فصلٌ
* وذهبت طائفة ثانية إلى أن الرمي أفضل من الركوب، وتعلُّمه أفضل من تعلُّمه، والسباق به أفضل.
واحتجَّت هذه الفرقة بوجوه منها:
أحدها: أنَّ الله تعالى قدَّم الرمي في الذِّكْر على الرُّكوب (^١)، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وثبت عن النبي ﵌ أنَّه فسَّر القوَّة: بالرمي (^٢)، والعرب إنَّما تبدأ في كلامها بالأهمِّ والأولى.
قال سيبويه (^٣): "فإنهم (^٤) يقدِّمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانِه أَعْنَى، وإنْ كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم". هذا لفظه.
الثاني: أنه سمَّى الرمي قوَّة، وعدل عن لفظه، وسمَّى رباط الخيل بلفظه، ولم يعدل عنه (^٥) إلى غيره؛ إشارةً إلى ما في الرمي من
_________________
(١) سقط من (مط) (على الركوب).
(٢) تقدم تخريجه (ص/ ٤١).
(٣) في الكتاب (١/ ١٥)، واسمه: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، إمام النحاة، توفي سنة ١٨٠ هـ. انظر: بغية الوعاة (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٤) في (مط) (كأنهم إنما يقدمون).
(٥) من (ح).
[ ٦٢ ]
النِّكاية والمنفعة.
الثالث: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّ الرَّمي أحبُّ إليه من الرُّكوب، فدلَّ على أنه أفضل منه.
ففي "سنن أبي داود" و"النسائي" و"الترمذي" (^١) من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لَيُدخِلُ بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه المحتسب في عمله الخير، والرامي به، والمُمِدَّ به، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا".
الرابع: أن الرَّمي ميراث من إسماعيل الذبيح ﷺ، كما في "صحيح البخاري" (^٢) أنَّ النبي ﷺ مرَّ بقومٍ ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا".
الخامس: أن النبي ﷺ دخل مع الفريقين معًا في النِّضَال، ولم يدخل مع الفريقين في سباق الخيل، فدلَّ على فضل الرُّمَاة والرِّماية (^٣)، فأراد أن يحوز فضل الفريقين، وأن لا يفوتَه منه شيءٌ.
السادس: أنه صحَّ عنه من (^٤) الوعيد في نسيان الرمي ما لم يجئ مثله في ترك الرُّكوب.
_________________
(١) تقدم (ص/ ٣٩)، وليس في (ظ) (نفر)، ووقع في (ظ) (لي) بدلًا من (إليَّ).
(٢) رقم (٢٧٤٣) وراجع (ص/ ٤١).
(٣) من (ظ).
(٤) سقط من (ظ).
[ ٦٣ ]
ففي "صحيح مسلم" (^١) من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول لله ﷺ: "مَن تعلَّم الرمي ثم تركه؛ فليس منا - أو: قد عصى -".
وعند الطبراني من حديث سُهَيْل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من تعلَّم الرمي ثم نسيه؛ فهي نعمةٌ سُلِبَها" (^٢).
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: أخبرني أبو سَلَّام قال: حدثني خالد بن زيد عن عُقْبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ومن ترك الرمي بعدما عُلِّمَه؛ فإنه نعمةٌ كفرها - أو تركها -" (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص/ ٣٩)، وفيه (علم) بدل (تعلَّم).
(٢) في فضل الرمي رقم (٣٢) والمعجم الصغير (١/ رقم ٥٤٣) والخطيب في الموضح (٢/ ٣٨١) وغيرهم. وهو حديث منكر كما قال أبو حاتم الرازي في العلل (١/ ٣١٣) فقد تفرد به قيس بن الربيع عن سُهيل. وهو لا يحتمل هذا التفرد، وأهل الجرح والتعديل مختلفون فيه. تنبيه: وقع في (مط) (عن سهيل) بدلًا (من حديث سهيل).
(٣) أخرجه الطبراني في فضل الرمي برقم (٣٣)، وقد تقدم الكلام عليه (ص/ ٤٠ - ٤١). تنبيه: أ - وقع في (ح، ظ) (خالد بن يزيد) والروايات مختلفة في ذلك، والأكثر والأشهر ما أثبتُّه (خالد بن زيد). ب - ووقع في (ح، مط) (من نسي) بدلًا من (من ترك)، وسقط من (مط) (أو تركها).
[ ٦٤ ]
السابع: أنَّ رمي السَّهم يعدِل عتق رقبة، كما في "سنن أبي داود" و"النسائي" و"الترمذي" (^١) عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن رمى بسهمٍ في سبيل الله؛ فهو عدلٌ محرَّر".
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وفي لفظ النسائي (^٢):
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٣٩٦٥) والترمذي رقم (١٦٢٨) والنسائي رقم (٣١٤٣) وأحمد (٤/ ١١١٣ و٣٨٤) رقم (١٧٠٢٢ و١٩٤٢٨) وابن حبان (١٠/ رقم ٤٦١٥) والطبراني في فضل الرمي (١٨) وغيرهم. من طريق هشام عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمرو بن عبسة فذكره مطولًا وزاد (من بلغ بسهم في سبيل الله ﷿ فله درجة في الجنة …) وسنده صحيح وله طرق عن عمرو بن عبسة سيأتي بعضها. والحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
(٢) في سننه برقم (٣١٤٢) وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ رقم ١٦٣) والطبراني في مسند الشاميين (٢/ رقم ٩٥٧ و٩٥٨). من طريق صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن شرحبيل بن السِّمْط عن عمرو بن عبسة فذكره. وخالفه حريز بن عثمان فأرسله. فرواه حريز عن سليم بن عامر أن عمرو بن عبسة كان عند شرحبيل بن السمط فقال يا عمرو … فذكره. أخرجه عبد بن حميد في مسنده (١/ ٢٩٩) وأحمد في مسنده (٤/ ١١٣) والطبراني في مسند الشاميين (٢/ رقم ١٠٦٨). وهذا الطريق أصح، وعليه فالحديث من هذا الطريق مرسل، قال أبو حاتم: "سليم بن عامر لم يدرك عمرو بن عبسة ولا المقداد بن الأسود" المراسيل رقم (٣١٠). تنبيه: في (ح، مط) (عتق) بدلًا من (كعتق).
[ ٦٥ ]
"مَن رمى بسهمٍ في سبيل الله، بَلَغَ العدوَّ أو لم يبلغ؛ كان له كعتق رقبة".
وقال عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح عن أَسَد بن وَداعة عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكلِّ عضوٍ منه عضوًا منه من النار، ومن رمى بسهمٍ في سبيل الله فبَلَغَ العدوَّ فأصاب أو أخطأ كان له عتقُ رقبة" (^١).
الثامن: أنه بدرجة في الجنة.
كما رواه الطبراني (^٢) من حديث أبي عَوانة عن الأعمش عن
_________________
(١) أخرجه الطبراني في فضل الرمي رقم (١١) وفي مسند الشاميين (٣/ رقم ١٩٨٠) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧٢). وسنده لا بأس به؛ إن كان أبو صالح حفظه.
(٢) في فضل الرمي رقم (١٠)، والقراب في فضل الرمي رقم (٢١). وفيه لفظة غريبة سيأتي الكلام عليها. وقد خولف أبو عوانة، خالفه زائدة: فرواه زائدة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال قال رسول الله ﷺ. وهذا مرسل أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (رقم ٢٠٠٤ - المطالب) وأبو نعيم في صفة الجنة (٢/ رقم ٢٣٣). وخالفه أبو معاوية وجرير بن عبد الحميد: فروياه عن الأعمش عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة مرفوعًا بلفظ (أرموا أهل الصنع، من بلغ العدو بسهم، رفعه الله به درجة فقال عبد الرحمن بن أبي النحام: يا رسول الله وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك ولكنها بين الدرجتين مئة عام". أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦) رقم (١٨٠٦٣) والبيهقي (٩/ ١٦٢). قلت: لعل الأعمش حفظ جميع الطرق وإلا: فالطريق الأخير أقوى =
[ ٦٦ ]
عمرو بن مُرَّة عن أبي عُبَيْدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ يوم الطائف: "قاتِلوا؛ فمَن بلغ بسهم فإنها درجة، أمَا إنها ليست بدرجة أبي أحدكم ولا أُمِّه؛ ولكنها درجة في الجنة".
وذكر من حديث سعيد بن بَشِيْر عن قتادة عن سالم بن أبي الجَعْد عن مَعْدان بن أبي طلحة عن عمرو بن عبسة أنّ رسول الله ﷺ قال - وهو محاصِرٌ الطائف -: "من رمى بسهمٍ؛ فهو عدلُ رقبة" (^١).
وذكر أبو يعقوب القرَّاب من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "من بلغ بسهمٍ؛ فله درجة في الجنة". قالوا: يا رسول الله! وما الدرجة؟ قال:
_________________
(١) = وأرجح، وعليه فالإسناد منقطع، فإن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من شرحبيل كما قاله أبو داود تحت حديث رقم (٣٩٦٧)؛ لكن متن الحديث ثابت كما تقدم (ص/ ٦٥)، وانظر الحديث الآتي.
(٢) في فضل الرمي رقم (١٧) وفي مسند الشاميين (٤/ رقم ٢٧٥١) وأحمد في مسنده (٤/ ٣٨٤) رقم (١٩٤٢٨). وتوبع سعيد بن بشير. تابعه سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي (كما تقدم ص/ ٦٥) والحجاج بن الحجاج وشيبان كلهم عن قتادة به نحوه. أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ رقم ١٦٥) والبيهقي في الكبرى (٩/ ١٦١) والقرَّاب في فضل الرمي برقم (١٩) وأحمد (٤/ ٣٨٤) رقم (١٩٤٢٩). وسنده صحيح، والحديث وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم راجع (ص ٦٥).
[ ٦٧ ]
"ما بين الدرجتين خمسمائة عام" (^١).
التَّاسع: أنه نورٌ يوم القيامة.
كما رواه الحافظ أبو يعقوب القرَّاب في كتاب "فضل الرمي" (^٢) من حديث محمد بن الحنفية قال: رأيت أبا عَمْرَة الأنصاري - وكان بدريًّا أُحُدِيًّا - وهو يتلوَّى من العطش، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رمى بسهمٍ في سبيل الله، فبلغ أو قَصَّر؛ كان ذلك السهم نورًا يوم القيامة".
قال أبو يعقوب (^٣): ورُوِّينا بروايات مختلفة أكثر من عشرة - يطول بذكر أسانيدهم الكتاب - عن رسول الله ﷺ: "من رمي بسهمٍ في سبيل
_________________
(١) في فضل الرمي رقم (٢١). وفيه وهم، فإنَّ فيه لفظة غريبة وهي قوله (ما بين الدرجتين خمسمائة عام).
(٢) برقم (٢٥) والطبراني في الكبير (٢٢/ رقم ٥٩١) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ رقم ٦٩٠٤ و٦٩٠٦). والحديث تفرد به عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الفزاري، العرزمي، وهو ضعيف خاصة فيما ينفرد به. انظر مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٠).
(٣) في فضائل الرمي رقم (٢٧). ورد هذا المتن عن أبي هريرة - أخرجه البزار في مسنده (٢/ رقم ١٧٠٧ - كشف الأستار) وهو ضعيف جدًا، تفرد به حميد المكي مولى ابن علقمة عن عطاء، وحميد مجهول، ولا يتابع على أحاديثه، وأيضًا شيخ البزار - قال الهيثمي: "لم أعرفه". انظر المجمع (٥/ ٢٧٠) وتهذيب الكمال (٧/ ٤١٥).
[ ٦٨ ]
الله، كان له نورًا تامًّا".
العاشر: أن النبي ﷺ (^١) دعا للرماة، فقال لسعد بن أبي وقَّاص: "اللهُمَّ سدِّد رميته، وأجب دعوته" (^٢). فكان لا يخطئ له سهم، وكان مجاب الدعوة.
الحادي عشر: أن النبي ﷺ فدى الرماة بأبيه وأمه.
ففي "الصحيحين" (^٣) من حديث سعيد بن المسيب قال: قال
_________________
(١) سقط من (ح) "كان له نورًا". العاشر: أن النبي ﷺ.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (١٤٠٨) بمثله والترمذي رقم (٣٧٥١) مختصرًا، وابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة رقم (١٦٢) وابن حبان (١٥/ رقم ٦٩٩٠) والحاكم (٣/ ٤٩٩) رقم (٦١١٨) وغيرهم. من طريق جعفر بن عون عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن سعد فذكره. وهذا مما أخطأ فيه جعفر بن عون، والصواب مرسل كما أشار إليه الترمذي والدارقطني. فقد رواه يحيى القطان ويزيد بن هارون ووكيع وسفيان بن عيينة وهشيم وأبو أسامة وغيرهم كلهم عن إسماعيل به مرسلًا. وأيضًا اضطرب فيه جعفر فرواه جماعة عنه مسندًا، ورواه بعضهم عنه مرسلًا. انظر علل الدارقطني (٤/ رقم ٦٤٠). وقد ورد هذا المتن من حديث عائشة في مسند البزار (٤/ رقم ١٢١٣)، وهو باطل، فيه عثمان الوقاصي: متروك. تنبيه: في (مط) (رميه) بدلًا من (رميته).
(٣) البخاري رقم (٣٨٢٩) واللفظ له ومسلم رقم (٢٤١٢) ولم يسق لفظه.
[ ٦٩ ]
سعد بن مالك: "نثَل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد، فقال: ارْمِ، فداكَ أبي وأمي".
وفي لفظ لهما: "جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد" (^١).
وفي "صحيح مسلم" (^٢) عن عامر بن سعد عن أبيه: "أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد؛ قال: كان رجل من المشركين أحرق المسلمين، فقال له النبي ﷺ: "ارم، فداك أبي وأُمِّي" قال: فنزعتُ له بسهمٍ ليس فيه نصلٌ، فأصبت جَنْبَهُ، فسقط، وانكشفَتْ عورتُه، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرتُ إلى نواجذه".
الثاني عشر: أنّ للماشي (^٣) بين الغرضين بكل خطوة حسنة.
كما روى الطبراني في كتاب "فضل الرمي" (^٤) من حديث علي بن زيد عن سعيد بن المسيِّب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "من مشى بين الغرضين؛ كان له بكل خطوة حسنة".
الثالث عشر: أن النبي ﷺ كان من حرصه على الرمي يناول الرامي السهم ماله نصل يرمي به، وكان الرماة وقايةً لرسول الله ﷺ؛ كما ذكر ابن إسحاق في "المغازي" (^٥) من حديث سعد: أنه رمى يوم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٥١٩)، ومسلم برقم (٢٤١٢).
(٢) برقم (٢٤١٢) - (٤٢) - (٣).
(٣) في (ظ) (الماشي).
(٤) رقم (٤٦) وقد تقدم، وهو ضعيف جدًّا.
(٥) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٩) من طريق ابن إسحاق. وسنده =
[ ٧٠ ]
أحد دون رسول الله ﷺ قال سعد: "ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ يناولني السهم، ويقول: ارمِ، فداك أبي وأمي"، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل، فأرمي به".
الرابع عشر: أَنَّ من فضائل القوس (^١)، أن النبي ﷺ كان يخطب وهو متوكِّئ عليها (^٢).
ويُذكر عن أنس قال: "ما ذُكِرَت القوس عند النبي ﷺ إلا قال: ما سبقها سلاح إلى خيرٍ قط" (^٣).
ويُذكر أن جبريل جاء يوم بَدْرٍ وهو متقلِّد قوسًا عربيَّة (^٤).
_________________
(١) = ضعيف، لإبهام (بعض آل سعد).
(٢) سقط من (ح) (أنه من فضائل القوس)، ووقع في (ظ، مط) (أنه) بدل (أنَّ).
(٣) ورد عن جماعة من الصحابة. وأصحُّ شيء فيه حديث الحكم بن حزن الكلفي - وفيه (.. فلبثنا عند رسول الله ﷺ أيامًا شهدنا فيها الجمعة فقام رسول الله ﷺ متوكئًا على قوس - أو قال - على عصا - فحمد الله …). أخرجه أحمد (٤/ ٢١٢) رقم (١٧٨٥٦) وأبو داود رقم (١٠٩٦) وابن خزيمة في صحيحه (٢/ رقم ١٤٥٢). وسنده لا بأس به، والحديث صححه ابن خزيمة. وانظر تحفة الأريب بما جاء في العصا للخطيب للوصابي. ط مكتب التوعية الإسلامية.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه. لكن أَخرج البخاري في صحيحه برقم (٣٧٧٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال يوم بدر. (هذا جبريل، آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب).
[ ٧١ ]
الخامس عشر: أنّ في القوس خاصية (^١)، وهي أنها تَنْفي الفقر عن صاحبها، وقد ورد بذلك أثرٌ في إسناده نظر ذكره (^٢) أبو القاسم الطبراني في كتاب "فضل الرمي" (^٣) من حديث الرَّبِيعْ بن صَبِيْح عن الحَسَن عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن اتَّخذ قوسًا عربيَّة، نفى الله عنه الفقر".
السادس عشر: أن بالقُسِيِّ مكَّن الله الصحابة في البلاد، ونصرهم على عدوهم.
كما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عُوَيْم بن ساعدة عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ أشار إلى القوس العربية، وقال: "بهذه وبرماح القنا يمكِّن الله لكم في البلاد وينصركم على عدوِّكم" (^٤).
_________________
(١) في (ح، مط) (خاصة).
(٢) في (مط) (في إسناده مقال، أخرجه أبو القاسم)، وفي (ح) (في إسناده أبو القاسم)، وعلّق الناسخ في الحاشية بعد قوله (إسناده) (لعله: ضعف، رواه).
(٣) رقم (٢٦) من طريق إبراهيم بن مردويه ثنا أبي عن الربيع بن صبيح به. والحديث تفرد به الربيع بن صبيح وفي حفظه ضعف، لا يحتج به فيما ينفرد به، والرواة عنه ينظر مَنْ هم؟ انظر تهذيب الكمال (٩/ ٨٩ - ٩٤). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٣٨٣ و٣٨٤) من طريق آخر عن أنس بلفظ (من اتخذ قوسًا في بيته نفى الله عنه الفقر أربعين سنة). وهو حديث باطل، فيه محمد بن سنان كذاب. انظر الجرح والتعديل (٧/ ٢٧٩).
(٤) في فضل الرمي رقم (٢٨) وفي المعجم الكبير (١٧/ رقم ٣٥١) والبيهقي في =
[ ٧٢ ]
وروى ابن ماجه نحوه عن علي بن أبي طالب مرفوعًا (^١).
السابع عشر: أن النبي ﷺ حرَّضهم عند فتح البلاد عليهم على اللهو بالسهام؛ كما رواه الطبراني من حديث صالح بن كَيْسان عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ستُفْتحُ لكم الأرض، وتَكْفون المؤنة، فلا يعْجِزْ أحدُكم أنْ يلهو بأسْهُمِهِ" (^٢).
الثامن عشر: أن منفعة الرمي ونكايته في العدو فوق منفعة سائر آلات الحرب، فكم من سهمٍ واحدٍ هزم جيشًا، وإن الرامي الواحد ليتحاماه الفرسان، وترعد منه أبطال الرجال.
هذا، وإن السهم تريد ترسله إلى عدوك (^٣)، فيكفيك مؤنته على
_________________
(١) = الكبرى (١٠/ ١٤). قال البيهقي: "تفرد به محمد بن طلحة، وفيه انقطاع؛ عبد الرحمن بن عويم ليست له صحبة"، وقال البخاري: "عبد الرحمن بن عويم .. الأنصاري: مرسل". التاريخ (٥/ ٣٢٥). وعليه فالحديث مرسلٌ ضعيفٌ الإسناد.
(٢) سيأتي (ص/ ٨١ - ٨٢).
(٣) في فضل الرمي رقم (٢٥) من طريق أسامة بن زيد الليثي عن صالح بن كيسان به فذكره. وهو حديث مرسل ضعيف الإسناد. ويغني عنه ما أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - رقم (١٩١٨) من طريق أبي علي الهمداني عن عقبة فذكره بلفظ (ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه).
(٤) في (ظ) (وإن الرامي بالسهم يريد الموت يرسله إلى عدوك).
[ ٧٣ ]
البُعْد، وقد عُلِم بالتجرِبة أن الرامي الواحد إذا كان جيِّد الرمي؛ فإنَّه يأخذ الفئة من الناس الذين لا رامي معهم، ويطردهم جميعًا، ولهذا عند أرباب الحروب (^١) إن كل سهم مقام رجل، فإذا كان مع الرجل الرامي (^٢) مئة سهمٍ، عُدَّ بمئة رجل، والخصم يخاف من النشاب أضعاف خوفه من السيف والرمح، وإذا كان راجل واحد رام؛ أمكنه أن يأخذ مئة فارس لا رامي فيهم ويغلبهم، ومئة فارس لا يغلبون راميًا واحدًا، ولهذا ألقى الله تعالى من الرعب لصاحب الرمي عند خشخشة النشاب والجعبة ما لم يلقه لصاحب السيف والرمح، وهذا معلومٌ بالمشاهدة، حتى إن الألف ليفزعون من رامٍ واحد، ولا يكادون يفزعون من ضارب سيفٍ واحد، فصوت الرامي المجيد (^٣) في الجيش خير من فئة، كما قال النبي ﷺ: "صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة" (^٤).
_________________
(١) في (ظ، ح) (الحرب).
(٢) ليس في (مط).
(٣) في (ظ) (الجيد).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١١١ و١١٢ و٢٦١) والحميدي في مسنده (٢/ رقم ١٢٠٢) مطولًا وأبو يعلى في مسنده (٧/ رقم ٣٩٨٣) والقراب في فضل الرمي رقم (٣٢ - ٣٤) وغيرهم. من طرق عن ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس بن مالك فذكره، وقال بعضهم (مئة) بدلًا من (فئة). ورواه حماد بن سلمه لكنه اضطرب فيه، فرواه عفان عنه به مثله (لكن قال أظنه عن أنس). * ورواه يزيد بن هارون واختلف عنه. فرواه عن حماد عن ثابت عن أنس =
[ ٧٤ ]
وكان أبو طلحة من أحسن الصحابة رميًا، وأشدِّهم نزعًا، وفي "الصحيح" (^١) أنه: "لما كان يوم أُحُد، انهزم أُناسٌ من (^٢) الناس عن رسول الله ﷺ، وأبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ مُجوِّب عليه بحَجَفة (^٣) معه، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النَّزع، وكَسَرَ يومئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يَمُرُّ بالجَعْبَة فيها النَّبْل (^٤)، فيقول:
_________________
(١) = بلفظ (لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة) هكذا رواه عنه أحمد بن حنبل (٣/ ٢٤٩) رقم (١٣٦٠٤) وابن أبي شيبة عند عبد بن حميد في مسنده رقم (١٣٨٢). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥١٧) رقم (٣٣٤١٢) عن يزيد عن حمَّاد عن علي بن زيد عن أنس فذكره. وهذا يدل على أن حماد بن سلمة كان يضطرب فيه، مع أنه من أثبت الناس في علي بن زيد وثابت البناني، وعليه فطريق ثابت غير محفوظ. ورواه الثوري عن ابن عقيل عن جابر أو عن أنس فذكره. قلت: هذه الرواية غير محفوظة، والصواب أنه من حديث علي بن زيد عن أنس. وعليه فالحديث ضعيف الإسناد، لتفرد ابن جدعان به وهو لين الحديث والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٣٧)، ومسلم في صحيحه رقم (١٨١١).
(٣) في (مط) (انهزم الناس) وفي (ح) (ناس من الناس)، والمثبت من (ظ) وصحيح مسلم.
(٤) في (ح، ظ) (يجوَّب عنه)، والمثبت من (مط) وصحيح مسلم، لكن ليس فيه (معه). وقوله (بحجفة): أي بترس. انظر النهاية (١/ ٣٤٥).
(٥) في مسلم (معه الجعبة من النبل).
[ ٧٥ ]
"انثُرْها لأبي طلحة"، ويُشْرِفُ رسول الله ﷺ فينظر إلى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تُشْرِف، يُصيبك (^١) سهمٌ من سهام القوم، نحري دونَ نحرك".
وفي لفظ آخر: "لا تشرف يا رسول الله! نفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء" (^٢).
وقال أنس: "كان رسول الله ﷺ وأبو طلحة يتَّرَّسان بترس واحد، وكان أبو طلحة إذا رمى يشرف له رسول الله ينظر إلى مواقع سهمه" (^٣).
التاسع عشر: أن الرمي يعمل في الجهات كلها، فيعمل في وجه (^٤) العُلُو، والسُّفْل، واليمين، والشمال، وخَلْف، وأمام على البُعْد، وغيره لا يبلغ عمَلَه ذلك ولا بعضه، ولا يؤثِّر إلا مع القرب. *.
العشرون: أن الرمي يَصْلُح للكسب والحرب، فيصاد به الطير
_________________
(١) في مسلم (لا يصيبك) والمثبت للبخاري.
(٢) هذا اللفظ جزء من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أنس - المتقدم (ص/ ٧٤). أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٦) والحميدي (٢/ رقم ١٢٠٢) والبخاري في الأدب (رقم ٨٠٢) وسعيد بن منصور في السنن (٢/ رقم (٢٨٩٨) وغيرهم وهو ضعيف الإسناد كما تقدم. ولفظه: (كان أبو طلحة ينثل كنانته بين يدي رسول الله ﷺ ويجثو على ركبته ويقول: وجهي لوجهك الوقاء، ونفسي لنفسك الفداء).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٧٤٦). تنبيه: سقط من (ح) من قوله (أبو طلحة) إلى (ﷺ).
(٤) (فيعمل في وجه) ليس في (ظ).
[ ٧٦ ]
والوحش، فهو يصلح لتحصيل المنافع ولدفع المضار، وهو أعظم الآلات تحصيلًا لهَذين الأمرين، وإن كان غير الرامي قد يحصل به ذلك إلا أنَّ (^١) الحاصل منه بالرمي أكمل وأتمّ.
فهذا بعض ما احتجَّ به الفريقان.
قال شيخ الإسلام: وقد رُوِيَ أن قومًا كانوا يتناضلون، فقيل: يا رسول الله! قد حضرتِ الصلاة، فقال: "هُم في صلاة" (^٢).
فشبَّه رمي النشاب بالصلاة، وكفى بذلك فضلًا" *.