قال الإمام ابن جرير ﵀: «﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾، يعني: بيت الله العتيق «إلاّ مُكاءً»، وهو الصفير وقد قيل: إن (المكو): أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما في فيه، ثم يصيح، ويُقال منه: «مَكت است الدابة مُكاءً»، إذا نفخت بالريح، ويقال: «إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة»؛ ولذلك قيل للاست: (المَكْوة)، سُمِّيت بذلك (٣).
وأما «التصدية»، فإنها التصفيق، يُقال: «صدَّى يُصدِّي تصديةً»، و«صفَّق»، و«صفّح»، بمعنىً واحد (٤).
قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - ﵃ -: «المكاء»: التصفير، و«التصدية»: التصفيق» (٥).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، ١٠/ ٣٣١، وتفسير البغوي، ٣/ ٣٧٨.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٣٥.
(٣) قال العلامة محمود محمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري، ١٣/ ٥٢١: «وتمام سياقه أن يقال: «سُمِّيت بذلك لصفيرها».
(٤) جامع البيان الطبري، ١٣/ ٥٢١ - ٥٢٢.
(٥) المرجع السابق بأسانيده المتصلة، ١٣/ ٥٢٢ - ٥٢٤.
[ ٢٠ ]
وقال بذلك: مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد (١)، وعكرمة، وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بن كعب القرظي، وحجر بن عنبس وزاد مجاهد: وكانوا
يدخلون أصابعهم في أفواههم (٢).
قال ابن كثير: «وقال السدي: المُكَاء: الصفير والتصدية: التصفيق، وقال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالكعبة عراة تُصفِّرُ وتُصفِّق، والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية التصفيق قال قُرَّة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفَّر ابن عمر، وأمال خدّه، وصفَّق بيديه، وعن ابن عمر أيضًا أنه قال: كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويُصَفِّقُون ويُصَفِّرُون وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال، وقال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي - ﷺ - صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين» (٣).
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي: «﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ أي: صفيرًا وتصفيقًا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟ فبأي: شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم
_________________
(١) انظر: جامع البيان، ١٣/ ٥٢٥ - ٥٢٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٧/ ٧١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٧/ ٧١ - ٧٢.
[ ٢١ ]