وأما مراهنة الصِّدِّيق للمشركين بإذنه وعلمه (^١):
فروى الترمذيُّ في "جامعه" (^٢) من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس في قول الله تعالى ﷿: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣] قال: "كان المشركون يحبُّون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان (^٣)، وكان المسلمون يحبُّون أن يظهر الرومُ على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "أما إنَّهم سيُغْلَبونَ"، فذكره أبو بكر لهم (^٤)، فقالوا: اجعل
_________________
(١) في (ح)، (مط) (معلمه وإذنه).
(٢) - رقم (٣١٩٢) وأحمد (١/ ٢٧٦ و٣٠٤)، والبخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٣٢٢)، والطبري في تفسيره (٢١/ ١٦ - ١٧)، والطبراني (١٢/ ٢٩) رقم (١٢٣٧٧) والحاكم (٢/ ٤١٠) رقم (٣٥٤٠) وغيرهم. والحديث تفرد به أبو إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري به. ولهذا قال الترمذي: "حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة" وفي بعض النسخ (حسن غريب). والحديث صححه الحاكم وأقرَّه الذهبي، واختاره ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ رقم ١٤٤ و١٤٥) وصححه ابن القيم (ص/ ١٤٥) وغيرهم.
(٣) في (ح) (لأنهم أولياؤهم أهل الأوثان).
(٤) في (ح، مط) (فذكروه لهم).
[ ١٧ ]
بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتُم كان لكم كذا وكذا، فجَعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: "ألا جعلت إلى دون - أُراه - العشر" - قال سعيدٌ: والبضْعُ ما دون العشر - قال: ثم ظهرتِ الروم بعدُ. قال فذلك قولُه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥] ".
قال سفيان: "سمعتُ أنَّهم ظهروا عليهم يوم بدر (^١) ".
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
وفي "جامعه" (^٢) أيضًا: عن نِيَار بن مُكْرَم الأسْلَمي قال:
_________________
(١) سقط من (ح، مط) (يوم بدر).
(٢) رقم (٣١٩٤) وقال: "هذا حديث صحيح حسن غريب، لا نعرفه من حديث نيار بن مكرم إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد". وأخرجه البخاري في تاريخه (٨/ ١٣٩ - ١٤٠) مطولًا، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥) رقم (٢٣٧) والطحاوي في مشكل الآثار (٧/ ٤٤٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧٠٤) رقم (٦٤٦٤) وغيرهم. كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن نيار فذكره. قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم، عن أبي بكر الصديق. تفرَّد به أبو الزناد عبد الله بن ذكوان عنه، ولم يروه عنه غير ابنه عبد الرحمن". انظر تهذيب الكمال (١٧/ ٩٨ - ١٠١)، والطبقات الكبرى لابن سعد =
[ ١٨ ]
"لمَّا نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وكانت فارس يوم نَزَلَت هذه الآية قاهرين للرُّوم (^١)، وكان المسلمون يحبُّون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإيِّاهم أهلُ كتاب، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥]، وكانت قريشٌ تحبُّ ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتابٍ ولا إيمانٍ ببَعْثٍ، فلما أنزل اللهُ هذه الآية، خرج أبو بكرٍ الصِّدِّيق يصيحُ في نواحي مكَّة: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فقال ناسٌ من قريش لأبي بكر (^٢): فذلك بيننا وبينكم زعم (^٣) صاحبكَ أنَّ الروم سَتَغْلِبُ فارس في بضعِ سنين، أفلا نُراهِنُكَ على ذلك؟ قال: بلى - قال: وذلك قبلَ تحريم الرِّهان -. فارْتَهَنَ أبو بكر والمشركونَ، وتواضَعُوا الرِّهان، وقالوا لأبي بكرٍ: كمْ نَجْعَلُ البضع - وهو من ثلاث سنينَ إلى تسع (^٤)؟ فسمِّ بيننا وبينك وسَطًا تنتهي إليه، قال: فَسَمَّوا بينَهُم ستَّ سنين. قالَ: فمضت السَّتُّ سنين (^٥) قبل أنْ يظهروا، فأخذ المشركون رهْنَ أبي بكرٍ، فلما دخلتِ السَّنَةُ السابعة ظهَرَتِ الرومُ على
_________________
(١) = (٧/ ٩)، وتاريخ دمشق (١/ ٣٧٠)، والإصابة (٦/ ٢٥٩).
(٢) في (ظ) (الروم).
(٣) قوله (لأبي بكر) من الترمذي و(مط) وقد سقط من (ظ، ح).
(٤) في (ح، مط) (يزعم)، والمثبت من (ظ)، والترمذي.
(٥) في (مط) (سبع سنين) وهو خطأ.
(٦) قوله (قال: فمضت الست سنين) ليس في (ظ).
[ ١٩ ]
فارسَ، فعابَ المسلمونَ على أبي بكر تسميَتَهُ ستَّ سنين؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]. قال: وأسلم عند ذلك ناسٌ كثير".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي "الجامع" (^١) أيضًا من حديث ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قال لأبي بكرٍ في مُناحَبَتِهِ (^٢): "ألا أخفَضْتَ (^٣) - وفي لفظٍ: ألا احْتَطتَ -؛ فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع".
رواه من حديث الزُّهري عن عُبيد الله بن عبد الله (^٤) عن ابن عباس.
_________________
(١) برقم (٣١٩٣)، وأخرجه الحربي في غريب الحديث (٢/ ٣٩٥) والطبري في تفسيره (٢١/ ١٧) والطحاوي في المشكل (٧/ ٤٤١) رقم (٢٩٩٠ و٢٩٩١) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٣٢٤). من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، (وفي بعض النسخ: غريب) من هذا الوجه من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس". قلت: الحديث منكر بهذا الإسناد، لتفرد الجمحي بهذا الحديث عن الزهري وهو مجهول: انظر تهذيب الكمال (١٥/ ٢٢٩).
(٢) في (ح) (مناجنته) وهو خطأ.
(٣) لم أقف على هذه الرواية في الترمذي، فلعلها عنده في رواية أخرى للجامع والله أعلم. وقوله (وفي لفظ: ألا احتطت) ليس في (ظ)، ووقع في (ح، مط) (من الثلاث) بدلًا من (ما بين الثلاث).
(٤) ووقع في (مط) (عبيد الله بن عتبة) وكلاهما صحيح لأن اسمه: عبيد الله بن =
[ ٢٠ ]