_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٩/ ٣٩، الطبعة الأولى، دار عالم الكتب، ١٤٢٥هـ، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية.
(٢) تفسير البغوي (المسمى معالم التنزيل) للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود، البغوي، ت ٥١٦هـ، تحقيق: خالد العك، ومروان كجك، ط١، دار المعرفة، ٣/ ١٢٣. وانظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٥٣٧، ط٢، دار السلام، ١٤٢٢هـ.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ١٠/ ٢٩٣، دار الحديث، ط١، ١٤١٤هـ.
[ ١٢ ]
سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قيل: «من يشتري الشراء المعروف بالثمن».
وقيل: «بل معنى ذلك: من يختار لهو الحديث ويستحبّه» (٢).
وقيل: «أي يستبدل ويختار الغناء، والمزامير، والمعازف على القرآن» (٣).
وقيل: «يشتري» أي يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء» (٤).
وأما قوله تعالى: «لَهْوَ الْحَدِيثِ»، فقال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -:
«الغناء والذي لا إله إلا هو، يُرَدِّدُها ثلاث مرات» (٥).
وقال عبد الله بن عباس ﵄: «الغناء وأشباهه»، وفي رواية عنه: «شراء المغنية»، وفي رواية عنه أيضًا، قال: «باطل الحديث: هو الغناء ونحوه» (٦).
وقال جابر بن عبد اللَّه ﵄: «هو الغناء، والاستماع له» (٧).
وفسَّر الإمام مجاهد ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بـ (الغناء)، وفي
_________________
(١) سورة لقمان، الآيتان: ٦، ٧.
(٢) تفسير الطبري، ٢٠/ ١٢٦، فقد ذكر جميع هذه المعاني السابقة.
(٣) تفسير البغوي، ٣/ ٤٩٠.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٧٥٩.
(٥) الإمام الطبري بإسناده في جامع البيان، ٢٠/ ١٢٧.
(٦) جامع البيان للطبري، ٢٠/ ١٢٧ - ١٢٨، وقد ذكر هذه الآثار بأسانيده المتصلة إلى ابن عباس ﵄.
(٧) المرجع السابق بإسناده، ٢٠/ ١٢٨.
[ ١٣ ]
رواية عنه: «المغني، والمغنية بالمال الكثير، أو الاستماع إليه، أو إلى مثله من الباطل»، وفي رواية عنه: «عَنَى باللهو: الطبل» (١).
وفسَّر عكرمة ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بالغناء (٢).
وفسَّر الضحاك ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بالشرك (٣).
قال الإمام الطبري ﵀: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عَنَى به كلَّ ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله ممّا نهى اللَّه عن استماعه، أو رسوله [- ﷺ -]؛ لأن الله تعالى عمَّ بقوله: «لَهْوَ الْحَدِيثِ»، ولم يُخَصِّصْ بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدلّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك» (٤).
وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير هاتين الآيتين:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ*وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥).
لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب اللَّه، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
_________________
(١) جامع البيان، للطبري، ٢٠/ ١٢٨ - ١٢٩ بأسانيده.
(٢) المرجع السابق، ٢٠/ ١٢٩ بإسناده.
(٣) جامع البيان، ٢٠/ ١٢٩.
(٤) المرجع السابق، ٢٠/ ١٣٠.
(٥) سورة لقمان، الآية: ٦.
[ ١٤ ]
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١)، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام اللَّه، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان، وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو - واللَّه-الغناءُ.
قال ابن جرير: حدثني يونس [بن عبد الأعلى]،أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد عن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود - ﵁ - وهو يُسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - فقال عبد الله: الغناء، واللَّه الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حُمَيْد الخرّاط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول اللَّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء.
وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بَذيمة.
وقال الحسن البصري: أُنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
[ ١٥ ]
والمزامير.
وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: واللَّه لعله لا ينفق فيه مالًا، ولكنْ شراؤه استحبابه، بحَسْب المرء من الضلالة أن يختارَ حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضرّ على ما ينفع.
وقيل: عنى بقوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: اشتراء المغنيات من الجواري
وقال الضّحّاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يعني: الشرك، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصدُّ عن آيات اللَّه، واتّباع سبيله.
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلًا للأمر القدري، أي: قُيِّضوا لذلك ليكونوا كذلك.
وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل اللَّه هزوًا، يستهزئ بها.
وقال قتادة: يعني: ويتخذ آيات اللَّه هزوًا. وقول مجاهد أولى.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: كما استهانوا بآيات اللَّه وسبيله، أُهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: هذا المقبل على اللهو واللّعب والطرب، إذا تُليت عليه الآيات القرآنية، ولَّى عنها، وأعرض وأدبر وتَصَامّ وما به من صَمَم، كأنه ما يسمعها؛ لأنه يتأذّى بسماعها، إذ لا
[ ١٦ ]
انتفاع له بها، ولا أرَبَ له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة يؤلمه، كما تألمَّ بسماع كتاب اللَّه وآياته (١).
وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) (من) في موضع رفع بالابتداء، و«لَهْوَ الْحَدِيثِ» الغناء في قول ابن مسعود، وابن عباس، وغيرهما، ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية، ثم قال: المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين
به، الذي يحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يُشبَّب (٣) فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرّمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبّابات، والطار، والمعازف، والأوتار فحرام». انتهى (٤).
قال شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - معلقًا على كلام القرطبي هذا:
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، ١١/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) سورة لقمان، الآية: ٦.
(٣) التَّشْبِيبُ: تَرقيقُ الشعر بذكر النِّساء. انظر: النهاية في غريب الحديث،٢/ ١٠٧٤،مادة (شبب).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٤/ ٥٧.
[ ١٧ ]
«وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب» (١).