في "التمهيد" (^١) عنه.
واحتجَّ أصحاب هذا القول بوجوه:
أحدها: أنه أصل الفروسية وقاعدتها.
الثاني: أنّه يُعلِّم الكرَّ والفرَّ والظَّفَر بالخصم.
الثالث: أنَّ الحاجة إلى الرمي في ساعة ما (^٢)، وأما الرُّكوب، فالحاجة إليه من أول ما يخرج إلى القتال إلى أن يرجع.
الرابع: أن الركوب يعلَّم الفارس والفرس معًا، فهو يؤثر القوة في المركوب وراكبه.
الخامس: أن النبيَّ ﷺ راهنَ على فرس يقالُ له: سَبْحَة، فسبَقَ الناس. ذكره الإمام أحمد (^٣)، ولم يُحْفَظ عنه أنه راهن في النضال.
السادس: أن ركوبه ﷺ كان أضعاف أضعاف (^٤) رميه بما لا يُحصى.
السابع: أنه ﷾ عقد الخير بنواصي الخيل إلى يوم القيامة.
الثامن: أنها تصلُح للطلب والهرب، فهي حصون ومعاقل لأهلها.
_________________
(١) (١٤/ ٨٤).
(٢) في (مط) (في ساعة).
(٣) انظر (ص/ ١٣ - ١٤).
(٤) ليس في (ح، مط).
[ ٥٣ ]
التاسع: أن أهلها أعزُّ من الرماة، وأرفع شأنًا، وأعلا مكانًا، وأهلها حكَّامٌ به (^١) على الرُّماة، والرُّماة رعيَّةٌ لهم.
العاشر: أنها كانت أحبَّ الأشياء إلى رسول الله ﷺ بعد النساء، فروى النسائي في "سننه" (^٢) عن أنس قال: "لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى رسول الله ﷺ بعد النِّساء من الخيل".
الحادي عشر: ما روى مالك في "موطئه" (^٣) عن يحيى بن سعيد
_________________
(١) من (ظ).
(٢) رقم (٣٥٦٤ و٣٩٤١) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٠٢). وهو غريب، تفرد به إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. ولم يذكر الأئمة ابن طهمان في الذين سمعوا من سعيد قبل اختلاطه. انظر الكواكب النَّيرات لابن الكيَّال ص ٢٠٨ - ٢١٢. قال الدارقطني: " … ورواه أبو هلال الراسبي عن قتادة عن معقل بن يسار … ثم قال: والمرسل أصح". انظر علل الدارقطني (٤/ ٣١/ ب)، وتحقيق المسند (٥/ ٢٧).
(٣) (١/ ٦٠١) رقم (١٣٤٤)، وأسنده بعضهم عن مالك فجعله عن أنس، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١٠٠): "ولا يصح". وقد رواه يحيى القطان والقعنبي فقالا عن يحيى بن سعيد عن رجل من الأنصار فذكره. أخرجه مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (٩/ ٦٣٠) رقم (١٩٨٤) وأبو عبيدة في الخيل (ص/ ٤). ورواه سفيان بن عيينة ومروان بن معاوية فقالا عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار مرسلًا. أخرجه سعيد بن منصور (٢/ رقم ٢٤٣٨) وغيره. =
[ ٥٤ ]
قال: "رُئي رسول الله ﷺ يمسح وجه فرسه بردائه، فقيل له في ذلك؟
فقال: إنِّي عُوتِبْتُ في الخيلِ".
وهذا (^١) لكرامتها عليه وعلى مَن عاتبه فيها.
الثاني عشر: ما رواه النسائي (^٢) عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من فرسٍ عربيًّ إلا يُؤْذَن له عند السَّحَر بكلمات يدعو بهنَّ:
_________________
(١) = والحديث مرسل. * وقد جاء مرسلًا من وجه آخر عن نعيم بن أبي هند الأشجعي نحوه وفيه (إن جبريل عاتبني في الفرس). أخرجه الطيالسي في مسنده (٢/ رقم ١١٥٥) وأبو داود في المراسيل رقم (٢٩١) وغيرهما. وأسنده بعضهم فجعله عن عروة بن الجعد البارقي. ولا يثبت.
(٢) ليس في (ح، مط).
(٣) (٦/ ٢٢٣) وأحمد في المسند (٥/ ١٧٠) والبزار في البحر الزخار (٩/ رقم ٣٨٩٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٨٧) والحاكم (٢/ ٩٢ و١٤٤) رقم (٢٤٥٧ و٢٦٣٨) وغيرهم. من طريق عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن خديج عن أبي ذر فذكره. وقد خولف عبد الحميد سندًا ومتنًا. فرواه عمرو بن الحارث والليث بن سعد عن يزيد عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن معاوية عن أبي ذر موقوفًا. أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢)، وسعيد بن منصور (٢/ رقم ٢٤٤٤) وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٠٠ وهذا الصحيح موقوف، وسنده صحيح، وقال الدارقطني: "وهو المحفوظ". انظر العلل (٦/ رقم ١١٢٣).
[ ٥٥ ]
اللهُمَّ خوَّلتني مَن خوَّلتني من بني آدم وجعلْتَني له، فاجْعَلْني من أحبِّ أهله وماله إليه".
الثالث عشر: أن الله ﷾ أقْسَم بالخيل في كتابه، وذلك يدلُّ على شرفها وفضلها عنده، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ [العاديات: ١ - ٣].
أقسم سبحانه بالخيل تعْدُو في سبيله. والضَّبْح: صوتٌ في أجوافها عند جريها (^١).
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ توري النار بحوافرها عندما تصكُّ الحجارة. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ (^٢) النَّقْعُ: الغبار تثيره الخيل عند عَدْوِها.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ قيل: يعود على القَدْح، وهو ضعيف؛ فإن الغبار لا يُثار بالقدح.
وقيل: عائد على المُغار المدلول عليه بقوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾ أي: أثرنَ بالمُغار غُبارًا؛ لكثرة جولانها فيه.
ويجوز أن يعود على المُغار الذي هو مصدرٌ، أي: أثرن (^٣) الغبار بسبب الإغارة. ويجوز أن يعود على العَدْوِ المفهوم من لفظ
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٣٠/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وغريب الحديث للحربي (٢/ ٤٦٥).
(٢) من (ح) فقط ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ [العاديات: ٥].
(٣) ليس في (ح، مط).
[ ٥٦ ]
﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾.
والضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ الثانية مثل الأولى.
وقيل: عائدٌ على النَّقع، أي: وسطنَ جَمْعًا ملتبسات بالنقع، وعلى هذا، فـ "جَمْعٌ" هنا: مَجْمع العدو. وهذا قول ابن مسعود (^١).
وقال علي (^٢): المراد بها إبل الحاج. أقسم الله تعالى بها لعَدْوِهَا في الحج الذي هو من (^٣) سبيله، و"جَمْعٌ" (^٤) الذي وَسَطْن به: هو مزدلفة أغرن (^٥) به وقت الصبح.
والقول الأول أرجح لوجوه:
أحدها: أن المستعمل في الضَّبْح إنما هو للخيل (^٦)، ولهذا قال أهل اللغة: "الضَّبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدَت، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾، ويقال أيضًا: ضبح الثعلب".
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٧٦) وسنده منقطع.
(٢) أخرجه ابن وهب في التفسير من جامعه (٢/ ٧٠ - ٧١) رقم (١٣٦) مطولًا وفيه قصة رجوع ابن عباس إلى قول علي بن أبي طالب ﵃. والطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٧٦) من طريق ابن وهب مختصرًا. والأثر سنده صحيح.
(٣) في (مط) (في سبيله).
(٤) سقط من (مط).
(٥) في (مط) (هو مزدلفة أخرت وقت الصبح)، وفي (ح) (هو من مزدلفة أغرن به وقت الصبح).
(٦) في (ح) (بالصبح) بدلًا من (في الضْبح)، وفي (مط) (هو الخيل).
[ ٥٧ ]
الثاني: أنه (^١) وصفها بأنها توري النار من الحجارة عند عدوها، وهذا مشهود في الخيل؛ لقرع سنابكها من الحديد للصفا، فيتولَّد قدح النار من بينهما كما يتولَّد من الحديد والصَّوان عند القدح.
الثالث: أنه وصفها بالإغارة، وهي وإن استعملت للإبل، كما كانت قريش تقول: "أشْرِقْ ثبير كيما نُغِيْر" (^٢)؛ لكنَّ استعمالها في إغارة الغزو أكثر.
الرابع: أنه ﷾ وقَّت الإغارة بالصبح، والحُجَّاج (^٣) عند الصبح لا يُغيرون، وإنما يكونون بموقف مزدلفة، وقريش إذ ذاك لم تكن تغير حتى تطلع الشمس، فلم تكن تُغيِر بالصبح قريش ولا غيرها من العرب.
وفي "الصحيح" (^٤) عن النبي ﷺ: "أنه كان في الغزو لا يُغير حتى يُصْبِحَ، فإذا أصبح؛ فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار".
الخامس: أنه تعالى عطَفَ توسُّط الجمع بالفاء التي هي للتَّرتيب بعد الإغارة، وهذا يقتضي أنها أغارت وقت الصبح، فتوسَّط الجمع
_________________
(١) سقط من (مط).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٦٠٠) وغيره من قول عمر بن الخطاب وفيه (أشرق ثبير)، وزاد أحمد في المسند (١/ ٣٩ و٤٢ و٥٤) وابن ماجه رقم (٣٠٢٢) وغيرهما (كيما نغير). تنبيه: سقط من (ح) (لكن) في قوله (لكن استعمالها).
(٣) في (ح، ظ) (والحاج).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥٨٥) بنحوه.
[ ٥٨ ]
بعد الإغارة، ومن المعلوم أن إبل الحاج لها إغارتان: إغارة في أول الليل إلى جَمْع، وإغارة قبل (^١) طلوع الشمس منها إلى مِنى، والإغارة الأولى قبل الصبح، فلا يمكن الجمع بينهما وبين وقت الصبح وبين توسُّط جمع، وهذا ظاهر.
السادس: أن النَّقع هو الغبار، وجَمْع مزدلفة وما حوله كله صفا، وهو وادٍ بين جبلين لا غبار به تثيره الإبل، والله أعلم بمراده من كلامه.
الرابع عشر: أن النبي ﷺ أخبر أن: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله؛ فإن شبعه وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (^٢).
الخامس عشر: أنه ﷺ أمر بارتباطها ومسح نواصيها وأكفالها، ففي "سنن أبي داود"، "والنسائي" (^٣) من حديث أبي وهب الجُشّمي
_________________
(١) في (ظ) (بعد طلوع) وهو خطأ.
(٢) تقدَّم في حاشية (ص/ ٣٧).
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٢٥٤٣) والنسائي (٦/ ٢١٨ - ٢١٩) رقم (٣٥٦٥) وأحمد (٤/ ٣٤٥) والبخاري في الأدب رقم (٨١٤) مختصرًا، وفي الكنى رقم (٧٤٩) وغيرهم. من طريق هشام بن سعيد عن محمد بن مهاجر عن عَقِيل بن شَبِيب عن أبي وهب الجُشَمي فذكر مطولًا. وقد وقع في الحديث اختلاف - والصحيح أن أبا وهب الجشمي ليس بصحابي، وأن هذه التسمية خطأ، وصوابه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول - واسمه عبد الله، وهو يروي عن التابعين ومن بعدهم كالأوزاعي ونحوه. وعليه فالحديث مرسل لا يثبت. =
[ ٥٩ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها، وقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار".
وفي هذا قولان:
أحدهما: أنه لا يركب عليها، ويقلِّدها في الأخذ بأوتار الجاهلية، وهي الذُّحول (^١) والعداوات التي بين القبائل (^٢).
الثاني: - وهو الصحيح -: أن لا يقلِّدها وترًا من أجل العين، كما كان أهل الجاهلية تفعله، وكذلك لا يعلِّق عليها خرزة، ولا عظمًا، ولا تميمة؛ فإن ذلك كله من عمل الجاهلية (^٣).
_________________
(١) = راجع تفصيل ذلك في علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣١٢ - ٣١٣) رقم (٢٤٥١). تنبيه: سقط من (ح)، (ظ) (وقلدوها).
(٢) الذَّحْلُ: طلب مكافأة بجناية جُنِيَتْ عليك، أو عداوةٍ أُتِيَتْ عليك. انظر العين للخليل بن أحمد ص ٣١٥.
(٣) ذهب إليه النضر بن شميل، ومال إليه وكيع بن الجراح، وضعّف الثوري هذا القول، وقال القرطبي: "وهو تأويل بعيد". تنبيه: وقع في (ح) (من القبائل) بدلًا من (بين القبائل).
(٤) وهو قول الإمام مالك انظر الموطأ - رواية يحيى الليثي - (٢/ ٥٢٦). ويدل عليه حديث أبي بشر الأنصاري: أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا: أن لا يبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر - أو قلادة - إلا قطعت). أخرجه البخاري رقم (٢٨٤٣) ومسلم رقم (٢١١٥). تنبيه: سقط (أهل) من (ح، مط).
[ ٦٠ ]
وفي "سنن أبي داود" وغيره مرفوعًا: "من تقلَّد وترًا؛ فإنَّ محمدًا منه بريء" (^١).
_________________
(١) رقم (٣٦) وأحمد (٤/ ١٠٩) رقم (١٧٠٠٠) وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٨٦ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ رقم ٢١٩٦) وغيرهم. من طريق المفضل بن فضالة وعبد الله بن عياش القتباني كلاهما عن عياش بن عباس القتباني أن شُيَيْم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان بن أمية القتباني يقول عن رويفع فذكره مطولًا. ورواه حيوة بن شريح وابن لهيعة (على اختلاف عنه) عن عياش عن شييم أنه سمع رويفع فذكره. أخرجه أحمد (٤/ رقم ١٦٩٩٥) والنسائي (٥٠٦٧) والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٣). قلت: الطريق الأول أصح، وفيه شيبان بن أمية القتباني، تابعي سمع من رويفع وحضر معه الفتوح ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب رقم (٢٨٣٢): "مجهول". ورواه ابن لهيعة والمفضل بن فضالة عن عياش عن شييم عن أبي سالم الجيشاني أنه سمع عبد الله بن عمرو يذكر هذا الحديث وهو مرابط في حصن باب أليون. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨) رقم (١٦٩٩٤) وأبو داود (رقم ٣٧) وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ١٨٦. ولا أدري هل حفظه عياش القتباني أم لا؟ فإن كان حفظه، فهو شاهد لما تقدم، وفيه أبو سالم الجيشاني واسمه سفيان بن هانيء، تابعي وثقه العجلي، وهو مختلف في صحبته. انظر التاريخ الكبير (٤/ ٨٧) وتهذيب الكمال (١١/ ١٩٩ - ٢٠٠).
[ ٦١ ]