ولم يصنع من قَدَح في صحة هذا الحديث شيئًا، كابن حزم، نُصْرَةً لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل سنده به».
قال الإمام ابن القيم ﵀: «وجواب هذا الوَهْمِ من وجوه:
أحدها: أن البخاريَّ قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام.
الثاني: أنه لو لم يسمع منه، فهو لم يستجز الجزم به عنه، إلا وقد صحّ عنه أنه حدّث به، وهذا كثيرًا ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته، فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس.
الثالث: أنه أدخله في كتابه المُسمَّى بالصحيح، محتجًّا به، فلولا صحّته عنده لما فعل ذلك.
الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض؛ فإنه إذا توقّف في الحديث، أو لم يكن على شرطه، يقول: ويروى عن رسول اللَّه - ﷺ -، ويُذكر عنه، ونحو ذلك. فإذا قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -، فقد جزم، وقطع بإضافته إليه.
الخامس: أنّا لو أضربنا عن هذا كلِّه صفحًا، فالحديث صحيح متصل عند غيره.
قال أبو داود في كتاب اللِّباس (١): حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدّثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدّثنا عطيّة بن
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الخز، برقم ٤٠٣٩.
[ ٦٣ ]
قيس، قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدّثنا أبو عامر، أو أبو مالك، فذكره مختصرًا، ورواه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه الصحيح مسندًا، فقال: أبو عامر، ولم يُشكَّ.
ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالًا لما ذمَّهم على استحلالِها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر، فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين، فهو نوع من الحرير غير الذي صحّ عن الصحابة - ﵃ - لبسه، إذ الخزّ نوعان: أحدهما: من حرير، والثاني: من صوف، وقد رُوي هذا الحديث بالوجهين.
وقال ابن ماجه في (سننه) (١): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي
مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ». وهذا إسناد صحيح.
وقد توعَّد مُسْتَحِلِّي المعازف فيه بأن يخسف اللَّه بهم الأرض، ويمسخهم قردةً وخنازير، وإن كان الوعيدُ على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط في الذمِّ والوعيد».
_________________
(١) كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم ٤٠٢٠.
[ ٦٤ ]
ثم قال ابن القيم ﵀: «وفي الباب عن سهل بن سعد الساعديّ، وعمران بن حصين، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازي بن
ربيعة - ﵃ -».
ثم قال ابن القيم ﵀: «ونحن نسوقها لتقرَّ بها عيون أهل القرآن، وتَشْجَى (١) بها حلوق أهل سماع الشيطان». ثم ساقها ﵀ (٢).
وردَّ شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على من ضعَّف حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ»، فقال رحمه اللَّه تعالى: «وقد أخذ علماء الإسلام بهذا الحديث، وتلقّوه بالقبول، واحتجّوا به على تحريم المعازف كلّها، وقد أعلّه ابن حزم، وأبو تراب بعده، تقليدًا له، بأنه منقطع بين البخاري ﵀ وبين شيخه هشام بن عمار؛ لكونه لم يصرّح بسماعه منه، وإنما علّقه عنه تعليقًا، وقد أخطأ ابن حزم في ذلك، وأنكر عليه أهل العلم هذا القول، وخطَّؤوه فيه؛ لأن هشامًا من شيوخ البخاري، وقد علّقه عنه
جازمًا به، وما كان كذلك، فهو صحيح عنده، وقد قبل منه أهل العلم ذلك،
_________________
(١) تشجى: الشَّجْوُ الهَمُّ والحُزْنُ وقد شَجاني يَشْجُوني شَجْوًا إذا حَزَنَه وأَشْجاني حَزَنَني وأَغْضَبني وأَشْجَيْتُ الرجُلَ أوْقَعْتهُ في حَزَنٍ لسان العرب، ١٤/ ٤٢٢، مادة (شجا).
(٢) إغاثة اللهفان، ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ٦٥ ]
وصحّحوا ما علقه جازمًا به إلى من علّقه عنه، وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلّقة الصحيحة، ولعل البخاري لم يصرّح بسماعه منه؛ لكونه رواه عنه بالإجازة، أو في معرض المذاكرة، أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصارًا، أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف، وعلى فرض انقطاعه بين البخاري وهشام، فقد رواه عنه غيره متصلًا، عن هشام بن عمار إلخ بأسانيد صحيحة، وبذلك بطلت شبهة ابن حزم ومقلّده أبي تراب، واتّضح الحق لطالب الحقّ، واللَّه المستعان».
ثم قال ﵀: «وإليك أيها القارئ الكريم كلام أهل العلم في هذا الحديث، وتصريحهم بخطأ ابن حزم في تضعيفه، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ﵀ - لمّا ذكر هذا الحديث، وذكر كلام الزركشي، وتخطئته ابن حزم في تضعيفه، قال ما نصّه: «وأمّا دعوى ابن حزم التي أشار إليها - يعني الزركشي - فقد سبقه إليها ابن الصلاح في علوم الحديث، فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع، وليس حُكْمُهُ حُكْمَهُ، ولا خارجًا ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في ردّ ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، وأبي مالك الأشعري عن رسول اللَّه - ﷺ -: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ»، الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلًا: وقال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم، أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه،
[ ٦٦ ]
والحديث صحيح معروف الاتصال، بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك، لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب، التي لا
يصحبها خلل الانقطاع» (١). انتهى.
ثم قال الحافظ بعدما نقل كلام ابن الصلاح المذكور بأسطر ما نصه: «وقد تقرَّر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم، يكون صحيحًا إلى من علّق عنه، ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولًا، إلى من علّق بشرط الصحة، أزال الإشكال؛ ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع، وصنفت كتاب (تغليق التعليق)، وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي (٢)، وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار، جاء عنه موصولًا في مستخرج الإسماعيلي، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، حدثنا هشام بن عمار، قال: وأخرجه أبو داود في سننه، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بسنده. انتهى» (٣). ثم ذكر شيخنا ابن
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٥٣.
(٢) يعني الحافظ شيخه: أبا الفضل زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي (ت ٨٠٦هـ).
(٣) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ٥٣.
[ ٦٧ ]
باز ﵀ ردّ ابن القيم ﵀ الذي ذكرته آنفًا (١).
ثم قال شيخنا ابن باز ﵀ بعد نقله لردِّ ابن القيم:
« ولولا طلب الاختصار لنقلتها لك أيها القارئ الكريم، ولكني أحيل الراغب في الاطلاع عليها على كتاب الإغاثة، حتى يرى ويسمع ما تقرّ به عينه، ويُشفى به قلبه، وهي على كثرتها، وتعدّد مخارجها حجة ظاهرة، وبرهان قاطع على تحريم الأغاني والملاهي، والتنفير منها، تضاف إلى ما تقدم من الآيات والأحاديث الدّالّة على تحريم الأغاني والمعازف، ويدلّ الجميع على أن استعمالها، والاشتغال بها من وسائل غضب اللَّه، وحلول عقوبته، والضلال والإضلال عن سبيله، نسأل اللَّه لنا، وللمسلمين العافية
من ذلك، والسلامة من مضلاّت الفتن، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه» (٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ٤٠٨ - ٤١٠، و٢١/ ١٢٧ - ١٢٩.
(٢) المرجع السابق، ٢١/ ١٣٢ - ١٣٣، و٣/ ٤٠٨ - ٤١٢.
[ ٦٨ ]