردة فيها] (٢٢٨) . وقال أيضًا عند إيراده القول الخامس والعشرين في تعيين الليلة: [إنها في أوتار العشر الأخير، وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمُزَني وابن خزيمة (٢٢٩)، وجماعة من علماء المذاهب] (٢٣٠) . وقال ﵀ بعد أن ساق ثمانية وأربعين قولًا في المسألة: [وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يُفهم من أحاديث هذا الباب] (٢٣١) .
٢- وقال الإمام النوويُّ ﵀: [إنما تنتقل ليلة القدر في العشر الأواخر، وبهذا يجمع بين الأحاديث الصحيحة المختلفة فيها] (٢٣٢) .
٣- وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀: (ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «هي في العشر الأواخر من رمضان وتكون في الوتر منها») . اهـ. (٢٣٣) .
_________________
(١) انظر الفتح: (٤/٣٠٦) .
(٢) انظر: صحيح ابن خزيمة (٣/٣٢٣) .
(٣) انظر: الفتح (٤/٣١٢) .
(٤) المرجع السابق (٤/٣١٣) .
(٥) انظر: المجموع - شرح المهذَّب - (٦/٤٤٩) .
(٦) انظر مجموع الفتاوى (٢٥/٢٨٤) .، والحديث الذي أورده شيخ الإسلام، متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف والسجود على الطين، برقم (٨١٣)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٧) .
[ ١٥٩ ]
٤- (قال طائفة من السلف - وهو الجادّة من مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀ -: إنها ليلة سبع وعشرين) (٢٣٤)، واستُدِلّ لذلك بقول أبيِّ بن كعبٍ ﵁: (واللهِ الذي لا إله إلا هو - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) (٢٣٥) . [هذا، وقد حكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن، من قوله تعالى: (هي) لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة، والله أعلم] (٢٣٦) .
٥ - وقال العلاّمَة الشَّنْقيطي بعد أن سرد أقوال أهل العلم في المسألة: (إذا علمتَ ما ذكر مما دلّ على طلب ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر من رمضان فاعلم أن أرجى الأوتار هو ليلة سبع وعشرين حسبما عليه أكثر العلماء، وهو الذي
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ص١٨٦١، ط - بيت الأفكار.
(٢) أخرجه مسلم؛ بكتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، برقم (٧٦٢)، وقد أجاب أبي بن كعب ﵁، حين سئل عن سبب تعيينه لها بليلة سبع وعشرين، بقوله: (بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ: أن الشمس تطلع يومئذٍ لا شعاع لها) . كما في مسلم بعد الرقم (١١٦٩) . [ومعنى (يحلف ما يستثني) يعني حَلَف حَلِفًا قاطعًا، حتى إنه لم يقل معه: إن شاء الله. وقول أبيّ ﵁ في تعيين الليلة لم يكن مستنده في ذلك حديثًا يعيّن هذه الليلة بعينها أنها ليلة القدر، بل مستنده في ذلك وجود أمارة، أي: علامة ذكر في الحديث أنها توجد في صبيحة ليلة القدر، وهي أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وقد طلعت كذلك في صبيحة سبع وعشرين تلك السنة، وهذا لا يستلزم وقوعها في هذه الليلة في كل سنة، لأنها تنتقل من ليلة إلى أخرى في وتر من ليالي العشر الأواخر، وقد ثبت وجود علامة هذه الليلة صبيحة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين في زمن رسول الله ﷺ. وبهذا يُعلم أن مستند أبيّ بن كعب ﵁ ليس من القوة بحيث يُبنى عليه هذا التعيين] انظر: منة المنعم في شرح صحيح مسلم للمباركفوري (١/٤٨٠) .
(٣) والمقصود ببعض السلف هنا ابن عباس ﵂، [ولا يصح مثل هذا عن ابن عباس، وإنما هذا من باب اللّغز المنزّه عنه كلام الله تعالى] . انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (٨/٤٩٣) .
[ ١٦٠ ]
تشهد له الأدلة، وبه قال جماهير أصحاب أحمد ابن حنبل، قال القسطلاني (٢٣٧): قال في الإنصاف - أي الإمام المرداوي -: وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات. اهـ. وبه جزم أبيّ بن كعب وحلف عليه كما في صحيح مسلم، وفي حديث ابن عمر - عند أحمد - مرفوعًا: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين»، وحكاه الشاشي من الشافعية في الحِلْية عن أكثر العلماء. اهـ) (٢٣٨) .
هذا، وإن مما يستدل به على كونها ليلة سبع وعشرين، ما رواه ابن عباس: أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ الله، إني شيخ كبير عليلٌ يَشُقُّ عليَّ القيام، فَأْمُرْني بليلةٍ، لعلّ الله يوفقني فيها لليلة القَدْر، قال ﵊: «عليك بالسابعة» (٢٣٩) .
أخي القارئ، يتحصل مما سبق أن أرجى أوقات طلب تلك الليلة، هو فيما يتنقل من أوتار العشر
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٤/٥٩٥) .
(٢) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي ﵀ (٣/٣٠٥) .
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (١/٢٤٠)، من حديث ابن عباسٍ ﵄.
[ ١٦١ ]
الأواخر، ولا يُجزم بكونها ليلة منها بعينها (٢٤٠)، وذلك عملًا بمجموع صحيح الأحاديث الواردة في ذلك، مع كون ليلة السابع والعشرين هي أرجى أوتار العشر، والله أعلم.
السابع: علامات ليلة القدر.
إن من عظيم رحمة الله تعالى بهذه الأمة، أن اختصها بهذه الليلة المباركة، ثم جعل لها أمارات تعرفها بها، وتكون علامة على صدق نبيِّهم ﷺ، وسبيلَ استبشارٍ لهم بمضاعفة الأجر بما يبلغ - بحمد الله - عبادة عُمُرٍ بأكمله. هذه العلامات قد تكون عامة يدركها عموم الأمة، أو مختصّة بخُلَّص العباد المُوفَّقين لرؤيتها، وسأعرض في هذا المبحث للعلامات العامة، ثم أستدل لها، وأدّخر ما يكون من علامات مختصة - بمن وُفّقت له ليلة القدر فرأى من الخوارق ما شاء الله له أن يرى - إلى مبحث رؤية الليلة إن شاء الله. ويشار هنا إلى أن من علاماتها
_________________
(١) قال الإمام ابن كثير ﵀: (وقد حكي عن مالك ﵀ أن جميع ليالي العشر في تَطَلُّب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى، رأيتُه في شرح الرافعي ﵀. اهـ) . انظر: تفسير القرآن العظيم ص ١٨٦٢. وشرح الرافعي هو (الشرح الكبير) شَرَح به كتابَ «الوجيز» للإمام الغزالي، و«الوجيز» هو مختصر لكتاب شيخ العزالي الإمام الجويني: (نهاية المطلب)، حيث اختصره الإمام الغزاليُّ ثلاثةً: سمى الأول «البسيط»، والثاني: «الوسيط»، ثم: «الوجيز»، ويذكر - للفائدة - أن مسمى كتاب الرافعي هو: (فتح العزيز في شرح الوجيز)، المشتهر بالشرح الكبير، أو شرح الرافعي.
[ ١٦٢ ]
العامة ما يكون وصفًا لها، أو وصفًا لما يكون بها، أو لما يكون في صبيحتها. ومن هذه العلامات:
١- طلوع الشمس صبيحتها واضحة الاستدارة، لا يخالط استدارتَها شعاع، يمكن النظر إليها كما يُنظَر إلى القمر البدر الساطع، لا يخرج معها شيطان يومئذٍ.
٢- ظهور القمر فيها على هيئة شِقِّ جَفْنَةٍ، أي: يشبه هيئة نصف قَصْعة الطعام.
٣- تكون الليلة هادئة للغاية، لا يعكر صفوَها شهابٌ يُرمى به مارد مسترق للسمع. وتكون الليلة صافية منورة كأن القمر بدر ساطع فيها، ليس فيها حرٌّ مزعج ولا برد مؤلم.
أخي القارئ، ما سبق كان وصفًا مفصَّلًا لأمارات تلك الليلة الجليلة - مقتصرًا منها على ما صح دليله - وهاك أدلتها، مرتبةً بترتيب إيرادها:
[ ١٦٣ ]
١- سأل زِرُّ بنُ حبيش أبيَّ بنَ كعب ﵄، فقال: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ - أي أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين -، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع - أي الشمس - يومئذٍ لا شعاع لها (٢٤١) .
٢- وقال النبيُّ ﷺ: «وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يَحِلُّ للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ» (٢٤٢) .
٣- وقد تذاكر صحابة رسول الله ﷺ ليلة القدر عنده، فقال ﵊ «أيّكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شِقِّ جَفْنَةٍ؟» (٢٤٣) .
٤- وقال ﵊: «إن أمارة ليلة القدر، أنها صافية بَلَجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، لا بردَ فيها ولا حرَّ، لا يَحِلُّ لكوكب أن يُرمى به فيها حتى تصبح» (٢٤٤) .
_________________
(١) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٣٥) . [والشُّعاع: هو ما يُرى من ضوئها عند بروزها مثل الحبال والقضبان مقبلةً إليك إذا نظرت إليها. ومعنى «لاَ شُعَاعَ لَهَا»، قال القاضي عياض: قيل إنها علامة جعلها الله تعالى لها، أي من غير سبب ظاهر لذلك - قال: وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض، وصعودها بما تنزّل به، سُتِرت الشمس بأجنحتها وأجسامها اللطيفة] . انظر: المنهاج للنووي (٨/٣٠٦) .
(٢) جزء من حديث أخرجه أحمد (٥/٣٢٤)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁. قال العراقي عنه في (شرح الصدر بذكر ليلة القدر) ص٥١: إسناده جيد. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/١٧٥): رجاله ثقات.
(٣) أخرجه مسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٧٠)، عن أبي هريرة ﵁ قال النووي ﵀. [وفي قوله ﷺ: «مِثْلُ شِقِّ جَفْنَة» إشارة إلى أن ليلة القدر إنما تكون في أواخر الشهر، لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر، والله أعلم] . انظر المنهاج (٨/٣٠٦) . و«شِقّ جَفْنَةٍ»، الشق: النصف كما في المُفْهِم شرح صحيح مسلم، للقرطبي (٤/١٩٦٢)، وجفنة: قصعة الطعام، ج/ جِفان وجِفَن وجَفَنات. انظر: المعجم الوسيط (جَفَن)، والقاموس المحيط (الجَفْن) .
(٤) جزء من حديث، تقدم إيراد جزء منه، وتخريجه من مسند أحمد ﵀، بالهامش ذي الرقم (٢٤٢) .
[ ١٦٤ ]
الثامن: عِلم رسولِ الله ﷺ بوقتها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *﴾ .
في تفسير ذلك [قال ابن عيينة ﵀: ما كان في القرآن (ما أدراك) فقد أَعْلَمَه؛ وما قال: (وما يدريك) فإنه لم يُعْلِمْهُ] (٢٤٥) . اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: [ومقصود ابن عيينة أنه ﷺ كان يعرف تعيين ليلة القدر] . اهـ (٢٤٦) .
وقد خرج النبيُّ ﷺ ليخبر الصحابة ﵃ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين. فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢٤٧) .
وقال ﵊: «أُرِيت ليلةَ القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنُسِّيتها (٢٤٨)، فالتمسوها في العشر الغوابر» (٢٤٩) .
_________________
(١) نقل القولَ البخاريُّ في صحيحه؛ كتاب: فضل ليلة القدر، في ترجمة باب فضل ليلة القدر، قبل الرقم (٢٠١٤) .
(٢) انظر: الفتح لابن حجر (٤/٣٠٠) .
(٣) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢١٣) .
(٤) هكذا بتشديد السين، والبناء للمفعول، وقال مسلم: قال حَرْملة: «فنَسِيتُها» .
(٥) انفرد به مسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر والحثّ على طلبها، برقم (١١٦٦)، عن أبي هريرة ﵁. ومعنى: «الغَوَابِر»، البواقي وهي الأواخر. انظر: المنهاج للنووي (٨/٢٩٩) .
[ ١٦٥ ]
يستدل من مجموع الأدلة السابقة أن رسول الله ﷺ كان يعلم يقينًا تعيين ليلة القدر، وقد أراد ﵊ الإخبار بها، لكنه نُسِّي ذلك، مرة بسبب اختصام رجلين، يدعي كل منهما أنه محقّ فيما ذهب إليه، وأخرى بسبب إيقاظ أهله له، فلم يذكر بسبب ذلك رؤيا عيَّنَتْ له مَحَلَّ ليلة القدر، والله أعلم (٢٥٠) .
فائدة:
سبق أن سبب نسيان النبيِّ ﷺ كان تنازع رجلين، ومما يستفاد من ذلك [شؤم التنازع، وأن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية، وأن المماراة تقطع الفائدة والعلمَ النافع] (٢٥١) بخلاف ما يظنه كثير من الناس، من أن مدارسة العلم تقتضي المراء في بعض مسائله، والحرص على جَدْل الخصم عن رأيه، انتصارًا للنفس لا إظهارًا للحق وطلبًا له.
هذا، ومما يستفاد من الحديث بجملته: الإرشاد إلى ترك المخاصمة في شأن العلم، وكذلك توقير أهل
_________________
(١) القول بتعدد سبب نسيانه ﷺ قوّاه ابن حجر في الفتح (٤/٣١٥)، والقسطلاني في الإرشاد (٤/٥٩٤) .
(٢) انظر: المُفهم للقرطبي (٤/١٩٥٣)، وتفسير ابن كثير ص (١٨٦٢)، كذلك: المنهاج للنووي (٨/٣٠٤) .
[ ١٦٦ ]
العلم؛ كأن لا يُوقَظ أحدُهم إلا لإدراك أداء فريضة ونحوه، ولا يُطرق باب مسكنهم حتى يخرجوا إلى صلاتهم مثلًا، مما فيه مزيد تأدُّبٍ في حضرتهم، كذلك يستفاد منه المبادرة إلى فضِّ الخصومة بين المتنازعين من المؤمنين، والله أعلم.
التاسع: تلمُّس الحكمة في رفع معرفة وقتها.
قال النبيُّ ﷺ: «وعسى أن يكون خيرًا لكم» (٢٥٢)، يعني: عدم تعيين ليلة القدر، [وإن وجه الخيرية في ذلك أن خفاءها يستدعي قيام كل الشهر أو العشر، بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها] (٢٥٣)، [فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طُلاَّبُها في ابتغائها في جميع محالِّ رجائها، فكان أكثر للعبادة، فلو علموا عينَها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامَها لتعمَّ العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر، ولهذا «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (٢٥٤)،
_________________
(١) جزء من حديث تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢١٣) .
(٢) انظر الفتح لابن حجر (٤/٣١٤) .
(٣) متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وقد تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٤٨) .
[ ١٦٧ ]
و«كان ﵊ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٢٥٥)] (٢٥٦) .
العاشر: بقاء ليلة القدر، وعدم رفعها.
بوّب الإمام البخاريُّ ﵀ (باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس) . [وقيد الإمام الرفع بمعرفة الليلة إشارة منه إلى أنها لم تُرفع أصلًا ورأسًا] (٢٥٧)، وهذا من عظيم فقهه للحديث الذي صدّر به الباب، وفيه: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢٥٨)، فبعد أن أخبر ﵊ بأنها رفعت، أمرهم بتحرِّيها في تلك الليالي، وهذا يدل على أن [الصحيح من جهة النظر أنها لم ترفع لحديث الصحيحين: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢٥٩)، فلوا ارتفعت لما أمر ﵊ بتحرّيها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، إذ لا فائدة في تحرّي ما رُفِع كما هو واضح] (٢٦٠) . وأن المراد هو [رفع علم وقتها عينًا، لا
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة أيضًا ﵂، وتقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (١٥٠) .
(٢) انظر تفسير ابن كثير ص (١٨٦٢)، وقد ذكرت كلامه، مع كونه يطابق في معناه ما سبقه من كلام ابن حجر رحمهما الله، لتضمنه مزيد تفصيلٍ مع استدلال.
(٣) انظر الفتح لابن حجر (٤/٣١٤) .
(٤) جزء من حديث تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢١٣) .
(٥) تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢١٢) .
(٦) انظر: زاد المسلم للعلامة الشنقيطي ﵀ (٣/٢٠٢) .
[ ١٦٨ ]
رفعها بالكلية من الوجود] (٢٦١)، [فلو أريد رفع وجودها لم يأمر ﷺ بالتماسها، وأجمع من يُعتدّ به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر لتضافر الأحاديث وكثرة رؤية الصالحين لها] (٢٦٢) .
والحاصل في ذلك أن مضاعفة الأجر في ليلة القدر هي منحة ربانية للأمة المحمّدية، وأن الليلة باقية - بفضل الله - إلى يوم القيامة.
الحادي عشر: رؤية ليلة القدر.
قال رسول الله ﷺ: «وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد ﵁ - راوي الحديث -: (فاستهلَّتِ السماءُ (٢٦٣) في تلك الليلة فأمطرت، فوَكَفَ المسجد (٢٦٤) في مصلّى النبيِّ ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصُرَتْ عَيْنِي رسولَ الله ﷺ ونظرتُ إليه انصرفَ من الصبح ووجهُه ممتلئ طينًا وماءً» (٢٦٥) .
وقال ﵊: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها» (٢٦٦) . وفي الصحيح
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ص (١٨٦٠) ط - بيت الأفكار.
(٢) انظر: المُفهم للقرطبي (٤/١٩٥٢) .
(٣) المعنى: (وجاءت سحابة فمطرت)، كما بيَّنه أبو سعيد، بمرويِّ البخاري، برقم (٢٠١٦) . كذلك بيَّنه عند مسلم (فمطرنا)، برقم (٢٧٦١) .
(٤) المعنى: (سال سقف المسجد) كما في مسلم أيضًا برقم (٢٧٦١)، قال النووي - في المنهاج (٨/٣٠١) -: (فوكف المسجد)، أي: قطر ماء المطر من سقفه. اهـ. وكان سقف المسجد من جريد النخل. كما في البخاري برقم (٢٠١٦) .
(٥) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضل ليلة القدر، باب: تحرّي ليلة القدر، برقم (٢٠١٨)، ومسلم - بنحوه - كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٧) .
(٦) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: أبواب التهجد، باب: فضل من تعارّ من الليل، برقم (١١٥٨) . ومسلم - بلفظه -؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٥) .
[ ١٦٩ ]
أيضًا: أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فَلْيتحرَّها في السبع الأواخر» (٢٦٧) . ويكون الجمع بين طلب التماسها في العشر أو في السبع قوله ﷺ: «التمسوها في العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) فإن ضَعُف أحدكم أو عَجَز، فلا يُغْلَبَنَّ على السبع البواقي» (٢٦٨) .
أخي القارئ، يُستنبط مما ذكر آنفًا - في شأن إثبات رؤية الليلة - أمور منها:
١ - أن رؤية ليلة القدر، قد تكون رؤيا منام، ثم تحقق الرؤيا فتأتي مثل فَلَق الصبح، حيث أري ﵊ أنه يسجد صبيحتها في طين وماء، فكان ذلك واقعًا كما أُرِيَه ﷺ.
٢ -[أن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غيرِ مخالف
_________________
(١) متفق عليه؛ من حديث ابن عمر ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضل ليلة القدر، باب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، برقم (٢٠١٥)، ومسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٥) .
(٢) انفرد به مسلم؛ كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (١١٦٥)، عن ابن عمر ﵄.
[ ١٧٠ ]
لقاعدة شرعية، فقد أرجح رسولُ الله ﷺ حكم طلب الليلة في الوتر من العشر، بتوافق رؤية رجال من أصحابه رؤىً في تلك الليالي، وليس أنه أثبت بها حكمًا في أنها لا تطلب في تلك العشر إلا لكونهم رأَوْا ذلك، بل هي موجودة، سواء رَأَوْا تلك الرؤى أم لا. وغاية الأمر أنه ﷺ أقرّهم على رجحان ذلك، ومثل ذلك تكرر في أمور مشروعة كالأذان ونحوه] (٢٦٩) .
٣ - أن رؤية بعض الصالحين لها على صورة رؤيا منام هو أمر واقع مقرر شرعًا، وقد ثبت حصوله مع رجال من صحابة رسول الله ﷺ.
مسألة:
[هل لليلة القدر علامة - في اليقظة - تظهر لمن وُفِّقت له (٢٧٠)، أم لا؟
اختلف أهل العلم في ذلك، فقيل: يرى كلَّ شيء ساجدًا، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى
_________________
(١) انظر: المُفهم للقرطبي (٤/١٩٥٥) .
(٢) معنى الموافقة: أن يعلم العبد أنها ليلة القدر، لعلامة من العلامات التي ورد أنها تعرف بها، أو لرجحان الدليل كليلة سبع وعشرين، أو يُلهَم العبد أن هذه الليلة ليلة القدر - كما ألهم ابن عباس ﵄ فيما رواه البيهقي في الدلائل (٧/٣٣) - ونحو ذلك مما يُعلِم العبدَ بكونها ليلة القدر. أو قد يكون معنى الموافقة: أن لا يعلم العبد شيئًا من ذلك لكنها تكون في الواقع هي ليلة القدر. انظر: زاد المسلم للعلامة الشنقيطي (٣/٢٠٦) .
[ ١٧١ ]
في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة ﵈، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وُفِّقت له، واختار الطبري ﵀ أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه] (٢٧١) . واختار النوويُّ ﵀: [أنها موجودة، تُرى ويتحققها من شاء الله تعالى من بني ءآدم كل سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث، وأخبار الصالحين بها، وأن رؤيتهم لها أكثر من أن تحصر] (٢٧٢) .
والمختار هو إمكان رؤيتها يقظة بخوارق يشهدها من شاء الله من الصالحين، لكن ذلك ليس شرطًا لحصولها، فهي حاصلة سواء كُشِفت يقظة أو منامًا أم لا، والله أعلم.
مسألة:
ما الدعاء المستحب الإكثار منه لمن علم تلك الليلة المباركة؟ وما السرُّ في الإرشاد إليه؟
[المستحبّ: الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي ليالي العشر الأخير منه،
_________________
(١) كما نقله ابن حجر عنه. انظر: الفتح (٤/٣١٣) .
(٢) انظر: المنهاج للنووي (٨/٣٠٦) .
[ ١٧٢ ]
ثم في أوتارها خاصة، ومنها ليلة القدر، والمستحبّ أن يكثر فيها الدعاء بقوله: «اللهم إنك عَفُوٌّ تحبّ العفوَ فاعف عني»، وذلك لقول أم المؤمنين عائشة: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر فبِمَ أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحبّ العفوَ فاعف عني»] (٢٧٣) .
[وإنما أمر ﷺ بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر إيثارًا للمقام الأعظم الأكمل، والعمل الأسنى الأرفع، وهو بذل الوسع في العمل مع عدم رؤيته والاعتداد به والتعويل عليه] (٢٧٤) .
مسألة:
هل يحصل الثواب - المعيَّن الموعود به - في قيام ليلة القدر، لكل من قامها، أم يشترط في ذلك أن يعلمها وتُوفَّق له؟
قال رسول الله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» (٢٧٥)، وقال عليه
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (ص١٨٦٢) . والحديث أخرجه: أحمد في مواضع من مسنده، منها (٦/١٨٢)، من حديث عائشة ﵂. والترمذي - بلفظ «عفوٌّ كريم»؛ كتاب: الدعوات، باب: في فضل سؤال العافية والمعافاة، برقم (٣٥١٣)، عنها أيضًا. وقال: هذا حديث حسن صحيح. اهـ.
(٢) انظر: سطوع البدر بفضائل ليلة القدر، لإبراهيم الحازمي، ص (١٧٩)، ينقله عن ابن رجب ﵀، في لطائف المعارف ص (٢١٩) .
(٣) جزء من حديث تقدم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٨) .
[ ١٧٣ ]
الصلاة والسلام: «من يقم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا غفر له» (٢٧٦) . وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقَتْ له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (٢٧٧) .
هذا التقييد في قوله ﷺ «فيوافقها»، وفي قوله ﷺ: «ثم وُفِّقَتْ له»، هل هو بمعنى أنها تُكشف له يقظةً فيرى خوارق؟ أم أنه يعلمها لعلامة تُعرف بها؟ أو لرجحان دليل كليلة سبع وعشرين ونحوه؟ أو أنه يوافقها فتكون ليلة القدر ولو لم يعلم هو بذلك؟ [المختار في ذلك ما ترجّح في نظر الإمامين النوويِّ وابنِ حجر رحمهما الله، من أن الموافقة هي العلم بأنها ليلة القدر، فيقومها فيحصل له ذلك الأجر الجزيل الموعود به، فلا يكون شرطًا لحصوله أن يُختص برؤية الخوارق، وذلك مع عدم إنكار حصول الثواب لمن قام لابتغاء ليلة القدر - جزمًا - وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنما الكلام على حصول
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الإيمان، باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، برقم (٣٥)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان هو التراويح، برقم (٧٦٠) . واللفظ لمسلم ﵀.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/٣١٨)، من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
[ ١٧٤ ]
الثواب المعين الموعود به، وهو المغفرة التامة لما تقدم من الذنب وما تأخّر، فيكون ذلك يقينًا لمن قامها ابتغاءها ثم كشفت له على سبيل الكرامة، لكن لا يكون التعويل في حصول الأجر الموعود به على ذلك الكشف، بل العبرة بالاستقامة بإحيائها، فإن الاستقامة تستحيل إلا أن تكون كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة، وإن فضل الله واسع، ورُبَّ قائم في تلك الليلة لم يحصل منها إلا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل على العبادة أفضل، والله أعلم] (٢٧٨) .
يُفهم مما ذكر آنفًا أن القائمين المبتغين لتلك الليلة يكونون على ثلاث مراتب: قائم بالعبادة فيها من غير أن يعلمَها فذلك يؤجر أجرًا جزيلًا، وآخر قامها وقد علمها من غير كشف بخارق، فهذا ينال الأجر الموعود به بمغفرة عامة ذنبه، وثالث قامها، إيمانًا واحتسابًا، وطلبها فعرفها، ثم كشفت له، فهذا قد أُجِر أجرًا
_________________
(١) نقلت - بتصرف - خلاصة معنى مبحثٍ أورده ابن حجر ﵀ في الفتح (٤/٣١٣)، ورجّح فيه ما اختاره الإمام النووي ﵀ في المنهاج (٦/٢٨٣) . هذا، وقد ذكر القرطبي في المفهم (٣/١٣٠٦)، أن معنى «يُوَافِقُهَا»: يصادفها، ومن صلّى فيها فقد صادفها، فكأنه اختار ﵀ أن من أحيا الليلة بالعبادة فإنه ينال الأجر الموعود، وإن لم يعلمها، والله أعلم.
[ ١٧٥ ]
جزيلًا، وحصل له الثواب المعيّن الموعود به، فغُفِر له جميع ذنبه، واختُصّ كذلك بكرامة رؤيتها يقظة أو منامًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.