وثبت أصله فى الكتاب وفيه آثار موقوفات صحاح فقد اتقى العين نبى الله يعقوب ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَبَنِيّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلّمْنَاهُ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.سورة يوسف ﵇ الآيتان (٦٧ - ٦٨)
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد فى المسند (١٨٤٥٨ - ١٨٤٦١ - ٢٣٤٠٩) والدارمى (٢٤٤١) أخرج الدعاء فقط من طرق عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب. والرواية لأحمد. وأخرجه الترمذى (٣٣٤٠) من طريق معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ورجاله رجال مسلم لكن قال يحيى بن معين: حديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبى النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثيرالأوهام. وذكر مع الحديث قصة أصحاب الأخدود مطولا وهى فى صحيح مسلم.
[ ١٠٤ ]
قال البغوى ﵀: وقال لهم يعقوب لما أردوا الخروج من عنده، "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"، وذلك أنه خاف عليهم العين، لأنهم كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، وجاء في الأثر: إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر. وعن إبراهيم النخعى: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. والأول أصح. اهـ من تفسيره عند الآيات
وقال القرطبى ﵀: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين؛ فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب؛ وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد؛ وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة؛ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم.
إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين، والعين حق؛ وقد قال رسول الله ﷺ: (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر). وفي تعوذه ﵇: (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ما يدل على ذلك ..
قال الأصمعي: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه؟ فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعا، المروى بها والمورى عنها. قال الأصمعى. وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. . اهـ (١)
وقال الحافظ بن كثير ﵀: يقول تعالى إخبارًا عن يعقوب ﵇، إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد،
_________________
(١) التفسير الجامع لأحكام القرءان (٤/ ٣٤٥٥) ط الشعب تجليد خاص.
[ ١٠٥ ]
وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدى وغير واحد إنه خشي عليهم العين. اهـ (١) ولم أقف على ما يدل على اسم بنيامين فلعله من الإسرائيليات.
قال الشيخ النووى: قال القاضي عياض بعد ذكر حديث حسد عامر بن ربيعه لسهل بن حنيف: في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء أنه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس. ويأمره بلزوم بيته فإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه، ويكف أذاه عن الناس. صحيح مسلم بشرح النووى
وقال ابن القيم ﵀: ومن علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكر البغوي فى كتاب " شرح السنة " (٢): أن عثمان ﵁ رأى صبيا مليحا، فقال: دسموا نونته، لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره: ومعنى: دسموا نونته: أى: سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون فى ذقن الصبي الصغير. وقال الخطابى فى غريب الحديث له عن عثمان ﵁ أنه رأى صبيا تأخذه العين فقال دسموا نونته فقال أبو عمرو وسألت أحمد بن يحيى عنه فقال أراد بالنونة النقرة التى فى ذقنه والتدسيم التسويد أراد سودوا ذلك الموضعمن ذقنه ليرد العين قال ومن هذا حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء أى سوداء أراد الإستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيب يوقيه من العين. اهـ (٣)
وقال محمد بن مفلح ﵀: وليحترز الحسن من العين والحسد بتوحيش حسنه. (٤)
_________________
(١) تفسير ابن كثير عند تفسير الآيتين.
(٢) شرح السنة (١٢/ ١٦٦)
(٣) الطب النبوى وزاد المعاد (٣/ ١٧٧)
(٤) الآداب الشرعية (٣/ ٦٠)
[ ١٠٦ ]
وقال الشيخ العثيمين ﵀: والتحرز من العين مقدما لا بأس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل لأن التوكل الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ اسحق واسماعيل ﵉ (١)
وسئل الشيخ عبدالله الجبرين عن المبالغة في الخوف من الإصابة بالعين ومنع الأطفال من مخالطة الناس خوفًا عليهم من العين؟
فأجاب: لا تعتبر وإنما هي من تجنب أسباب الشرور والأضرار، وقد ورد ما يدل على الجواز في صبي جميل أمروا أن يغيروا صورته خوف العين، كما سبق الأثر عن عثمان في قوله " دسموا نونته " أي سودوها، وهي النقرة في أسفل الوجه، وذلك سبب مما شرعه الله، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء الآية (٧١) وهو يعم الحذر من كل ما فيه ضرر على النفس أو المال، وقال تعالى: (وَخذُوا حِذْرَكُمْ) النساء الآية (١٠٢) (٢)