الأخْبَثان" (^١)، و"لا وضوء لمَن لم يذكرِ اسمَ الله عليه" (^٢)، ونحو ذلك مما ينفي الكمال لا الصحة.
قالوا: ولأن ذلك جعَالة على عمل مباح، فكان جائزًا كالثلاثة المذكورة في النص (^٣).
قال المانِعون: هذا جمعٌ بين ما فرَّق الله ورسوله ﷺ بينهما حُكمًا وحقيقة؛ فإنَّ رسول الله ﷺ أثبت السَّبق في الثلاثة، ونفاهُ عمَّا عداها،
_________________
(١) = قالوا. انظر نصب الراية (٤/ ٤١٢ - ٤١٣) والمقاصد الحسنة رقم (١٣٠٩) وإرواء الغليل (٢/ ٢٥١ - ٢٥٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂. تنبيه: في (مط) (ولا صلاة وهو)، وفي (ظ) (ولا هو يدافعه)، والمثبت من صحيح مسلم.
(٣) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٧)، وأحمد (٣/ ٤١)، والدارقطني (١/ ٧١)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٤٣) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري. وقد رُوي عن جماعة من الصحابة كسعيد بن زيد وسهل بن سعد وعائشة وغيرهم ولا يثبت. وقد اختُلِفَ في الحديث؛ فضعفه الإمام أحمد والبخاري والعقيلي وهو الصواب. وصححه أو حسنه ابن أبي شيبة والمنذري وابن سيد الناس وابن حجر والعراقي وابن القيم وغيرهم. انظر جُنَّة المرتاب للحويني ص ١٧٧ - ١٩٤، وكشف المخبوء بثبوت التسمية عند الوضوء له، والإرواء (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٤) في (ح) (النصر)، وعلق عليه الناسخ في الحاشية بقوله: "لعله: النص".
[ ٢٨ ]
وهذا يقتضي عدم مساواة ما أثبتَه لما نفاه في الحكم والحقيقة، فلا يجوز التَّسوية بينهما.
وهذا كقوله ﷺ: "لا يُجْلَدُ فوق عشرةِ أسواط إلا في حدٍّ من حُدودِ الله" (^١)، ففرَّق بين الحدِّ وغيره في تجاوز العشرة، فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر، ولا الجمع بينهما في الحكم.
وكذلك منعُه من بيع الرُّطَب بالتمر، وتجويزه في العرايا (^٢)، فلا يجوز الجمع بينهما في التحريم ولا في المنع.
وكذلك تحريمه ربا الفضل مع اتِّحاد الجنس في الأعيان التي نصَّ عليها، وتجويزه التفاضل مع اختلاف الجنس (^٣).
وكذلك سائر ما فَرَّق بينهما في الحكم.
فلا يُفَرَّق بين ما جَمع بينه، ولا يُجْمَع بين ما فَرَّق بينه، فلا بدَّ من إلغاء أحد الأمرين: إما إلغاء ما اعتبرتموه من الجمع بين ما فَرَّق الشارع بينه، أو إلغاء ما اعتبره من الفَرْق، ولا سبيل إلى الثاني، فتعيَّن الأوَّل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٥٦ - ٦٤٥٨) ومسلم (١٧٠٨) من حديث أبي بردة الأنصاري ﵁. وعند البخاري (جلدات) بدلًا من (أسواط)، وعند مسلم (.. أحدٌ فوق …).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٤٠). من حديث سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ: (نهى عن بيع الثمَر بالتَّمْر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رطبًا) لفظ البخاري.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٠٧١)، ومسلم (١٥٩٠) من حديث أبي بكرة ﵁. تنبيه: وقع في (ظ) (على اختلاف) بدلًا من (مع اختلاف).
[ ٢٩ ]
ثمَّ تبيَّن أنَّ ما ذكرتُموه من الجمع ليس بصحيح، فأيُّ فروسيَّة وأيُّ مصلحةٍ للإسلام وأهله وللمجاهدين (^١) في مسابقة السُّعاة على أقدامهم؟! ومتى انكسر بأحدِهم عدوٌّ، وانتصر به حقٌّ، أو تقوَّتْ به فئة؟! ومتى بُعث بريدٌ على قدميه؟! (^٢).
فأحسن أحوال هذا العمل أن يكونَ مباحًا، فأما التَّراهن عليه فلا.
وأما ما نظَّرْتُم به هذا (^٣) الحديث من قوله ﵊: "لا ربا إلا في النَّسيئة"، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (^٤) ونظائرهما؛ فلو نظّرتُموه بقوله ﵊: "لا صلاة لمنْ لا وضوء له" (^٥)، و"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (^٦)، و"لا صيام لمن لم
_________________
(١) في (ظ) (للمجاهدين)، وفي (ح) (والمجاهدين).
(٢) وقع في النسخ اضطراب في العبارة، من قوله (بأحدهم) إلى (بريد) والبريد: الرَّسول.
(٣) ليس في (ظ).
(٤) تقدما قريبًا.
(٥) أخرجه الترمذي رقم (٢٥) وابن ماجه رقم (٣٩٨) وأحمد في المسند (٤/ ٧٠) رقم (١٦٦٥١) والدارقطني في السنن (١/ ٧٢ - ٧٣) والبيهقي (١/ ٤٣) وغيرهم من حديث سعيد بن زيد. والحديث تكلم فيه الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وصححه أو حسنه: ابن أبي شيبة، والمنذري وابن سيد الناس والعراقي وابن القيم وغيرهم. انظر جنة المرتاب ص ١٧٩ - ١٨١، وتحقيق المسند (٢٧/ ٢١١ - ٢١٣).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
[ ٣٠ ]
يُبيِّت الصيام من الليل" (^١)، و"لا عمل لمن لا نيَّة له، ولا أجر لمن لا حسبة له" (^٢) ونظائره = لكان أولى، إذ حقيقة ذلك نفي مسمَّى هذه الأشياء شرعًا واعتبارًا، وما خرج عن هذا؛ فلمعارضٍ أوجبَ خروجَه.
قالوا: وأما قولكم: إن هذا جعَالة على عمل مباح، فكان جائزًا كسائر الجعالات.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ هذا ينتقض عليكم بسائر ما منعتُم فيه الرهان من
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٧٣٠) وأبو داود (٢٤٥٤) وابن ماجة (١٧٠٠) والنسائي رقم (٢٣٣١ - ٢٣٣٤) وأحمد في المسند (٦/ ٢٨٧) وغيرهم. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصواب أنه موقوف كما رجحه الإمام أحمد والبخاري وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. انظر كتاب الصيام من شرح العمدة لابن تيمية (١/ ١٧٧ - ١٨٢) رقم (١٥٣) والإرواء (٤/ ٢٥ - ٣٠) رقم (٩١٤). تنبيه: وقع في (ح، مط) (النيَّة) بدلًا من (الصيام).
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١/ ٤١) والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٤٩١ - ٤٩٢) رقم (٦٩٣). من حديث أنس بن مالك بكلا الشطرين. وسنده ضعيف لإبهام بعض أهل بيت ابن المثنى الأنصاري. ورُويَ نحوه عن أبي ذر مرفوعًا عند الديلمي (٥/ ١٨١) رقم (٧٨٩٤) - كما في تسديد القوس لابن حجر - وهو غريب. ورُوي عن عمر بن الخطاب موقوفًا بالشطر الأول - أخرجه أبو بكر الأنصاري في مشيخته الكبرى (٣/ رقم ٦٠٠) وغيره. وسنده ضعيف، للانقطاع.
[ ٣١ ]