فصلٌ
وأما النِّضال:
فحضره رسول الله ﷺ وأذِنَ فيه، وهو أجلُّ هذه الأنواع (^١) على الإطلاق وأفضلها، وكان الصَّحابة ﵃ يفعلونه كثيرًا، وكان عقبة بن عامر يختلف بين الغرضين وهو شيخ كبير، فقيل له: تفعل ذلك وأنت شيخ كبير يشقُّ عليك؟ فقال: لولا كلامٌ سمعتُه من رسول الله ﷺ لم أُعانِهِ، سمعتُه يقول: "مَن تعلَّمَ الرَّمي ثم تركه فليس مِنَّا".
وفي لفظ: "فقد عصى". رواه أهل "السنن" (^٢).
وفي "السنن" عن عقبة بن عامر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله لَيُدْخِل بالسهم الواحدة ثلاثةَ نفر الجنة: صانعَه المحتَسِب في عمله الخير، والرامي به، والمُمِدَّ به - وفي رواية: ومُنْبِلَه -، فارموا، واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا، كلُّ لهوٍ باطلٌ، ليس
_________________
(١) في (خ، مط) (الأبواب).
(٢) لم أجده عند أهل السنن بهذا اللفظ، وانما أخرجه مسلم في صحيحه (١٩١٩) بلفظ (من علم الرمي ثم تركه، فليس منَّا، أو قد عصى)، وأبو عوانة في مستخرجه (٤/ ٥٠٣) رقم (٢٨١٤) والقرَّاب في فضائل الرمي رقم (٨). من طريق ابن لهيعة عن عثمان بن نعيم الرعيني عن المغيرة بن نهيك عن عقبة مرفوعًا (من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني). وسنده ضعيف وعلَّته تفرد ابن لهيعة به وفيه ضعف، وفيه أيضًا المغيرة بن نهيك وهو مجهول.
[ ٣٩ ]
من اللهو محمودٌ إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسَه، وملاعبتُه أهلَه، ورميه بقوسه ونبله؛ فإنَّهُنَّ من الحق، ومَن ترك الرمي بعدما عُلِّمَهُ رغبةً؛ فإنها نعمة تركها - أو قال: كفَرَها (^١) -" (^٢).
_________________
(١) قوله (وفي رواية: ومنبله)، (أو قال: كفرها) ليس في (مط).
(٢) هذا اللفظ مُدْمَج من نصَّيْن جاءا من طريقين عن عقبة بن عامر الجهني: فالنصُّ الأول: أخرجه الترمذي بعد رقم (١٦٣٧) وابن ماجه رقم (١٨١١) وأحمد (٤/ ١٤٤ - ١٤٨) والطيالسي في مسنده رقم (١٠٩٩ و١١٠٠) والفسوي في المعرفة (٢/ ٥٠٢) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤١) وغيرهم. من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلَّام عن عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة. فذكر نحوه إلى قوله (فإنهن من الحق) ولم يذكر (ومنبله) زاد الطيالسي والطحاوي وأحمد والروياني وغيرهم (ومن ترك الرمي بعدما علمه فقد كفر الذي علمه) وفي لفظ عند الطحاوي (.. كانت نعمة كفرها). والنصَّ الآخر: أخرجه أبو داود برقم (٢٥١٣) والنسائي برقم (٣١٤٦) مختصرًا، ورقم (٣٥٧٨) مطولًا وأحمد (٦/ ١٤٦) رقم (١٧٣٢١) مطولًا وابن الجارود في المنتقى رقم (١٠٦٢) مطولًا وغيرهم. من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي سلام عن خالد بن زيد سمع عقبة فذكره - ورواه معاوية بن سلام وأبو رجاء (إن كان صوابًا، وأخشى أن يكون تصحَّف من (ابن جابر) إلى (أبي رجاء) كلاهما عن أبي سلام عن خالد بن زيد عن عقبة. أخرجه الطحاوي في المشكل (١/ رقم ٢٩٨)، وذكره البخاري في تاريخه (٣/ ١٥٠). قلت: رواية عبد الرحمن بن جابر ومعاوية بن سلام أصح وأثبت - وخالد بن زيد هذا تابعي سمع من عقبة بن عامر، بل صَحِبَ عقبة كما يدل عليه هذا الخبر، فقد كان يخرج معه للرمي - وذكره الفسوي في ثقات التابعين من أهل مصر =
[ ٤٠ ]
وفي "صحيح مسلم" (^١) عن عقبة أيضًا، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي (^٢) ".
وفي: "صحيح البخاري" (^٣) عن سلمة بن الأكوع؛ قال: "خرج رسول الله ﷺ على قوم ينتضلون، فقال: "ارمُوا بني (^٤) إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان"، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال: "ما لكم لا ترمونَ؟ "،، فقالوا: كيف نرمي وأنتَ معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلُّكم".
_________________
(١) = (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) وبقية رجال السند ثقات، وعليه فالحديث حسن الإسناد من هذا الوجه. ومتنه ما يلي: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعه الخير، والرامي به ومنبِّله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعدما عَلِمه رغبة عنه، فإنها نعمه كَفَرها) لفظ الوليد بن مزيد وغيره. وأما اللفظ الأول: فقد اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير - وإن كانت رواية هشام الدستوائي أرجح - إلا أنه اختُلف عن هشام هل قال (حدَّث أبو سلام) أو (حُدثت عن أبي سلام) أو (قال حدثنا أبو سلام) أو (عن أبي سلام)؟ ويحيى بن أبي كثير روايته عن أبي سلام من كتاب، فهي وجادة.
(٢) رقم (١٩١٧).
(٣) قوله (ألا إنّ القوة الرمي) (سقط من (ح).
(٤) تقدم (ص/ ١٦).
(٥) في (ح، مط) (بنفر) بدلًا من (على قوم)، وجاء في (ظ) (يا بني) بدلًا من (بني).
[ ٤١ ]
وقال مصعب بن سعد: "كان سعدٌ يقول: أي بَنِيَّ! تعلموا الرماية، فإنها خير لعبكم".
ذكره الطبراني في كتاب "فضل الرمي" (^١).
وذكر فيه أيضًا (^٢) عن أبي أُمامة بن (^٣) سهل بن حنيف قال: "كتب
_________________
(١) برقم (٧). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤) رقم (٢٦٣٠٨) وأبو عوانة في مستخرجه (٤/ ٤٣٨) رقم (٦٩٢٤). وسنده صحيح، وقد رُوي مرفوعًا وهو خطأ. وقد أشار البزار إلى أنّ الثقات أوقفوه، وذكر الدارقطني أن وقْفه أصح. انظر البحر الزخار (٣/ ٣٤٦) رقم (١١٤٦)، وعلل الدارقطني (٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨). تنبيه: سقط من (ظ) (كان سعد)، وجاء في (ظ) (تعلم) بدلًا من (تعلموا).
(٢) عند الطبراني رقم (٦) وأحمد في المسند (١/ ٢٨ مختصرًا، و٤٦ بمثله) والترمذي رقم (٢١٠٣) مختصرًا، وابن ماجة رقم (٢٧٣٧) مختصرًا وابن الجارود رقم (٩٦٤) وابن حبان (١٣/ رقم ٦٠٣٧) والبزار (١/ رقم ٢٥٣) مختصرًا وغيرهم. قلت: في سنده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش متكلم فيه، وأيضًا حكيم بن حكيم قال ابن سعد: "لا يحتجون بحديثه". انظر تهذيب الكمال (٧/ ١٩٣) و(١٧/ ٣٧ - ٣٩). والحديث صححه الترمذي وابن الجارود وابن حبان والضياء في المختارة، وذكر البزار: "أنه أحسن إسناد يُروى في ذلك … ". وقال ابن معين: "ليس في الخال حديث قوي".
(٣) وقع في (ظ) (عن أبي أمامة أنَّ سهل بن حنيف) وهو خطأ، والتصويب من الطبراني ومصادر التخريج.
[ ٤٢ ]