وقال: «إذا اشترى جارية فوجدها مغنيةً، كان له أن يردَّها بالعيب، وسئل مالك ﵀: عمّا يرخّص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق» (١).
٣ - الإمام الشافعي ﵀، قال في كتاب القضاء (٢): «إن الغناء لهوٌ مكروه يشبه الباطل، والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه تُرَدُّ شهادتُه».
وصرَّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نَسبَ إليه حِلِّه كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصَّبَّاغ.
قال الشيخ أبو إسحق في (التنبيه): ولا تَصِحُّ - يعني الإجارة- على منفعة، محرمة كالغناء والزَّمْر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا.
وقال في المهذَّب: ولا يجوز على المنافع المحرَّمة؛ لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم.
فقد تضمَّن كلام الشيخ أمورًا:
_________________
(١) انظر: علل أحمد، ١/ ٢٣٨، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للخلال، ص ١٦٥، والكافي لابن عبد البر، ٢/ ٢٠٥، وتفسير القرطبي، ١٤/ ٥٥، وعون المعبود، ١٣/ ١٨٦. وقال الغزالي في إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي،٣/ ٢٣٧: «وأما مالك ﵀، فقد نهى عن الغناء، وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردّها، وهو مذهب سائر أهل المدينة، إلا ابن سعد وحده».
(٢) الأم، ٦/ ٢١٤.
[ ٣٥ ]
أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.
الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.
الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.
الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمُغنِّي، ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم، وأنَّ بَذْلَه في ذلك كبَذْلِهِ في مقابلة الدم والميتة.
الخامس: أن الزَّمْر حرام.
وإذا كان الزمر - الذي هو أخف آلات اللهو- حرامًا، فكيف بما هو أشد منه: كالعود، والطُّنْبُور، واليَراع، ولا ينبغي لمن شمَّ رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفُسَّاق، وشاربي الخمور.
وكذلك قال أبو زكريا النَّوويُّ في (روضته) (١):
القسم الثاني: أن يُغَنَّى ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مُطربٌ كالطُّنْبُورِ، والعُودِ، والصَّنْج، وسائر المعازف والأوتار، يحرم استعمالُه واستماعه. قال: وفي اليَراع وجْهان، صحح البغوي التحريم.
ثم ذكر عن الغزاليِّ الجواز (٢)، قال: والصحيح تحريم اليَراع،
_________________
(١) روضة الطالبين، ١١/ ٢٢٨.
(٢) إحياء علوم الدين، ٢/ ٢٧٢.
[ ٣٦ ]
وهو الشبَّابة.
وقد صنف أبو القاسم الدَّوْلَعِيُّ (١) كتابًا في تحريم اليَراع.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع (٢)،
الذي جمع الدُّفَّ، والشَّبَّابة، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة السماع، وتحليله، فليُعْلَمْ أن الدُّفَّ، والشبَّابة، والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدُّ بقوله في الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي، إنما نقل في الشَّبَّابة منفردة، والدُّفِّ منفردًا، فمن لايُحَصِّلُ، أو لا يَتَأمَّل، ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهمٌ بَيِّنٌ من الصائر إليه، تُنادي عليه أدلةُ الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستَرْوَحُ إليه، ويُعْتمَد عليه، ومن تتبَّع ما اختَلَف فيه العلماءُ، وأخذ بالرُّخَصِ من أقاويلهم تَزَنْدَقَ أو كاد.
قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في
_________________
(١) هو الشيخ الإمام العالم، المفتي، خطيب دمشق، ضياء الدين، عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد التغلبي الأرقمي الدولعي الشافعي، ولد سنة (٥٠٧هـ)، ومات سنة (٥٩٨هـ) في ١٢ ربيع الأول، وله ٩١ سنة. انظر: سير أعلام النبلاء، ٢١/ ٣٥٠، وذيل التقييد، ٢/ ١٥٤، وطبقات المحدثين، ص ١٨٤.
(٢) فتاوى ابن الصلاح، ٢/ ٤٩٨.
[ ٣٧ ]